الثورات العربية تفاقم مازق اسرائيل الإستراتيجي

حجم الخط
0

سمير جبور

من نافل القول ان اسرائيل تواجه مأزقا سياسيا واستراتيجيا على مستويين، حتى قبل نشوب الانتفاضات العربية. سياسيا، فهي غير قادرة على التخلص من ورطة ألإحتلال، والمجتمع الدولي ينظر اليها كدولة محتلة، ترتكب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، وهي تتحمل المسؤولية المباشرة عن إفشال عملية السلام. وقد أخفقت في فرض شروطها على العالم العربي لعقد سلام معها. وعلى المستوى العسكري – الاستراتيجي، تكاد تفقد إسرائيل قدرتها على الردع العسكري، فلم تعد قادرة على تحقيق اهدافها السياسية بواسطة العمليات العسكرية. وبالتالي تكاد تفقد حرية المناورة في تعاملها مع خصومها. هذا قبل الثورات العربية، فكم بالأحرى بعدها. وإذا ما افرزت الانتفاضات العربية أنظمة وطنية تنتهج سياسة موحّدة تجاه إسرائيل، لن يكون في مقدورها الإستفراد بكل دولة عربية على حدة.

ربما من السابق لأوانه أن نقيّم بصورة موضوعية مدى تأثير الثورات العربية على وضع اسرائيل الاستراتيجي ومستقبلها في المنطقة العربية، لأن هذه الثورات ما زالت في بدايتها، ولم تحقق كل غاياتها بعد. ولعله من المبكر التنبؤ بالمكان الذي سترسو فيه السفينة. ولكن لا بأس من متابعة التأثيرات المحتملة على وضع اسرائيل استراتيجيا وأمنيا وإقتصاديا من منظور اسرائيلي على الأقل. يمكن الإفتراض ان الحلة الجديدة التي سوف ترتديها المنطقة العربية، ولا سيما جارة إسرائيل الكبرى، لن تخدم مصالح الكيان الصهيوني، كما كان الحال قبل الانتفاضة المصرية. فاسرائيل لن تحلم بالحصول على بيئة استراتيجية مريحة كتلك التي وفرّها لها نظام مبارك وقبله السادات وغيرهما من قادة الأنظمة العربية. فمهما كان الأمر، فإن القلق يسود الأوساط الإسرائيلية منذ الآن. فقد عبّر بنيامين بن اليعازر (فؤاد) وزير الصناعة السابق وصديق مبارك الحميم لجريدة ‘غلوبز’ عن هذا القلق حتى قبل رحيل مبارك، فقال’ قبل ايام معدودة خابرت حسني مبارك رئيس مصر وأسّر لي انه مصمم على إجتياز هذه الأزمة بسرعة كبيرة. هذا ليس مهما كثيرا الآن، فالأمر الأهم هو ما العمل لكي لا تتضرر اسرائيل من الواقع الجديد الذي حذرت منه في الماضي، وهو الذي يبشر بخطر قيام نظام جديد في الشرق الأوسط… في حال سيطرة عناصر متطرفة على السلطة في مصر’؟ ما الذي ستخسره اسرائيل بسقوط نظام مبارك؟:

ليس المجال هنا لإستعراض ماهية التحالف الذي كان قائما بين اسرائيل ونظام مبارك، والتواطؤ بينهما ضد مصالح الشعوب العربية، ولا سيما الشعب الفلسطيني. فهذه معروفة للجميع. ولكن إشارة سريعة الى بعض مكاسب اسرائيل من اتفاقية كامب ديفيد، ومعاهدة السلام مع مصر، تكفي لتسليط الضوء على الأضرار التي ستلحق بإسرائيل في حال حرمانها من إستغلال السلام المزيف مع مصر وتجييره الى صالحها على حساب مصالح الشعب المصري.

لقد ورد في دراسة أعدها الباحث بنيامين شفارتس تحت عنوان: ‘تأثير النظام العالمي على مصالح إسرائيل ومصر في كامب ديفيد 1987 ‘عدد فيها الفوائد التي عادت على إسرائيل من وراء اتفاق السلام مع مصر فقال:’ علاوة على (متابعة) سياسة ‘فرق تسد’ التي حرصت اسرائيل على تنفيذها داخل العالم العربي، يبدو ان اسرائيل استفادت من إتفاق السلام مع مصر على مستوى أكثر أهمية.’من الناحية العسكرية المجرّدة، طالما ان مصر وقعت إتفاق سلام مع اسرائيل، لم تعد تلك الدولة تشكّل خطراعلى إسرائيل. إضافة الى ذلك، فان اتفاق السلام أوجد حاجزا داخل العالم العربي، وقلص من احتمال التعاون بين دول تنتمي الى كتلتين متنازعتين ضد اسرائيل. فحالة اللاحرب هي مصلحة مماثلة تخلق تعاونا نسبيا بين لاعبين: اسرائيل ومصر.

الوضع الجديد (بعد كامب ديفيد) وفّر الأمن لأسرائيل.’من الناحية الإقتصادية، فان إتفاق كامب ديفيد ساعد اسرائيل على تخصيص موارد اقل لاغراض الأمن، لأن الحرب تحولت من ساحة متعدد الجبهات، الى جبهة واحدة في مواجهة سورية.

وجاء في الدراسة ايضا ان ميزانية الدفاع الإسرائيلية بلغت قبل كامب ديفيد نسبة 40′ من الميزانية العامة، وتقلصّت بعدها الى 10′ ولا سيما ان ميزانية الأمن كانت تشكّل عبئا باهظا على اسرائيل، وخصوصا في ساحة متعددة الجبهات. وخلصت الدراسة الى القول: ‘حققت اسرائيل مصلحة أمنية مهمة بواسطة توقيع معاهدة سلام مع أكبر دولة عربية، وبواسطة تقسيم العالم العربي. وعلى الرغم من ان اتفاق السلام أجبر بيغن على تقديم تنازلات: اعادة سيناء ومصادر النفط والمطارات وتفكيك مستوطنات رفح، ولكن المعادلة بالنسبة الى بيغن كانت ببساطة: ‘خسر سيناء وربح أرض اسرائيل’. والمقصود هنا بالطبع مقايضة سيناء بالضفة الغربية.

وإعتبر دافيد بروديت رئيس لجنة وضع ميزانية الأمن المتعددة السنوات أن الخطر مؤجل. ويرى أن الوضع الجديد في مصر لا يتطلّب زيادة ميزانية الأمن الإسرائيلية وقال ‘نحن نعيش في منطقة غير مستقرة في الشرق الأوسط’، وثورة مصر هي’ ثورة الفقراء وموضوعها إقتصادي إجتماعي’. وقارن بين االناتج القومي في اسرائيل، كان في سنة 2010، 220 مليار دولار وعدد سكانها 7 ملايين نسمة، وبين الناتج القومي في مصر في العام نفسه، 217 مليار دولار، وعدد سكانها 85 مليون نسمة.

وإستطرد بروديت قائلا ‘ ‘إنني لا أعتقد بأن الأمر الأول الذي سيقدم عليه النظام (الجديد في مصر) هو زيادة ميزانية الأمن وإعلان الحرب على اسرائيل.’ فالنظام الجديد سيضطر الى إجراء إصلاحات إقتصادية وإجتماعية، وبالتالي ‘لا يوجد خطر مباشر على اسرائيل، ولدينا وقت كاف لمتابعة المسارات وبلورة الحلول العسكرية.’ وأستطرد بروديت ان ‘الوضع في مصر يخلق مشكلتين فوريتين تحتاجان الى معالجة سريعة: غزة ووهن الأنضباط المصري. وفي رأيه على اسرائيل ان’ تسارع في بناء الجدار في سيناء’. آرييه شافيط إعتبر في ‘هآرتس’ أن المشكلة هي مشكلة رصيد. بسبب الإحتلال تفتقر اسرائيل الى رصيد سياسي في القرن الـ 21. واسرائيل لا تستطيع ان تعيش من دون رصيد سياسي. ولذلك، فان الواجب الأول لكل رئيس حكومة هو ان يخلق اطارا للرصيد السياسي الذي تستطيع اسرائيل ان تتحرك في إطاره. وقال شافيط ان ‘الوضع الإستراتيجي واضح: من دون رصيد سياسي، لن تتمكن اسرائيل من التصدي للذرّة الإيرانية، والتحدي الصاروخي والتحولات الدراماتيكية في العالم العربي. فمنذ هذه اللحظة تواجه اسرائيل أخطارا كبيرة… ثم ان اصرارها على الإحتلال يقوّض حقها في الدفاع عن نفسها. فمن دون رصيد سياسي لن تتمتع اسرائيل بقوة عسكرية’ . وثمة سمة اخرى افرزتها ألإنتفاضات العربية وتشكل مصدر قلق لإسرائيل هي قيام المرأة العربية بدور فعال في المظاهرات العربية العارمة، معلنة تصميمها على التحرر والإنعتاق وتمردها على العبودية وعلى حرمانها من المساواة مع الرجل.

فقد نشرت المحامية إيريت روزنبلوم مؤسسة ومديرة منظمة ‘عائلة جديدة’ مقالا في ‘ هآرتس’ اشارت فيه الى ان الأنظة العربية تتساقط الواحد تلو الآخر. وبغض النظرعما اذا كان سيسقط المزيد منها، الا انه ‘على الرغم من أن العالم العربي شهد في السابق انقلابات وتحوّلات، بيد ان ثورة القرن الـ21 تختلف عما كل ما عرفناه حتى الآن، اذ اتضح أن ابرز التغييرات التي تبدو امام العين التي تراقب من بعيد هو، بين امور أخرى، حضور النساء في الشارع. وللمرة الأولى في تاريخ الإحتجاجات العربية، تظهر النساء عنصرا فعّالا في حركة الإحتجاج. وثمة من يقول ان 20′ من المتظاهرين هي من النساء. وبحسب تقديرات أخرى بلغت هذه النسبة 40’ . واضافت روزنبلوم ان ‘الزلزال الحالي لثورتي مصر وتونس يختلف عن جميع ما سبقه، لأنهما جاءتا من الشارع. ولم يحدث في تاريخ العالم العربي أن شارعا قاد ثورة أدت الى سقوط دكتاتور، وفي هذه الثورة تبين ان النساء شريكات فعالات شكّلن جزءا من الشارع… وكان لهن تأثير جوهري على هذه الصرخة’. إن الوضع الجديد الذي يتشكل في المنطقة يفرض على اسرائيل ان تعيد حساباتها وتعيد تقييم وضعها الاستراتيجي في ضوء معادلات وموازين قوى جديدة. وذلك لأنها هذه المرة لن تتعامل مع أنظمة فاسدة ومتواطئة وخانعة، وانما مع شعوب لن تسكت على الضيم ولن تسمح للكيان الصهيوني ان يتحكّم بمصائرها. ولذا نفترض ان الثورات العربية ستفاقم من مأزق اسرائيل الإستراتيجي وتكبح من غيّها، وتربك مخططاتها وتحملها على التسليم والاعتراف بالحقوق العربية ولا سيما حقوق الشعب الفلسطيني.’ كاتب فلسطيني يقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية