د. سعيد الشهابي
بعد بضعة شهور من انطلاقتها اصبحت ثورات الشعوب في العديد من الدول العربية امام خيارات صعبة بين الانتصار وما يتضمنه من اسقاط الانظمة الديكتاتورية، او الاستسلام بقبول انصاف الحلول. وقد اصبح واضحا ان هناك تحالفا قويا من القوى المناهضة للتغيير السياسي في العالم العربي، اما لدوافع سياسية او استراتيجية او اقتصادية. فمنذ منتصف القرن الماضي تولى زمام الامور في هذه البلدان طيف من الانظمة التي تحولت بمرور الوقت نحو الاستبداد القائم على القمع وانتهاك الحقوق والتعسف. ولم يتغير هذا الوضع برغم اكتظاظ السجون بالمعتقلين السياسيين وممارسة ابشع وسائل التعذيب في اغلب هذه البلدان. وما اكثر التقارير الدولية التي صدرت في العقود الاربعة الماضية لتوثق الانتهاكات التي تواصلت في ظل الهيمنة الامريكية التي بثت ثقافة الاستسلام بين المواطنين. اليوم انتفضت هذه الشعوب، وكانت بداية انتفاضتها مشجعة لاسباب عديدة: اولها انها كانت عفوية وبدون تخطيط مسبق، وكان استشهاد الشاب التونسي، محمد بوعزيزي، عود الثقاب الذي اشعل وهج الثورات. ثانيها: ان القائمين عليها من جيل الشباب الذي لم يكن مسيسا، بل ربما لم يهتم اغلب قطاعاته بالسياسة، وكان يعتبر في نظر زعماء المعارضات المخضرمين، جيلا ناعما اعتاد الاسترخاء والدلال، وغابت السياسة عن فكره تماما. وقد ثبت ان هذا الجيل اقدر على التغيير من الاجيال المنظمة التي سبقته، والحركات التي التهمتها الانظمة بأدوات قمعها وانظمة استخباراتها بشراسة ونهم وإصرار على الابادة. ثالثها: انها كانت جماهيرية وليست نخبوية، فشهدت شوارع تونس ومصر والبحرين وليبيا واليمن وسورية مسيرات احتجاجية غير مسبوقة من حيث الحجم والتنظيم. رابعها: انها جاءت متزامنة مع بعضها، وفاجأت الولايات المتحدة حلفاءها في المنطقة، الامر الذي حال دون السيطرة عليها في الاسابيع الاولى نظرا لغياب سياسة معدة سلفا من قبل اجهزة استخبارات تلك الدول. بعد مرور اربعة شهور على هذه الثورات، الى اين تسير؟ وما أفق انتصارها؟ وما المعوقات التي تعترض طريقها؟ ثمة تياران واضحان في اغلب الثورات: تيار الشباب الذي كان، في اغلب الحالات، المفجر الاساسي للتحرك الشعبي، ومهندس ‘يوم الغضب’ في البلدان الثائرة، وتيار المعارضين المخضرمين الذين قضى اغلبهم حياته في النضال السري او العلني من اجل الاصلاح، وانخرط في تنظيمات او تجمعات، وربما دخل السجن مرارا. تميزت الثورات الحالية بالدور القيادي لجيل الشباب، وفي اغلب الحالات التحقت حركات المعارضة المخضرمة بها. حتى هنا لا يبدو الامر مستغربا او مزعجا. لكن ما يثير القلق وجود تمايزات بين الجيلين قد تؤثر على نتائج الثورات. من هذه التمايزات ما يلي: ان الشباب ولج عالم السياسة بحماس فطري غير مسبوق، فلم يكن مثقلا بأعباء الماضي والتجارب المريرة التي تدفع للاحباط في اغلبها، ولا يعاني من الحساسيات الحزبية او الفئوية التي تعاني منها حركات المعارضة في كافة البلدان. هذا النقاء وفر اجواء ايجابية لحركة الشارع، خصوصا ان المطالب كانت واضحة ومختصرة. والملاحظ ايضا ان اغلب هذه الثورات بدأ بطرح مطالب عديدة مفصلة، ولكنه انتهى الى مطلب واحد يلخص المطالب كلها: الشعب ‘يريد اسقاط النظام’. هذه الجملة التي كررتها الشعوب الثائرة اختصرت قضية الشعوب العربية المشتركة واقنعت الجماهير، في وقت قصير جدا، باستحالة اصلاح الاوضاع في ظل انظمة الحكم القائمة. ثانيا: ان هذا الجيل لم يكن اسيرا لمنطق ‘العقلنة’ و ‘الواقعية’ و ‘المنطق’ بل اندفع بفطرته لمواجهة الانظمة السياسية العتيدة المدعومة باجهزة استخبارات ذات تجارب هائلة في مواجهة المعارضين وتعذيبهم. هذا الجيل لم تتكدس في ذاكرته تجارب عقود النضال، التي، برغم فوائدها، فانها قد تؤثر على روح الثورة، بل قد تكون حائلا دونها. فالمعارضون الذين دخلوا السجن وتعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة والاهانات المتواصلة، اصبحوا ينظرون الى النظام من زاوية ما يملكه من اجهزة امن عتيدة جعلتهم غير قادرين على تصور امكان التظاهر في الساحات العامة لان تلك الاجهزة ستنقض على المواطنين بدون رحمة وتقضي عليهم. اما الذين تصدروا الثورات الشعبية هذه المرة فكانت تجاربهم الشخصية الناقصة في المعتقلات ومراكز الشرطة، عاملا ايجابيا، فاندفعوا غير مبالين بتلك الاجهزة. ثالثا: ان اندفاع الشباب بدون تجارب شخصية مريرة، كسر حاجز الخوف، فما ان سقط الفريق الاول من الشهداء في كل من هذه البلدان، حتى اصبح الاستمرار في التظاهر والاحتجاج أمرا هينا، لان سفك الدم وازهاق الارواح في الشوارع بالشكل الذي حدث في تونس ومصر، كان أقوى سلاح موجه للثائرين، فما ان استعمل حتى فقد قيمته وقدرته الردعية. فظهرت على شاشات التلفزيون مشاهد غير مألوفة لشباب ينزعون ثيابهم ليواجهوا الدبابات بصدورهم العارية. وهنا تم تحييد القوتين الاساسيتين لدى النظام: القوات المسلحة واجهزة الامن. فالشباب تحرك بوجوه مكشوفة تحديا، وأبطل بذلك دور اجهزة الامن التي تبحث عن ‘القوى السرية’ التي تعمل في الخفاء، وصدور عارية تتحدى عناصر الجيش ودباباته. رابعا: ان قناعات جيل الشباب الثائر ترسخت بعدم امكان تطوير الانظمة التي ظلمت شعوبها ومارست القمع بدون حدود، وباختصار تعمقت القناعات باستحالة تحويل الحاكم الديكتاتور الى ديمقراطي مستعد للتنازل عن كرسيه فيما لو اختار المواطنون غيره. ففيما ترى قوى المعارضة التقليدية امكان اصلاح الانظمة القائمة، فان جيل الثورة يرفض ذلك جملة وتفصيلا ولا يرى حلا لازمات الامة الا باقصاء حكام الجور والظلم والتعذيب ومصادرة الحريات عن الحكم. وهكذا تواصلت الثورات، واسقطت رموزا سياسية طالما ارعبت شعوبها باجهزة الامن وقوات الجيش. فلو ترك الامر للحركات المعارضة التقليدية لكان لكل منها الف حساب: فكيف يمكن اختراق الطوق الامني للانظمة؟ وكيف نتحاشى سقوط الضحايا في الاحتجاجات؟ وكيف يمكن الحفاظ على الكيانات السياسية التقليدية وما لديها من تنظيمات سرية وعلاقات غير مكشوفة بين اعضائها؟ هل يمكن اخفاء القيادات التي ستكون الضحية الاولى المطلوبة من قبل اجهزة الامن والاستخبارات؟ هذه الاعتبارات تعوق اية مسيرة نحو الاصلاح الجذري، وربما تفيد للضغط من اجل اصلاحات هامشية ضمن النظام السياسي القائم. جيل الشباب أحرق مراحل العمل السياسي التي تتبناها الحركات والاحزاب السياسية التقليدية. فأغلب الثورات العربية غير مطالبه التي انطلق في البداية من اجلها كالمطالبة باصلاحات دستورية وتطوير مجالس الشورى والغاء احكام الطوارىء، واحترام حقوق الانسان. وما ان سقطت الكوكبة الاولى من الشهداء حتى رفع سقطف المطالب واصبح اسقاط النظام العنوان الاوسع للتحرك. عندها سعت الانظمة لتحقيق بعض المطالب التي طرحت في الاساس، لتتحاشى إصرار الثائرين على اسقاط النظام. ولكن في اغلب الحالات، رفضت القيادات الشبابية الوعود باصلاحات محدودة، واصرت على المطالبة برحيل النظام. هذه هي الصورة العامة لديناميكية الثورات الشعبية. ولكن المشكلة ان قوى المعارضة التقليدية، وهي اكثر تنظيما وخبرة وتجربة ورسوخا في الميدان السياسي من جيل الشباب الثائر. وهنا وجدت الانظمة نفسها ‘ثغرة الفرسوار’ لتنفذ الى اوساط المعارضة من خلال المؤسسات والاحزاب والجمعيات السياسية التي لم تكن مرتاحة من الاساس لرفع سقف المطالب، فبدأت تلك الانظمة بطرح مقترحات لما تسميه ‘الحوار’. وهنا يمكن ادراك اهمية المنطلق الفطري في الحركة الشعبية. ففي اغلب البلدان رفضت القطاعات الشبابية التحاور مع الانظمة واعتبرت، من خلال نظرتها الفطرية البعيدة عن حسابات الربح والخسارة، ومنطق ‘العقلنة’ و ‘الواقعية’ و ‘اخذ الاوضاع الاقليمية والدولية بعين الاعتبار’، ان ذلك ليس سوى محاولات التفاف على الشعار الاساسي الذي توحدت القطاعات الشعبية حوله ‘الشعب يريد اسقاط النظام’. وكان من الطبيعي حدوث ما يشبه التصدع في جبهة المعارضة التي تقتسمها فئتان على الاقل: شباب الثورة وقوى المعارضة التقليدية. شباب الثورة رفض مسايرة تلك الانظمة، وطالب بوضوح باسقاطها، واستسخف رموزها، واستهدفها بشكل واضح بدون لبس او غموض، بينما سعت المعارضات التقليدية للاستمرار في سياسات المجاملة والدبلوماسية بذرائع الواقعية والعقلانية، وربما خاض بعضها في حوارات غير مجدية مع الانظمة. هذا التوصيف يؤدي الى سجال من نوع آخر: كيف يمكن انقاذ الثورات من محاولات حرفها عن مسارات اسقاط الانظمة الاستبدادية البالية؟ الامر المؤكد ان التحاور مع النظام السياسي سبب اساسي لبقاء ذلك النظام، اذ لا يمكن لنظام ان يتفاوض من اجل اسقاط نفسه. الحوار هو ما تروجه القوى الغربية، خصوصا بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، كمخرج من الازمة. فهي تعارض إسقاط الانظمة، بل تدعم بقاءها وتوفر لها دعما استخباراتيا يستهدف اسقاط المعارضين او اضعافهم الى المستوى الذي لا يسمح لهم بممارسة الضغط على النظام القمعي. بينما الملاحظ ان كافة قوى التغيير الشبابية ابتداء بتونس، مرورا بمصر والبحرين واليمن ترفض التحاور مع النظام، وتصر على المطالبة باسقاطه. هذه الاطياف الشبابية تؤسس مواقفها انطلاقا من شعورها بالقوة الذاتية، وان الانظمة الحاكمة التي تعتمد على البطش والقمع واجهزة الاستخبارات والجيش، ضعيفة لا تستطيع الصمود اذا كان الطرف الآخر مصرا على مواقفه ومطالبه. وهنا تكمن بعض جوانب الاجابة على التساؤلات التي طرحت في البداية حول مستقبل الثورات، وتأرجحها بين النجاح او الفشل. ومن سياق ما جرى، يمكن القول بان ثورة اليمن سوف تؤدي الى سقوط الرئيس علي عبد الله صالح، لان الثوار رفضوا التحاور معه، ورفضوا الخطة الخليجية التي تهدف لمنع تحقق انتصار ساحق للثوار، بمسميات وعناوين مختلفة. ولكن هناك خوف على الوضع الليبي بسبب تدخل القوات الغربية التي اصبحت تساوم الثوار وتتلاعب بارواح الليبيين. فالتدخل الغربي العسكري لن يكون بدون مقابل، فقد تدخلوا لمنع القذافي من استعمال الطيران لقصف الثوار، وتوقفوا عند ذلك بعد ان كرر بعض الفصائل رفضه التدخل العسكري البري. وبذلك وصل الوضع الى حالة توازن في الرعب، يمثل المدنيون اكبر ضحاياه. ولا يستبعد ان تدفع المجازر التي ترتكبها قوات القذافي مجموعات المعارضة لطلب تدخل القوات البرية الغربية لمنع تدهور الاوضاع، وعندئذ سيكون التدخل الغربي احتلالا لا يقل في شروره عن التدخل الغربي في العراق. اما ثورة شعب البحرين فتعاني من استهداف سياسي وعسكري وامني واعلامي من قبل قوى الثورة المضادة التي دعمت النظام وتسعى لاجبار ثوار 14 فبراير على القبول بمبدأ ‘الحوار’ مع العائلة الخليفية. وحتى الآن هناك رفض لذلك، ولكن واشنطن كررت ارسال جيفري فيلتمان، مساعد وزيرة الخارجية، لممارسة الضغوط على المعارضة المخضرمة للتحاور مع العائلة الحاكمة، برغم اصرار الكثيرين على القطيعة الكاملة مع النظام. وفي الايام القليلة الماضية لوحظ تصاعد الضغوط الدولية على السعودية لسحب قواتها من البحرين، وتصاعد الشجب للممارسات الحكومية ضد قوى الثورة خصوصا اعتقال قرابة الالف من المواطنين، وعشرات الاطباء والفنانين والرياضيين والمهندسين والمدرسين. وقد بلغ عدد النساء المعتقلات حتى الآن اكثر من سبعين امرأة (عدد المعتقلات الفلسطينيات لدى قوات الاحتلال الصهيونية اقل من اربعين امرأة). الثوار الذين تمكنوا من اسقاط انظمة الاستبداد في بلدانها لم يحاوروا تلك الانظمة، فالتحاور انما يعني قبولا ضمنيا ببقاء الطرف الآخر في موقعه، والتعامل معه على ذلك الاساس. اما الثورات العربية فكانت، وما تزال، تهدف لاحداث تغيير جذري في النظام السياسي القائم، نظرا لقناعتها باستحالة تحويل الاستبداد الى حرية وديمقراطية مع بقاء قوى القمع والاستبداد في مواقعها. الامر المؤكد ان الثورات العربية قادرة على تحقيق مطالبها في التغيير الجذري واقامة انظمة تمثل شعوبها وتحظى بقبولها، لاسباب عديدة من بينها ان الشباب الذي يقودها مصمم على مطالبه، وواضح في بصيرته وفهمه، وانه غير مستعد للقبول بانصاف الحلول مهما كان الثمن، لان نصف الحل يعني استمرار الوضع الراهن مع اجراءات طفيفة. ومن ذلك ايضا ايمان قوى التغيير الشبابية بان الديكتاتور لا يتحول الى رجل ديمقراطي، وان الثمن الذي دفع حتى الآن، بشريا وماديا، يكفي لاسقاط الانظمة السياسية وقادر على تحقيق ذلك، وان تأجيل الحسم يعني تكرار التضحيات بمعدلات اكبر. ولذلك فالمطلوب من ناشطي الثورات الاعتماد على النفس حتى لو واجهتهم امريكا بأقسى الاساليب. فان اي تراجع عن المطالبة باسقاط النظام، يعني الرضوخ لاملاءات انظمة الحكم التي، ان بقيت، لن تلتزم بشيء من تلك ‘الاتفاقات’، وان مقولات ‘الحوار’ ليست سوى حفر سحيقة تبتلع من يسقط فيها الى الأبد، وهذا ما لا يستقيم مع منطق الثورات وتضحيات الشعوب. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن