الثورات العربية: مخاطر ومحاذير

حجم الخط
0

سميـــر حمــدي في ظل هذا الحراك الثوري المتصاعد في المنطقة العربية والانتفاضات الشعبية المتصلة وكأن الشعوب تستلم مشعل التمرد على الاستبداد من بعضها البعض وبغض النظر عن التفاوت بين ثورات لم تستغرق زمنا طويلا وأخرى استمرت شهورا وثالثة لا تزال تراوح مكانها، وأنظمة البعض منها كان دمويا جدا وبعضها الآخر كان اقل إيغالا في الدماء، غير أن كل هذه الثورات حققت لاريب مكاسب للشعب العربي من المحيط إلى الخليج ليس اقلها أن تستعيد الشعوب ألقها وقدرتها على المبادرة وصنع الربيع العربي الدائم غير انه وبعيدا عن هذا الثناء الشعري ينبغي أن نتلمس جملة من العوائق والمحاذير التي تتربص الدوائر بهذه الثورات الناشئة.

فما طبيعة الأخطار المحدقة بالثورات العربية؟ وهل هي في مسارها الصحيح أم أن بعضها وقع ضحية الاختطاف أو على الأقل الانحراف؟ وقبل هذا وذاك ماهي أهم ملامح هذه الثورات وما الذي أفضت إليه؟

كان الفيلسوف الفرنسي كوندورسيه يقول ‘ إن كلمة ثورة لا تنطبق إلا على الثورات التي يكون هدفها الحرية ‘ بحيث إذا أردنا أن نفهم ما هي الثورة وما انطوت عليه عموما بالنسبة إلى الإنسان العربي من أهمية فعلينا الرجوع إلى اللحظات التاريخية حين بدأت الثورة في تونس بأجلى مظاهرها واتخذت شكلا محددا وبدأت بنشر سحرها في عقول بقية الشعوب العربية بشكل مستقل تماما عن الانتهاكات والحرمان من الحرية التي منحت الناس السبب الرئيسي لأن يثوروا..’إن تيار الثورة الجبار كما كان يقول روبسبيار يتصاعد باستمرار بفعل جرائم الاستبداد من جهة وبفعل تقدم الحرية من جهة أخرى واللذين كان يحث احدهما الأخر بشكل محتم ‘ فالحراك التاريخي للشعب العربي الذي انطلق لأسباب اجتماعية واحتجاجا على ظروف حياتية تخرج بالمواطن العربي من دائرة الإنسانية وتطور ليصبح ثورة سياسية للمطالبة بالمساواة أمام القانون والحقوق المدنية والحريات يبدو اليوم وكأنه أمام لحظة تاريخية حرجة وبجردة حساب سريعة يمكن أن نلاحظ ما يلي:

ـ أولا: تعاني الثورتان التونسية والمصرية من محاولات التفاف واسعة تقوم بها جيوب الثورة المضادة المتمثلة في بقايا النظام السابق وإذا كان نظام الحكم في تونس يتشكل من شخصيات هي من أركان نظام بن علي بدءا برئيس البرلمان السابق الذي أصبح رئيسا للجمهورية وصولا إلى رئيس الوزراء الشخصية الموروثة من عهد نظام الحزب الواحد مرورا بالهيكل الإداري والوزاري الذي لازال يحن إلى ممارسات نظام الاستبداد ويبقى الرهان على اللحظة الانتخابية القادمة بوصفها لحظة تاريخية فارقة ينتظرها الجميع للتغيير إن لم يقع الالتفاف عليها هي ذاتها وهو ما قد يفتح الباب لعودة الثورة من جديد أما في الشقيقة الكبرى مصر فان المجلس العسكري لازال يرتهن الثورة بين يديه بدعوى انه من حماها ويعالج الملفات المركزية للشعب ببطء شديد قد يوحي أحيانا بوجود نوع من التواطيء مع وجوه النظام القديم وهو أمر ليس غريبا مادام المجلس ذاته جل عناصره هي ذاتها من بقايا النظام السابق وينبغي أن نتذكر هنا ما قالته حنا أرنت يوما من انه ‘ لا يمكننا أن نتحدث عن الثورة إلا حين يحدث التغيير ويكون بمعنى بداية جديدة لتكوين شكل مختلف للحكومة لتأليف كيان سياسي جديد ‘ وبهذا المعنى فإن الثورتين التونسية والمصرية وان أنجزت كل منهما خطوة تاريخية بإزالة رموز الاستبداد فان اللحظة الثانية الأهم في الثورة وهي بناء النظام السياسي الديمقراطي الجديد لازالت في طور الانجاز وهو ما يجعل الطريق محفوفا بمخاطر كثيرة ليس اقلها محاولات الالتفاف الداخلي أو مبادرات الارتهان الخارجي وهي أمور ينبغي الانتباه لها.

ـ ثانيا: بالنسبة لما يجري في ليبيا فان المسألة أكثر تعقيدا وإذا اعتمدنا التعريف الذي أوردته حنا أرنت في كتابها ‘ في معنى الثورة ‘ حين أكدت بوضوح ‘ إن الثورات هي أكثر من تمردات ناجحة وليس لدينا ما يبرر تسمية كل انقلاب يجري ثورة ولا أن نتلمس ثورة في كل حرب أهلية تجري ‘ فيمكن القول إن ما جرى في ليبيا وان بدأ بوصفه ثورة شعبية كرد فعل على حالة الاستبداد والعسف لنظام احتكر السلطة طويلا غير أن التدخل الأجنبي قد افسد دلالة الثورة وحولها إلى مجرد لعبة داخل التجاذبات الدولية وان كنا لا ننفي وجود قوى في ليبيا تسعى إلى استقلالية القرار غير أن وقائع الأمور تكشف أن ورثة النظام المنهار ليسو سوى أنصاره السابقين الذين عقدوا صفقة مع القوى الدولية التي تدخلت لتثبيتهم على رأس الحكم الجديد ويبدو أن ثورة ليبيا هي اقل الثورات حظا في أن يجد فيها الشعب قراره المستقل.. ـ ثالثا: ثورتا اليمن وسورية وهاتين الثورتين هما ضحية التدخل الدولي لمصلحة الأنظمة فالسعودية والولايات المتحدة الأمريكية تحاولان التمديد في عمر نظام عبد الله صالح بكل الوسائل وإذا كانت الغاية الأمريكية واضحة وهي الحفاظ على حليف ممتاز وخادم مطيع في حرب ما يسمى بالإرهاب فإن المملكة العربية السعودية تخشى من قيام نظام ديمقراطي مجاور قد يثير لدى شعبها الرغبة في الحرية وهي الدولة التي لازال شعبها يعاني التوريث من هالك لمالك دون استشارة منه اواختيار.. أما سورية وبالرغم مما يبدو من موقف غربي متعاطف مع ثورة الشعب فان الحسابات البراغماتية تجعل القوى الغربية تقرأ ألف حساب للقضايا الإستراتيجية التي قد تنجم عن تفجير الوضع في المنطقة إذا سقط النظام السوري مخلفا وراءه دويا هائلا ودمارا استراتيجيا قد تصعب السيطرة عليه وفي النهاية يبقى الشعب السوري هو القادر على صنع الحدث وتغيير نظامه بالصورة التي يريد خاصة في ظل خصوصية الوضع السوري الذي تتداخل فيه عناصر عديدة مثل المؤامرة والخصام الطائفي وتحريض بعض القوى غير الرسمية ‘ الشبيحة ‘ على ممارسة العنف على شعبها وبغض النظر عن كل هذه الملابسات فان كل محاولات النظام لتحويل الثورة إلى مجرد إصلاحات أو تجديدات ستبوء بالفشل وان الإرهاصات الثورية لبداية جديدة تماما قد بدأت تظهر في سياق الحدث الثوري نفسه ( الثورة تنظم ذاتها وتفرز قياداتها الميدانية ) لتكلل في النهاية بالنصر ويبدأ حساب الحصاد.

وخلاصة القول إن الثورات العربية التي مثلت حدث القرن الواحد والعشرين وحققت البعض من أهدافها وان بنسب متفاوتة هي الآن في اللحظة الحرجة التي ستحدد مسارها ومصيرها فإما أن تكون لحظة التحرير التي انتظرها الشعب العربي وان تتزامن فكرة الثورة مع التجربة لبداية جديدة هي الحرية والاستقلال أو أن تعيد إنتاج الأنظمة الخانعة القديمة ولكن بوجوه جديدة وأثواب ملونة وتتيح الفرصة للقادمين الجدد للتحول من ظروفهم الوضيعة إلى أبهة الميدان العام ومن التفاهة إلى السلطة التي كانوا يرزحون تحتها سابقا وحينها على شعوب الأمة أن تستعد لحراك ثوري جديد.’ كاتب من تـــــونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية