د. يوسف نور عوض’في أعقاب الانتفاضة التونسية ارتفعت أصوات في العالم العربي تبشر بأن ما حدث في تونس سوف يتكرر في أماكن مختلفة من العالم العربي، وقد حددت هذه الأصوات عددا من الدول العربية تقع فيها مثل هذا الأحداث من بينها مصر، ولكن تشكك البعض في ذلك وقالوا على الرغم من أن مصر تحتاج إلى مثل هذا التغيير فإن احتمال اندلاع ثورة شعبية فيها على هذا النحو بعيد الاحتمال بسبب ما عرف به الشعب المصري من صبر ورغبة في تغيير الأمور بطريقة سلسة تبتعد عن العنف، غير أن اندلاع الثورة الشعبية في مصر على هذا النحو فاجأ الكثيرين الذين انتظروا ما ستسفر عنه هذه الثورة.
وهنا نلاحظ أن ثورة مصر أحدثت أصداء غير مسبوقة ليس في العالم العربي وحده بل في مختلف أنحاء العالم، وقد بدأنا نرى دولا غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تقول إنها ظلت تذكر الحكومة المصرية بضرورة إجراء إصلاحات، ووصل الأمر في نهاية المطاف بالولايات المتحدة أن تقول إنها اتصلت بعدد من الدول في المنطقة وأوروبا وبحثت معها إمكانية التغيير السلس للسلطة في مصر، ومن جانب آخر أثارت الأحداث في مصر قلق إسرائيل التي ترتبط معها باتفاقية سلام تخشى إذا تغير النظام في مصر أن تلحق بها أضرارا كثيرة. وفي الوقت الذي تتطور فيه الأمور في مصر على هذا النحو يلاحظ أن الرؤية الداخلية فيها ما زالت مقيدة بقيود نظرة محدودة، فمن ناحية قام الرئيس حسني مبارك بتعيين عمر سليمان نائبا لرئيس الجمهورية وليس ذلك بالطبع بسبب رغبته في الاستجابة لمطالب الشعب، بل لاعتقاده أن هذا التعيين يمكن أن يقنع الكثيرين خاصة في داخل مصر بأنه لم يعد بفكر في توريث ابنه للنظام، وفي الوقت ذاته قام الرئيس بتعيين حكومة جديدة برئاسة أحمد شفيق، غير أن موقف الشارع المصري منها كان واضحا جدا وهو أن رسالته لم تصل حتى الآن إلى الرئيس إذ المطلوب ليس تغييرات في هيكل السلطة بل المطلوب في نظر الكثيرين هو إسقاط النظام واختفاء الرئيس مبارك من الصورة، وفي ضوء ذلك بدأت الأنظار تتجه نحو الجيش لتعرف موقفه، ويبدو الجيش في موقف حرج جدا إذ هو يعرف أنه لا يستطيع في هذه المرحلة أن يقوم بانقلاب عسكري إذ يعني ذلك العودة إلى المربع الأول وبدء مسلسل الانقلابات من جديد في مرحلة لم تعد صالحة لهذا النوع من الحكم، ويعرف الجيش في الوقت ذاته أنه لا يستطيع أن يواجه الجماهير بكون ذلك يعني أنه قد قرر الانحياز للحكومة التي يرفضها الشعب، ولذلك اصدر الجيش بيانه الذي يقول فيه، إنه يتفهم مطالب الشعب ولن يقف في وجه هذه المطالب كما لن يقف في وجه الشعب الذي يعبر عن رأيه بطريقة سلمية وكل ما يريده الجيش هو أن يلتزم الشعب النظام ولا يلجأ إلى العنف.
ولا يعني ذلك أن أهم العقبات في طريق الثورة المصرية قد أزيلت، إذ المطلوب في هذه المرحلة أن يكون واضحا ما يريده الشعب وكيف يمكن تحقيقه، ولا أعني بذلك الشعارات المعروفة مثل إسقاط نظام مبارك أو إسقاط الحكومة لأنه لو حدث ذلك فسوف ينشأ سؤال هو ثم ماذا بعد؟ هل يبدأ الناس في البحث عن رئيس جديد من نوع محمد البرادعي أم يبحثون عن حكومة جديدة؟ وهل تغيير الحكومة أوتغيير الرئيس يعني بالضرورة تعيير نظام الحكم؟
الإجابة بكل تأكيد هي لا، ذلك أن ما تحتاجه الشعوب العربية في هذه المرحلة هو ثقافة جديدة تستهدف تغيير نظم الدولة وليس تغيير نظم الحكم، ذلك أن تغيير نظم الحكم بدعوى الفساد أو الدكتاتورية قد لا يكون توصيفا صحيحا للحالة السائدة في العالم العربي لأنه حتى أكثر الحكام صدقا في هذا العالم قد لا يكونون قادرين على تغييرأحوال الناس، بكونهم لا يعرفون الفرق بين نظام الدولة ونظام الحكم، ولا ننكر هنا أن معظم نظم الدولة فيها حكومات غير أنه من الممكن أن يكون هناك نظام حكم في ظل غياب نظام الدولة ولكن العكس غير صحيح، وحتى نجعل الصورة واضحة فيجب أن نشرح الفرق بين نظام الدولة ونظام الحكم، كما هو الحال في العالم العربي، ما نعلمه هو أن الدولة هي نظام سياسي في بقعة معينة من الأرض، وأساس هذا النظام هو الاقتصاد حيث ترتبط مصالح الناس ببعضها بعضا، ولا يتم ذلك إلا حين تدخل الثروة القومية كلها في دورة اقتصادية مشتركة بحيث يستفيد منها جميع الناس، ولا يحدث ذلك إلا حين يضع الأغنياء أموالهم في المصارف بحيث تصبح من ممتلكاتهم اسما ولكنها في الحقيقة ملك الشعب كله، ذلك أن المصارف تقرض عشرين ضعف ما تمتلكه حقيقة، ومن خلال هذا الإقراض يتمكن جميع أفراد الشعب من إقامة مشاريعهم الاقتصادية الخاصة كما يستطيعون أن يقترضوا لبناء مساكنهم، وهنا لا يحدث تشاحن بين أفراد الشعب بكون الجميع يستفيدون من الثروة وليس مهما من يمتلكونها فقط، وبالإضافة إلى ذلك يكون هناك نظام للضمان الاجتماعي يستفيد منه جميع أفراد الشعب في حال التبطل عن العمل وفي حال تزايد أعباء الأسرة، ويقوم هذا النظام على فرض نظام ضريبي عادل يشارك فيه جميع الناس ولا يتهربون منه لأنهم يعلمون أن الفائدة ستعود عليهم في نهاية الأمر، ولكن مثل هذا النظام يحتاج في الوقت ذاته إلى درجة عالية من التنظيم في مجال التشريع والقانون، وذلك ما يحتم وجود حزبين على الأقل كما هو الشأن في الولايات المتحدة وبريطانيا، أحدهما في الحكم والآخر في المعارضة ويخضع الحزبان لقواعد النظام الديمقراطي الحديث ولا يخضعان للنفوذ القبلي أو العشائري أو الطائفي، أما القانون فيكون تحت أيدي سلطة مستقلة قادرة على أن تفرض نفوذها على الحاكم والمحكوم، ومتى توافر هذا النظام كان هناك ضمان في إقامة نظام الدولة المعافى.
وعلى عكس ذلك فإن نظم الحكم تقوم على مبادىء تختلف عن ذلك كله، إذ هي لا تهتم كثيرا بأن تؤسس نفسها على نظام الدولة بكون الحاكم قد يرث الحكم من ثقافة قبلية أو عشائرية أو استعمارية، فهو لا ينظر إلى الحكم إلا على أنه وسيلة من وسائل السيطرة على المقدرات، وبالتالي فإن الحاكم وبطانته لا يهتمون بتأسيس نظام الدولة الذي تحدثنا عنه سابقا، كما لا يهتمون ببناء قاعدة اقتصادية عريضة، ذلك أن أموال الفئة الحاكمة تذهب مباشرة إلى المصارف الأجنبية وتخرج بالتالي من الدورة الاقتصادية لتصبح جزءا من دورة اقتصادية في بلد آخر، وفي ظل هذا الوضع لا يكون هناك نظام ديموقراطى حزبي بل يكون هناك نظام دكتاتوري لأن النظام الديمقراطي يتعارض مع نظام الحكم أساسا، وبالتالي يصبح الحكم اجترارا يعتمد على القوى البوليسية والعسكرية ليس من أجل تحقيق مصالح معينة بل لأن الحكم لا يستطيع الاستمرار دون هذا الأسلوب.
وإذا عدنا الآن لما يجري في مصر تأكد لنا أنه منذ ثمانية وخمسين عاما فإن الذي يسيطر على مصر هو أنظمة حكم لا علاقة لها بنظام الدولة وقد كان من الممكن أن تسير مثل تلك الأنظمة أمورها عندما كان عدد السكان هو ربع العدد الحالي ولكن لا تستطيع الآن هذه الأنظمة مواجهة الاحتياجات الفعلية للمواطنين وهو ما يجعل الشعب بالضرورة ينقلب على الحكومة، ولكنه انقلاب ليس فيه ضمان بأن يحدث تغييرا حقيقيا في أسلوب الحكم بكون العقبة الرئيسية التي ستقف في طريق المواطنين هي كيفية الانتقال من أسلوب الحكم السائد إلى نظام الدولة، وهذا تغيير مؤسسي وليس تغييرا يقوم به فرد وبالتالي فإن البحث عن فرد أو مجموعة أفراد يقومون بهذه المهمة هو حرث في البحر، ذلك أن المطلوب في نهاية الأمر هو تغيير نظام المجتمع بأسره وتلك مهمة شاقة تحتاج إلى تغيير جذري في النظام الثقافي الذي يقف عائقا دون أي تحول أساسي في العالم العربي في الوقت الحاضر. ‘ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن