الثورات البرتقالية وغياب انصارها عن مشهد الانتخابات المصرية

حجم الخط
0

الثورات البرتقالية وغياب انصارها عن مشهد الانتخابات المصرية عبد الحي علي قاسم التجربة الطويلة للنظام العربي تجاه الديمقراطية جعله عرضة للرصد والتمحيص حول سماته التسلطية، فهو لا يكاد يخرج عن بعض التوجهات التقليدية، وإن أظهر بعض الانصياع لاستحقاقات العصرنة التي تحاول تعميمها بعض الدول الغربية، وفي طليعتها الولايات المتحدة. غير أنه غارق في طبيعته السلطوية والشخصية والأبوية، والأهم من ذلك أنه عسكري حتى الثمالة، وغير وارد أنه على استعداد لأن يستغني عن رزمة السمات السلطوية السابقة في ظل سعيه نحو تأبيد السلطة، ومحاولة نقلها إلى الأبناء بكل الوسائل المتوفرة. وفي سبيل ذلك يسعى إلى تعبئة وتوظيف كل الإمكانات والقدرات المتاحة واللازمة لتزوير الانتخابات، للحيلولة دون أي فرصة من شأنها أن تهدد الحكومات الحصرية وامتيازاتها في الحكم.

وقد أظهرت الانتخابات الأخيرة في مصر أن القمع والتزوير لإرادة المواطنين هو طابع شرقي بامتياز، فالحكومة المصرية تتصرف بمشيئة مطلقة بلا خوف من تبعات أي تزوير تقدم عليها، بعد أن استطاعت أو ضمنت تحييد أي ضغوط خارجية، وأعفيت من تبعات أي مساندة لثورة برتقالية على غرار ما حدث مع إيران، رغم الفارق الكبير في التجربة الديمقراطية التي لا مجال فيها للمقارنة بين تجربة نزيهة مثل إيران ومهزلة الديمقراطية المصرية. إن ما قامت به الحكومة المصرية من ارهاب للمواطنين، وحرمانهم من ممارسة أبسط حقوقهم، وجملة الانتهاكات المتنوعة في الانتخابات الأخيرة من حرمان مندوبي المعارضة من المراقبة بعد رفض الرقابة الخارجية على الانتخابات، وممارسة عملية تزوير واسعة أمام عدسات المراقبة، وشراء الأصوات، والتغطية الأمنية لكل هذه الانتهاكات، دليل قوي على أن النظام المصري لن يكون ديمقراطيا البتة، فهو غارق ومغمور في طبيعته السلطوية. وتسليمه لبعض الضغوط السابقة التي فقد معها بعض الدوائر التي لم تغير شيئا من واقع الفساد في مصر، لم تكن سوى جرعة ديمقراطية سرعان ما تخلص من آثارها، ولن تتكرر في قاموسه السياسي. ولذلك وجه ضربة قاصمة للديمقراطية المصرية أمام مسمع ومرأى العالم عندما أفسح المجال لحيتان الحزب الوطني كي تلتهم الانتخابات غير عابئ بأي ردات فعل غربية مزايدة، بعد أن دفع الكثير من فاتورة مصر الوطنية للغرب وإسرائيل على وجه التحديد للتخلص من هذه المزايدات، كما لم ينس أن يقدم جزرة بسيطة لتلطيف علاقاته مع إيران بتطبيع جزء من علاقاته معها، حتى لا تقوم إيران بدعم ثورة برتقالية ولو إعلامية في مصر عملا بمبدأ المعاملة بالمثل.

هذه الممانعة المصرية تجاه أي تغيير ديمقراطي وتغييب جوهرها التنافسي من الساحة المصرية هو نوع من العقم والضعف اللذين يعيشهما النظام المصري تحت ضغط الحفاظ على السلطة، وتغييب رقابة الشعب عن الجرائم التي يرتكبها حيتان الحزب الوطني، وأقصى ما يمكن أن تقدمه هو تعددية صورية لا تغير من واقع الحزب الوطني الواحد شيئا، وتحويل بقية الأحزاب المعارضة إلى دمى سياسية تمثل دورا بائسا في واقع الديمقراطية المصرية، وأن بعض الإصلاحات الشكلية التي شفعت بها الدول الغربية وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن سوى تحديث لصورة الاستبداد المتهالك، لكي يحافظ على المصالح الغربية في المنطقة.

والكل يتساءل الآن أين أنصار الثورات البرتقالية في العالم، وما هي مواقفهم إزاء ما جرى للديمقراطية المصرية من مذبحة على يد النظام المصري المعتدل؟ أم أن حكومة الخدمات المصرية مستثناة من مجرد حتى النقد، وليس العمل للإطاحة بها كما كان الأمر مع إيران؟ ‘ استاذ علوم سياسية وباحث في المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية