الثورات العربية تكشف ان الدولة العلمانية هي الحل

حجم الخط
0

لقد أكدت وقائع الربيع العربي، مع الزلزال الذي أصاب بعضا من رؤوس الاستبداد والجهل والتخلف، أن الاختلالات عميقة جدا في مجتمعاتنا العربية، مما يقتضي اشتغالا جذريا على جميع المستويات، بغية تغيير الإنسان وتثوير البنى الفكرية والسياسية والاقتصادية. لا شك كذلك، أن أهم خطر يترصد تاريخ الشعوب العربية كما تصنعه حاليا، يكمن في محاولة تنصيب سدود ضخمة أمام الانسياب الطبيعي لهذه التواريخ، بواسطة عمل همجي ممنهج يتوخى من خلاله أنصار الأوضاع السابقة، إشعال نيران الفكر الشمولي.قبل أن أستطرد في تحليل الموضوع، قياسا على ما سيأتي، أحب الإشارة إلى مسألتين أساسيتين: أن مجريات الأحداث داخل دول الربيع العربي، حتى مع مظاهرالانتكاسة في تونس مثلا باغتيال شكري بلعيد، يعتبر أمرا عاديا، لأن أزمنة طويلة من القمع والقهر وإفساد العقول والغرائز، لا يمكنها التلاشي بين عشية وضحاها أو بالتمني. بمعنى ثان، كأننا نولد من جديد، وما يقتضيه مخاض عملية الولادة، وربما جلد هذه الذات بوعي، توخيا لإعادة تهذيبها. لا سيما، وأن ليل الديكتاتوريات الطويل، قوض أصول الحياة من منبعها.- المسألة الثانية: يتفق أغلب المتتبعين، أن هذه الثورات لم تكن ابنا شرعيا لأي توجه سياسي سواء أصولي أو يساري، بل هي آفاق شبابية تمردت عن الأطر والمرجعيات التقليدية. كانت مطالبها بداية إصلاحية، ثم تطورت بعد حين إلى إيديولوجية انقلابية، لذلك ماتبقى من ‘نخبة المعارضة التقليدية’، والتي دجنت وأصبحت في وئام مع الأنظمة القائمة، تمارس على طريقتها القمع تضليلا، بهدف تكريس الأوضاع على أحوالها ومن تم تأبيد مصالحهما المشتركة، أقول بأن ما يفترض كونهم وسطاء شرعيين بين الواقع والممكن، وجدوا أنفسهم في غفلة من أمرهم، فأصابهم ارتباك ممهور بعجز عن تأطير وتأسيس التطلعات الجماهيرية، وفق صيغ مفهومية وعملية تنظيرا وممارسة وتوجيها واستخلاصا.أعتقد، أن المتربصين بالحلم والتيئيسيين، نسجوا وسينسجون ما أمكنهم من متواليات اللغة، بغية رد عقارب الساعة إلى ما قبل ديسمبر 2011 ، وصفعة البوعزيزي المدوية التي أخرجت العفريت العربي من قمقمه، وبالتالي الانبطاح ثانية إلى الديكتاتورية أولا، والتوتاليتارية ثانيا، والعسكرتارية ثالثا، مقابل الاحتفاظ برتابة يوميات البحث عن الخبز، لأن التغيير معادل للفوضى والعنف واللا-أمان حسب نفس المنطق دائما. بوسعي القول، ان الحروب الطائفية والدينية قادمة لامحالة، فكل المؤشرات تصب في هذا المنحى، وستسفك دماء كثيرة مجانا دون رابح ولاخاسر، كي يستوعب أصحابها أخيرا بعد صراع طواحين الهواء، الحمولة الفعلية لحكمة ‘الدين لله والوطن للجميع’، وبأن أسمى نموذج لتدبر الاختلاف يكمن في تخصيب هذا الاختلاف.في السياق ذاته، لا يمكنني الادعاء أن تمرحلات التاريخ مقدسة، بالتالي فـ’العلمانية المطلقة’، تلقي بنا حتما عند المنجز الأوروبي بكل تفاصيله المتشعبة منذ القرن السابع عشر.التصور، ليس بهذه الميكانيكية.لقد هدرنا وقتا كثيرا، في ظل أدلجة الزيف التي كرسها الاستبداد العربي، وجعلت منا كائنات مشوهة وتائهة. ثم، بكل تأكيد، ستحتاج الشعوب إلى وقت طويل كي تسبر أغوار ظلمة الميكيافيلية الفارغة. الإشكال حتما، يكمن في توجيه بوصلة نقاش ثورات الربيع العربي، نحو المفاهيم الكبرى، من أجل استثمار عقلاني للزمان وعدم السقوط في ابتذالية الأحداث الصغرى.الشعور الديني قائم، يدخل ضمن المكونات السيكولوجية للذات الإنسانية، قد ينتفخ أو يستعيد حجمه الطبيعي، تناسبا مع درجات الأبعاد التأويلية التي يمتلكها الفرد، حسب قدرات تموقعه من النص المعرفي بروافده المختلفة.إذن، ينطلق الدين من الذات ويبقى ضمن حيز هذه الذات، دون مأسسة ولا إكليروس. أما الفضاء المجتمعي، فهو بامتياز قضية لحرية هذا الآخر، بكل ماتحمله الدلالة من انتفاء للوصاية. كان على الشعوب العربية، اجتياز هذه التجربة ومكابدتها، كي تدرك بكيفية ملموسة أن الملائكة لاتعرف المشي على الأرض، فالناسوت ناسوت واللاهوت لاهوت، وبأن المشترك السياسي ينبغي فصله عن الواحد الديني. إن التجاذبات الحدية الخطيرة، التي أضحت حاليا موضة يجد فيها أنصارها جوابا دوغماطيقيا جاهزا عن أسئلة دقيقة متباينة المنطلقات والنتائج: مسلم، مسيحي، سني، شيعي، عروبي، أمازيغي، أسروي، طائفي، مذهبي، إلخ. يعني مختلف أشكال الخطاب الهوياتي العقائدي المتصلب، أفرز وسيفرز باستمرار يقينيات عقائدية منغمسة بعماء في النزوعات الجنسية والعرقية والإتنية، التي تحيي صبيب ماكانت تنعته القوى اليسارية والتقدمية، بالعلموية الكولونيالية القائمة على محددي العرق والبيولوجيا.هي أطروحات بالية ومترهلة، لم تثبت في أي سياق حضاري نجاعتها الإجرائية، كما أن أصغر العلماء فندها بمعادلات بسيطة.لقد زرع الاستبداد العربي، مختلف أنواع هذه الأشواك بهدف الإبقاء على واقع هش وموبوء تؤثثه كائنات فطرية غريزية سطحية، يسهل جدا السيطرة عليها.فلا مخرج إذن، إلا بدولة الديمقراطية والمواطنة، المرتبطة عضويا ومفصليا بالمشروع العلماني. سعيـد بوخليـط – المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية