الثوابت والتناقضات في السياسة الامريكية الخارجية
د. سعيد الشهابيالثوابت والتناقضات في السياسة الامريكية الخارجيةما هو الثابت وما هو المتغير في السياسة الخارجية الامريكية؟ لو استطاع أحد الاجابة بشكل قاطع علي هذا السؤال لأمكن التعامل مع تلك السياسة بقدر من الموضوعية يقلل من اضرار المواجهة المباشرة مع اكبر قوة عسكرية في العالم في الوقت الحاضر. فليس هناك من يريد الدخول في صراع عسكري مباشر مع الولايات المتحدة، سوي المجموعات السرية التي تعمل خارج الأطر الجغرافية المعروفة. فالحرب مكلفة جدا ماديا وبشريا، وغير مضمونة النتائج. والدول التي تجد نفسها في مواجهة مع الولايات المتحدة لم تتخذ قرار تلك المواجهة، بل وجدت نفسها مستهدفة من قبل الساسة في واشنطن الذين يقررون، وفق معاييرهم الخاصة، أجندة الصراع وأساليبه وأهدافه.ويعيش العالم في الوقت الحاضر صراعا قويا حول المرجعية السياسية والشرعية لدوله، بين الامم المتحدة والولايات المتحدة الامريكية. ويفترض ان الامن والسلام الدوليين محكومان بشرائع الامم المتحدة التي تمثل التوافق الدولي، ولكن هناك صراعا بين واشنطن (عاصمة الحكم الامريكي) ونيويورك (المقر الرئيسي للامم المتحدة) حول مرجعية القرار الذي ينظم العلاقات الدولية ويحاصر اسباب التوتر والاضطراب بين الدول. هذا الصراع يزداد حدة عندما يتضارب الموقف بين واشنطن ونيويورك، ويهدأ عندما يتقاطع. وفي السنوات الاخيرة ازداد التضارب بين الطرفين، خصوصا بعد حرب العراق في 2003 لان الامم المتحدة لم توفر غطاء للحرب الانكلو ـ أمريكية ضد بغداد، ويتوقع ان يتطور هذا التضارب فيما لو أصرت واشنطن علي استهداف ايران بأساليبها الخاصة، بعيدا عن الارادة الدولية التي رفضت حتي الآن الانصياع للضغوط الامريكية. فهل هناك اذن مشكلة بين العالم والولايات المتحدة؟ لا شك في ذلك. وهي مشكلة خطيرة لانها تحدث بين طرفين: أحدهما يسعي لاحتواء الامور بالاساليب الدبلوماسية ضمن الأطر التي توافق العالم بشأنها لمنع الحروب، والآخر ينطلق علي اساس قوته العسكرية لفرض سياساته، حتي لو كان ذلك خارجا علي الشرعية الدولية. كفتان تتنافسان في ميزان القوي، احداهما تمتلك السلاح والاقتصاد، والاخري تمتلك الارضية الاخلاقية الناجمة عن التوافق الدولي. انه صراع يود العالم ان لا يحدث لانه لا يخدم احدا في شيء. الخلاف بين العالم والولايات المتحدة له مصاديق عديدة، في مقدمتها الخلاف حول المرجعية السياسية والقانونية التي تمثلها الامم المتحدة والتي ترفضها (عمليا) الولايات المتحدة. ومن مصاديق الخلاف رفض واشنطن التصديق علي اتفاقية كيوتو للحد من انبعاث الغازات المضرة بالبيئة، والمحكمة الجنائية الدولية، والسجون غير القانونية خصوصا سجن غوانتنامو، والسجون السرية في عدد من البلدان الاوروبية، بالاضافة الي سياسات واشنطن الاقتصادية التي تحمي بموجبها منتجاتها خلافا لنصوص اتفاقات التجارة الحرة. وفي الاسبوع الماضي صدر تقرير عن لجنة مكافحة التعذيب التابعة للامم المتحدة يدين ممارسة التعذيب في تلك السجون، ويطالب الحكومة الامريكية بالتوقف الفوري عن تلك الانتهاكات. جاءت الانتقادات في تقرير من احدي عشرة صفحة بعد ان بحث عشرة من خبراء حقوق الانسان ملف الولايات المتحدة حول مدي التزامها بمعاهدة الامم المتحدة حول منع التعذيب التي أقرت في العام 1984. وقال التقرير: علي الدولة المعنية التوقف عن اعتقال اي شخص في سجن غوانتنامو واغلاق المعتقل . واضاف ان اللجنة قلقة ازاء الادعاءات بان الولايات المتحدة تدير سجونا سرية لا يسمح للجنة الدولية للصليب الاحمر بزيارتها . وطالبت اللجنة بعدم تسليم المعتقلين الي اي بلد يحتمل ان يتعرضوا فيه للتعذيب. ولتأكيد عدم ارتياح اصدقاء واشنطن من سياساتها في مجال حقوق الانسان، كرر المدعي العام البريطاني يوم السبت الماضي دعوته واشنطن لغلق سجن غوانتنامو. جاء ذلك بعد ان رفضت واشنطن طلبه الذي طرحه قبل اسبوع بغلق السجن، الامر الذي يؤكد عمق الانزعاج من السياسات الامريكية وتنكرها لقيم حقوق الانسان، حتي لدي اقرب أصدقائها. مشكلة الطرف الامريكي انه لا يقدم للعالم سياسة ثابتة لسياسته الخارجية وعلاقاته مع الدول والمجموعات السياسية خارج الحدود الامريكية. وكثيرا ما اتسمت تلك العلاقات بالاضطراب والابتعاد عن مبدئية المواقف، واعتماد المصالح الآنية بدلا عن الخطط والمبادئ الثابتة البعيدة المدي. وهناك ابعاد ثلاثة ثابتة في سياسة واشنطن الخارجية، وما عداها فهو خاضع للتغيرات المفاجئة والتناقض في اغلب الاحيان. هذه الابعاد هي: الموقف الداعم لقوات الاحتلال الاسرائيلية، وهي مسألة ثابتة في علاقات الولايات المتحدة بالعالم الخارجي ولا تخضع للنقاش او المساومة، حتي لو كانت تلك العلاقات علي حساب المصالح القومية الامريكية في بعض الاحيان. البعد الثاني يتمثل بالسعي الامريكي لتأمين الامدادات النفطية بالكمية والسعر المناسبين. ويمثل هذا البعد عاملا مهما في توجيه بعض المواقف والسياسات، ومنها ما يتعلق بالتخطيط الاستراتيجي. اما البعد الثالث فهو دعم انظمة الاستبداد في اطار زواج مصلحي بين امريكا وهذه الانظمة. في ما عدا هذه الثوابت، يمكن ملاحظة حالة من الاضطراب والتناقض في علاقات الادارات الامريكية بالقوي والحكومات الاخري. ويمكن الاشارة الي الوضع المتوتر في الصومال في الوقت الحاضر كمؤشر علي تناقض السياسات الامريكية وتضاربها، وتجاربها غير الناجحة في افغانستان والعراق ودول امريكا اللاتينية. ويضاف الي ذلك الموقف الامريكي من قضايا المشاريع النووية وحقوق الانسان والديمقراطية. فأية قراءة متأنية لهذه القضايا سوف تؤكد حالة الاضطراب والتشوش في سياسات واشنطن، وما لذلك من انعكاسات سلبية وتشويش علي العلاقات مع حلفائها. المعروف ان الولايات المتحدة الامريكية سحبت قواتها من الصومال علي عجل في العام 1993 بعد ان قامت مجموعات مسلحة بسحل جثث 18 من جنودها في شوارع مقديشو. واذا كان الامريكيون يتطلعون لتناسي تلك الحادثة المؤلمة لهم، فقد جاء فيلم سقوط الصقر الأسود الذي صدر قبل خمسة اعوام ليبقي مشاهد تلك الحادثة ماثلة في اذهان الامريكيين. اما الحكومة الانتقالية في الصومال فقد ابدت انزعاجا واضحا من السياسة الامريكية مؤخرا متهمة اياها بالتواطؤ مع امراء الحرب الذين شنوا الحرب ضد قواتها واخرجوها من مقديشو قبل ثلاثة عشر عاما. وتري الحكومة ان السياسة الامريكية تشجع اولئك الزعماء الذين يسعون لابقاء البلاد في حالة اضطراب امني متواصل يوفر الظروف الملائمة لانتشار عناصر تنظيم القاعدة في البلاد. وفي الاسبوع الماضي رفض مسؤولان امريكيان في واشنطن الاجابة علي اسئلة الصحافيين حول ذلك، وهما توني سنو، المتحدث باسم البيت الابيض، وشون ماكورماك الناطق باسم الخارجية. اما الرئيس الصومالي الانتقالي، عبد الله يوسف أحمد، فلم يخف انزعاجه من الموقف الامريكي متهما اياه بدعم المتمردين لاضعاف حكومته. هذا التناقض الامريكي يكشف تأرجح سياسات واشنطن الخارجية، وهي السياسات التي ادت الي كثير من التعقيدات السياسية والامنية في العالم. فبعد انسحاب القوات السوفياتية من افغانستان في 1989، بدأت ادارة الرئيس كلينتون بالضغط علي الرئيس الافغاني آنذاك، برهان الدين رباني، لطرد الافغان العرب من بلاده، وادي ذلك الي انتشارهم في كافة الاصقاع، ومنها الصومال. وكان من النتائج المباشرة لتلك السياسة عودة عدد كبير من المقاتلين الجزائريين الي بلادهم. ووفر الغاء الممارسة الديمقراطية في ذلك البلد في 1992 ظروفا مواتية لتلك العناصر لشن حرب شرسة ادت الي مقتل اكثر من 150 الفا من الجزائريين. وما تزال مشاهد القتل الجماعي واساليب الذبح الفظيعة في القري والمدن الجزائرية حية في اذهان الذين تابعوا الازمة الجزائرية التي ما تزال ذيولها مستمرة. الولايات المتحدة هي تلك دعمت بعض العناصر المقاتلة في افغانستان ومنهم أسامة بن لادن لمواجهة القوات السوفياتية، ثم ساهمت في تأسيس حركة طالبان لمواجهة حكومة المجاهدين، وفي كلتا الحالتين كانت نتائج تلك السياسة كارثية للولايات المتحدة وحلفائها. وقبل ذلك دعمت واشنطن العراق في حربه ضد ايران، وما هي الا فترة قصيرة بعد ذلك لا تتجاوز العامين، حتي وجدت واشنطن نفسها في مواجهة مباشرة مع نظام صدام حسين في اثر اجتياح الكويت، فشنت حربا مدمرة ضد العراق لم يشهد العالم مثيلا لها من حيث استعمال التكنولوجيا المتطورة والآثار البيئية المدمرة ليس في العراق والكويت فحسب، بل في منطقة الخليج كلها. حلفاء واشنطن يدركون خطر السياسة الامريكية المتقلبة، وعدم استنادها الي ثوابت واضحة او مبادئ وقيم مقدسة. وبعد حرب الكويت طرحت واشنطن مسألة امتلاك العراق اسلحة دمار شامل، وعاقبت الشعب العراقي بعقوبات مروعة لعشرة اعوام متواصلة، ثم شنت الحرب التي اسقطت نظام صدام حسين، ليكتشف العالم، مرة اخري، كذب الادعاءات الانكلو ـ أمريكية بعد ان فشلت قوات الاحتلال في اكتشاف أثر للاسلحة التي يفترض ان تكون لدي العراق. ومرة اخري فوجيء العالم بمقولات جديدة مفادها ان الحرب كانت بهدف نشر الديمقراطية في المنطقة، وطرحت مقولة الشرق الاوسط الكبير تارة، ومشروع الشراكة الديمقراطية تارة اخري، كعناوين أكثر تمدنا وأقل عسكرة. وانشغل الكتاب والمفكرون بمناقشة هاتين الاطروحتين، والموقف منهما، وكأنهما اصبحا يمثلان حجر الزاوية في السياسة الامريكية الخارجية. ولكن سرعان ما تبددت الآمال، فعادت حليمة لعادتها القديمة، واصطفت ادارة الرئيس جورج بوش مع قوات الاحتلال الصهيونية والانظمة القمعية في المنطقة. فرفضت قرار الشعب الفلسطيني الذي صوت لمنظمة حماس، ورفضت التحاور معها وحثت حلفاءها علي مقاطعتها، وتمارس اليوم حصارا اقتصاديا علي الشعب الفلسطيني شبيها بالحصار الذي فرض علي العراق. ومارست ضغوطا هائلة علي الساسة العراقيين الجدد عندما رشح افراد لا ترغب واشنطن فيهم لمناصب حساسة في الحكومة، وتوجه كبار المسؤولين الامريكيين والبريطانيين الي بغداد لفرض سياسات بلديهما. وفي منطقة الخليج تراجعت واشنطن عن وعودها الاولي بالترويج للديمقراطية، واعلنت مجددا دعمها للانظمة غير الديمقراطية في مجلس التعاون الخليجي، وتخلت عن دعم النشطاء السياسيين في المملكة العربية السعودية الذين زجت السلطات بهم في السجون بسبب مواقفهم المطالبة بالانفتاح والاصلاح السياسي. وأوضحت لمعارضي حلفائها في البحرين بانها ترفض معارضتهم، وانها غير مستعدة للتحاور الا مع من يشاركون في نظام الحكم الاستبدادي. وفي مصر غضت واشنطن طرفها عما يمارسه النظام بحق معارضيه، خصوصا من جماعة الاخوان المسلمين وبعض الرموز الاخري مثل انور نور، الذين اودعوا السجون بسبب مطالبتهم بالاصلاح السياسي وانهاء الاستبداد الفردي والعائلي. هذه الحقائق تثير في أذهان المعنيين بالسياسة الخارجية الامريكية، سواء حلفائها الغربيين ام الناشطين في بلدان الشرق الاوسط، تساؤلات حول السياسة الخارجية لواشنطن، ومدي قدرتها علي طمأنة الآخرين بوجود سياسة ثابتة وواضحة في اذهان المسؤولين في البيت الابيض. وفي ظل هذه السياسات المضطربة والمتأرجحة ينتاب الكثيرين شعور باليأس من حكمة الدولة الكبري في العالم علي التعايش السلمي مع دول العالم الاخري، ومدي قدرتها علي المساهمة الايجابية في تشييد صرح سياسي عالمي يتميز بالاستقرار والامن والديمقراطية والعدالة. فتجربة العقود الاربعة الاخيرة (منذ حرب 1967) تكشف ازمة السياسة الامريكية في المنطقة وعدم قدرتها علي استيعاب التغيرات والتطلعات لدي شعوبها. وقد تورط حلفاؤها الذين سايروها بدون مساءلة في مواقف عادت عليهم بالخسارة، كما هو حال رئيس الوزراء البريطاني حاليا، الذي اظهرت آخر استطلاعات الرأي العام ان شعبيته انخفضت الي اقل من 30 بالمئة. فهل بالامكان في ظل هذه الحقائق الاعتماد علي الدور الامريكي في التغيير نحو الافضل؟ ان بامكان الولايات المتحدة الامريكية ان تتحول الي قوة للخير، ولكن زعماءها يصرون علي غير ذلك، ويجرون بلادهم لسياسات ومواقف تتضارب مع مبدأ التوافق الدولي والعمل المشترك في اطار الامم المتحدة. فهل هذا ما يريده الشعب الامريكي؟ 9