الثورات الشعبية ورؤية التغيير في العالم العربي

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

في عام ألف وتسعمئة وأربعة وستين اندلعت ثورة شعبية في الخرطوم ضد النظام العسكري الذي كان يقوده الرئيس إبراهيم عبود، وكان سبب الثورة اغتيال قوات الشرطة أحد طلاب جامعة الخرطوم في مظاهرة قام بها الطلاب، وقد فجرت حادثة الاغتيال انتفاضة شعبية عارمة قامت بها ما سميت في ذلك الوقت جبهة الهيئات، وقد ذهب وفد من جبهة الهيئات إلى الرئيس إبراهيم عبود يطالبه بالتقدم باستقالته، وعندها قال لهم الرئيس عبود إنه على استعداد للتقدم بالاستقالة إلا أن لديه مطلبا واحدا يرجو تحقيقه، وعندما سئل عن مطلبه قال لهم إنه اقترض مبلغ أربعة آلاف جنيه سوداني من البنك الزراعي ويريد من الحكومة الجديدة أن تقسط له دفع هذا المبلغ، فقال له الوفد إن الثورة تعفيك من أي التزامات وعندها تقدم الرئيس عبود باستقالته، وبعد أيام قليلة توجه أعضاء مجلس قيادة الثورة إلى وزارة المالية لمتابعة إجراءات معاشاتهم، وبعد فترة باع اللواء محمد طلعت فريد نائب رئيس مجلس قيادة الثورة منزله المتواضع في منطقة الامتداد.

ولكن الثورة التي أسقطت نظام الفريق إبراهيم عبود لم تقدم بديلا مناسبا لحكم السودان إذ سلمت السلطة للقوى الطائفية والحزبية التي كانت تتوهم أنها قوى ديمقراطية، لتعيد الممارسات القديمة التي كانت سببا في تسليم عبدالله خليل السلطة للنظام العسكري، ولم يمض طويل وقت حتى قام الرئيس جعفر نميري بانقلابه الذي امتد نحو ستة عشر عاما حكم خلالها السودان تحت اسم ثورة مايو، ولم يكن انقلاب النميري غريبا في ذلك الوقت إذ كان معظم شباب العسكريين في العالم العربي يطمحون إلى الانقلابات ويعتقدون أنها الوسيلة الوحيدة لانتزاع السلطة من القوى التقليدية وتحقيق تطلعات الشعب، ولكن النميري الذي واجه صعوبات في آخر أيام حكمه جعلته يتحالف مع الأخوان المسلمين أسقط بثورة شعبية مماثلة، وهنا تحضرني بعض المناسبات بعد سقوط نظام الرئيس جعفر نميري، حيث كنت أعمل في ذلك الوقت أستاذا في جامعة سالفورد في بريطانيا، وأذكر أن الرئيس نميري جاء في زيارة إلى لندن وكلف الأخ معاوية يس بأن يدعوني لحضور اجتماع أقامه أنصاره في العاصمة البريطانية، وجئت من مانشستر وحضرت الاجتماع الذي كان يبحث في كيفية عودة الرئيس نميري إلى الحكم، وقد عرضت في ذلك الاجتماع آراء كثيرة، و عندما أتى دوري قلت للرئيس نميري لا داعي لأن تفكر في العودة مرة أخرى إلى الحكم، ويمكنك أن توظف معارفك لمساعدة نظام الحكم القائم في السودان، وعندما عدت إلى مانشستر اتصل بي الأخ معاوية يس وقال لي إن الرئيس نميري يشكرك على ملاحظتك وقال إن رأيك هو الرأي السديد، وأذكر أنه بعد عام عاد الرئيس نميري إلى لندن، وذهبت إلى مقابلته في المسكن الذي ينزل فيه في شارع ‘إنفيرنس’بالقرب من ‘كوينز ويي’ وهناك أخبرني أنه يعاني من مرض في القلب وأن الأطباء في الولايات المتحدة نصحوه بأن يأتي إليهم كل عام لمواصلة الفحوصات، غير أنه لم يستطع العودة إليهم، وعندما سألته لماذا؟ قال الرئيس نميري إنه لا يملك تكاليف الرحلة إلى الولايات المتحدة، تصوروا كيف أن رجلا حكم السودان ستة عشر عاما ولا يملك تكاليف علاجه في الولايات المتحدة، لكن تلك كانت أخلاق الحكام الذين رغم قصورهم في الحكم كانوا يعتقدون أنهم يقومون بمهمة وطنية، ولم يتغير الوضع كثيرا بعد سقوط نظام الرئيس نميري إذ عادت الأحزاب التقليدية الكرة من جديد لينتهي الأمر بانقلاب عسكري آخر هو نظام الإنقاذ القائم في السودان في الوقت الحاضر.

ذكرت ذلك للتأكيد بأن التغييرات الجوهرية في أنظمة الحكم لا تكون فقط بالثورات الشعبية بل أيضا بوجود الرؤى الصحيحة عند الحكام والمحكومين وهذه ثقافة غائبة في العالم العربي بدليل ما يحدث الآن في بعض البلاد العربية، فإذا توقفنا عند ما يجري في سورية تبين لنا أن غياب الرؤية هو السبب في هذه الكوارث التي تحدث في هذا البلاد، فمن ناحية لم يأت الرئيس بشار الأسد من خلال إرادة شعبية بل أتى من خلال نظام التوريث الذي أوجده نظام انقلابي، ولكن الأسد لا يريد أن يفهم هذه الحقيقة وهو على استعداد لأن يقتل شعبه من أجل مواصلة العمل الذي يقوم به، وكل ما يفعله العالم الخارجي إزاء هذا الموقف هو المطالبة بأن يكون هناك حوار مع أن القاعدة الأساسية التي وضعها أرسطو للحوار هي أن تكون هناك أرضية مشتركة يبدأ منها المتحاوران، وهي قاعدة غير موجودة في الوقت الحاضر خاصة في الوضع السوري إذ المشكلة القائمة في سوريا لا تنحصر في التوصل إلى تفاهم حول كيفية حكم البلاد بل التوصل إلى صيغة تنتقل بها هذه البلاد من نظام حكم الفرد إلى نظام حكم الدولة، وما ينطبق على سورية ينطبق على ليبيا، إذ لم يعد من المقبول أن يستخدم العقيد القذافي الطائرات والراجمات لقتل أبناء شعبه في وقت يظهر فيه على شاشات التلفزيون ليقول إنه لا يحتفظ بأي منصب رسمي، ولو كان يحتفظ بهذا المنصب لألقى بالاستقالة في وجوه معارضيه، إذن لماذا يقتل القذافي أبناء شعبه؟

لقد تعود القذافي منذ زمن على الخداع خاصة عندما وضع كتابه الأخضر الذي لم يقم بتأليفه بل وضعه بعض أعوانه من السودانيين من بينهم بابكر كرار، وأراد القذافي من خلال هذا الكتاب أن يصور نفسه كفيلسوف له نظرية ثالثة، يحول بها الحكم إلى اللجان الشعبية، وظهر أن كل ذلك مجرد خداع بدليل أن القذافي يقتل شعبه في الوقت الحاضر من أجل المحافظة على حكم بلاده وكذلك النهب الذي نهبه من ثروات تلك البلاد.

وكان من المفروض أن تكون مصر أفضل حالا، ولكن بعد أن أطاحت انتفاضتها بالرئيس مبارك، بدأت مصر تواجه مأزقها الحقيقي وهو كيفية انتقال البلاد من الوضع القديم الذي استمر ستين عاما إلى وضع جديد يتأسس فيه نظام الدولة.

وتلك هي المشكلة الحقيقية التي تواجهها معظم بلاد العالم العربي، التي تنشغل بالصراعات الطائفية والمذهبية والقبلية والدينية دون أن يكون لها تصور حقيقي حول كيفية التغيير، وإذا ما قيل لشعوبها إن هناك نماذج في العالم الغربي يمكن النظر إليها في تأسيس نظام الدولة قال الكثيرون إن الغرب بلغ ما وصل إليه نتيجة التطور الطويل وهو تطور لم يصل العالم العربي إلى مستواه حتى الآن، والحقيقة هي أن العالم العربي لا يسير في طريق التطور بل هو يعيد إنتاج نفسه بصورة مكررة دون أن تتبلور لديه الرؤية من أجل إيجاد نظام الدولة الذي يغير الواقع بشكل جوهري، وهنا لا بد أن نؤكد أن الحكام لا يساعدون في عملية التغيير لأنهم يعتقدون أن التغيير تهديد لسلطتهم وليس ذلك صحيحا، لأننا نلمح في العالم الغربي اشكالا مختلفة من الحكم، ومع ذلك هناك أنظمة ديمقراطية حيوية، إذ هناك في بريطانيا نظام ملكي وتعتبر الديمقراطية البريطانية من أفضل الديموقراطيات في العالم، وهناك في الولايات المتحدة نظام رئاسي كما هو الشأن في فرنسا وهما نظامان ديمقراطيان على الرغم من اختلافهما، والمهم في النظم الديمقراطية أن يكون القانون هو الحكم وليس إرادة الأفراد، كما يجب أن يكون الاقتصاد هو الأساس الذي يوفر فرص العمل والضمان الاجتماعي لسائر المواطنين، وألا تقوم الديمقراطية على الطوائف أو القبائل أو المذهبيات الدينية، فنحن نشاهد في بريطانيا أربعة أقاليم هي إنكلترا وويلز وأسكتلندا وأيرلندا، ومع ذلك فإن الحزبين الرئيسيين اللذين يتبادلان السلطة هما حزبا المحافظين والعمال مع وجود أحزاب صغيرة غير مؤثرة ولكن لا غنى عنها لعكس التنوع في التوجهات، ويبقى هذا الوضع قائما لأن الناس لا يحتاجون لأكثر من حزبين يكون كل منهما رقيبا على الآخر، وإذا حدث هذا في العالم العربي بدأ التغيير الحقيقي، وفي غياب مثل هذا التغيير تصبح الثورات الشعبية مجرد أحداث للفوضى والإرباك لا ينتج عنها ما يتطلع إليه الناس. ‘ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية