لسنا من المتشائمين تجاه ما جرى ويجري تجاه الثورات العربية، ولكن هذه الثورات افتقدت منذ البداية لاستشراف حقيقي لمستقبلها ومسقبل شعوبها. لقد أغفلنا أو تغافلنا ما أفسدته الانظمة العربية على مدار عقود وسنوات طويلة وافترضنا جدلاً أن الحل يكمن في إجراء انتخابات سريعة المدى أي ما بين ستة الى تسعة أشهر وغابت أو غيبت عنا حقائق بل وأبجديات سياسية وتاريخية تتعلق بشكــل رئيسي بكيفية تخطي هذا الواقع وقواه الحقيقية ورموزه ومراكز قواه التي تحاول أن تعيد تشكيل نفسها من جديد بل وربما أفضل من السابق، والسؤال هنا ما الذي يمنعها من ذلك؟ الجواب لا شيء. نعم لا شيء يمنعها، فالسياسة هي رأسمال والعسكر وكلاهما لم تمسسه يد إنس ولا جن، إذن ومن هنا فإن التشاؤم تجاه التغيير الحقيقي والثوري تجاه البلدان التي قامت فيها الثورات ينبع مما يلي:
اولا: من الحزب الحاكم المنحل والذي يقدر عدد أفراده بمئات الالاف كانوا ولا زالوا موجودين وفي أي انتخابات قادمة حرة ونزيهة ستكون لهم اليد الطولى في هذه الانتخابات بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا ليس ضرباً من الخيال وانما هو المنطق، فالطبقات الوسطى والفقيرة لم يجر على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية تغيير جوهري وسريع، ولا ننسى أيضاً الفساد الممارس في تركيباتها البنيوية التي صنعها النظام على مدى عقود طويلة – ولا نفترض أن أي ثورة تستطيع أن تنجز ذلك خلال أشهر قليلة- ومن هنا فإن القادر على حسم الموقف في الانتخابات يكون هو الرأسمال والرأسماليون وأظن اننا متفقون على أن الأغنياء السابقين زادوا غنىً في عهد الانظمة السابقة ومجموعة أخرى لم تكن غنية بل أصبحت غنية بفضل الانظمة السابقة أيضاً.
ثانياً: المؤسسة العسكرية من الصحيح أن هذه المؤسسة لعبت دوراً مهماً في عملية نقل السطة من النظام السابق الى العهد الجديد ووفرت على الشعب الخسائر والضحايا لكن مما لا شك فيه أن هذه المؤسسة وضمن الفهم لمراكز القوي والتغيير فان هذه المؤسسة والتي لم يجر علها تغيير حقيقي ستكون معادية للاصلاح اذا لم يصب بمصلحتها ونحن هنا أيضاً أمام جدلية العلاقة ما بين التغيير ومراكز القوى العسكرية أي هل ستسمح بالتغيير ولو كان ضد مصالحها – هذا يتنافى مع المنطق العام للنفس البشرية ولقوى التغيير – أم ستسمح بالتغيير وفق رؤيتها ونتساءل في هذه الحالة ما قيمة التغيير وفق مفاهيم المؤسسة العسكرية التي نمت وترعرعت في ظل الانظمة السابقة. وهنا لا ننفي ان المؤسسة العسكرية ممكن أن تقوم بالتغيير – مثلما حدث في الانقلابات العسكرية التي حدثت عام 1952 – ولكن ليس في حالة الثورات العربية 2011 والتي حاولت فيه المؤسسة العسكرية أن تكون محايدة بل وحافظة لوضع قائم ليست معنية بتغييره بما أنه يخدم مصالحها بل ويضمن لها السيطرة والهيمنة على المدى المنظور على اقل تقدير.
وهنا يتبادر الى الذهن التساؤل التالي؟ اذن كيف سيحدث التغيير المطلوب؟ وهل سيكون جذريا وثوريا أم سطحيا وشكليا؟ من المؤكد أنه ستجري انتخابات في البلدان التي جرت فيها الثورات وستفرز هذه الانتخابات نتائج يبنى عليها مستقبل الثورات وستتحدد من خلالها مستقبل بلدانها ومن الواضح أن النتائج مهما كانت ستقود مع مرور الوقت تغييراً على بنية وثقافة الانسان العربي والمجتمع العربي، ولكن من المؤكد أن ذلك لن يكون واقعاً وواضحاً على المدى القصير المنظور.
الدكتور عماد البشتاوي – جامعة الخليل