الثورات العربية ومستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة

حجم الخط
0

د. حسين مجدوبي

تراقب الولايات المتحدة الأمريكية تطورات العالم العربي بذهول حقيقي، نظرا ‘للصدمة السياسية’ غير المرتقبة، بعدما بدأت الجماهير العربية كتابة صفحة جديدة من تاريخها، من خلال طرد الديكتاتوريين من سدة الحكم وتهديد آخرين؛ إما بالإصلاح أو مصير رئيسي النظامين السابقين المصري حسني مبارك والتونسي زين العابدين بن علي. وهذه التطورات التي تصب في إرساء الديمقراطية تحمل معها تأثيرات حقيقية على مصالح واشنطن، التي أصبحت مطالبة بالبحث عن صيغة توافقية للحفاظ على هذه المصالح والتصالح مع الرأي العام العربي الجديد، وكل هذا يمر أساسا عبر إجبار إسرائيل على إقامة الدولة الفلسطينية وإعادة الجولان لسورية وتفادي تأييد أنظمة سلطوية مستقبلا.

فقد اعتادت الولايات المتحدة وضع مخططات استراتيجية للتحرك دوليا على المدى القريب والمتوسط والبعيد، لتفادي المفاجآت السياسية من عيار ما يصطلح عليه ‘الصدمة السياسية’، أي التغييرات غير المرتقبة نهائيا. ويعتبر التكهن ومحاولة صناعة القرار المستقبلي من أبرز سمات الفكر السياسي الأمريكي المرتكز على الدراسات الاستراتيجية. لكن ما يجري في العالم العربي شكل المفاجأة الكبرى لواشنطن خلال العقدين الأخيرين.. فقد فشلت الإدارة الأمريكية وحتى مراكز الدراسات الإستراتيجية المرتبطة بها في التكهن بالانتفاضات التي تهز العالم العربي، حيث أثبتت هذه الانتفاضات مجددا صعوبة فهم الغرب لنفسية الإنسان العربي وانفعالاته. فقد حاولت واشنطن إبان عهد الرئيس جورج بوش الابن فرض الديمقراطية على العالم العربي عبر المدافع والرصاص، كحالة العراق، أو عبر مشاريع سياسية مثل ‘الشرق الكبير’، ولكنها فشلت. وبينما كانت بداية سنة 2001 روتينية، اندلعت شرارة الثورات العربية نحو إرساء الديمقراطية. ثورات ستجعل من هذا العالم العربي منطقة مختلفة جذريا، في ظرف سنتين على الأكثر، لأن مسلسل التغييرات سيتطلب فترة زمنية قد تستغرق خمس سنوات، كل مسلسل لن يتوقف مهما كانت طبيعة أي الدولة العربية.

فرغم التساؤلات المتعددة حاليا في الغرب حول الوضع المستقبلي في العالم العربي في أعقاب هذه الثورات، فالخلاصة أو النتيجة الواضحة هي بداية مرحلة جديدة في تاريخ العرب، سيكون لشعوبه ورأيه العام كلمة الفصل في الحياة السياسية الداخلية وكذلك الخارجية.

وأغلبية الرأي العام العربي من المغرب حتى الخليج العربي غير راض نهائيا على دور الولايات المتحدة في هذه الثورات، وينضاف هذا الى الرؤية السلبية نحو الولايات المتحدة بسبب سياساتها في الماضي، وتجاه قضايا مركزية مثل العراق وفلسطين، فالبيت الأبيض يندد وينتقد الأنظمة أياما قليلة قبل سقوطها أو بعد سقوطها، كما حدث مع زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، وإن كان الموقف الأمريكي أكثر وضوحا في حالة معمر القذافي في ليبيا، حيث جاء التنديد في الأيام الأولى. وتبقى جميع الأنظمة العربية مستبدة وغير ديمقراطية وإن كان البعض منها يشهد هامشا ديمقراطيا ضيقا، والتساؤل، لماذا لم يندد البيت الأبيض بهذه الأنظمة في الماضي؟ ولماذا لا يندد ويوجه إلى الكثير منها في الوقت الحاضر خطابات ورسائل واضحة بضرورة بدء مسلسل إصلاحات سياسية تقود إلى إرساء الديمقراطية وتبني الشفافية واحترام حقوق الإنسان؟ فطالما ترفع واشنطن شعارات وقيما مثل احترام حرية التعبير وحقوق الإنسان، فالمنطق يتطلب منها الحديث وعدم التردد في انتقاد الدول العربية التي لديها سجل أسود مثل بعض دول الخليج العربي، وعلى رأسها العربية السعودية. ونطرح سؤالا في هذا الصدد، ما موقف واشنطن من الوضع السياسي والخروقات المنهجية لحقوق الإنسان في العربية السعودية؟ الصمت أو التصريحات المحتشمة جدا.

وفي الوقت ذاته، لماذا لم تبادر واشنطن منذ اليوم الأول بالتدخل العسكري في حده الأدنى في ليبيا، مثل فرض حظر الطيران على سلاح الجو الليبي، حتى لا يفتك نظام القذافي بالمدنيين والمنادين بالحرية، لاسيما أن الرأي العام العربي يحبذ تدخلا جويا؟ شريطة أن يكون سريعا وبدون البقاء في الأراضي الليبية.

تاريخيا، تميزت دبلوماسية واشنطن بنهج البراغماتية المتجلية في الانحياز للطرف الذي تعتبره مفيدا للمصالح الأمريكية أو الطرف المنتصر، وتدرك واشنطن أن الشعوب العربية هي الطرف المنتصر في الثورات الحالية، عبر تغيير أنظمة سلطوية أو دفع أخرى للإصلاح، فالخريطة السياسة العربية ستكون مختلفة في نهاية العقد الجاري اختلافا حقيقيا. ورغم هذه المعطيات، فواشنطن تتردد، ولأسباب مبهمة وغير معروفة، في الانحياز لهذه الشعوب ودعم مطالبها. وهذا التردد ستكون نتائجه سلبية على الحوار الأمريكي -العربي مستقبلا.

ويبدو أن واشنطن لا تستفيد من تجارب الماضي، فخلال الثمانينات والتسعينات، بل وحتى بداية العقد الماضي، كانت شعوب أمريكا اللاتينية تسقط نظاما ديكتاتوريا تلو الآخر، ولم تتخذ واشنطن موقفا واضحا في دعم المطالب الديمقراطية لهذه الشعوب، بل يكشف لنا التاريخ تورط واشنطن في دعم عدد من الدكتاتوريات، بل والمساهمة في انقلابات. وبعد حدوث الثورات، وصلت حركات سياسية منبثقة عن الشعوب إلى سدة الحكم وتبنت سياسة متشددة، وحتى عدائية أحيانا ضد الولايات المتحدة ومصالحها في أغلب دول أمريكا اللاتينية، وهي سياسة تعكس موقف الرأي العام لهذه الشعوب تجاه واشنطن، الذي تكشفه الكثير من استطلاعات الرأي.

فسيناريو أمريكا اللاتينية بدأ يتكرر في العالم العربي، فهذه الثورات ستحمل قوى سياسية جديدة للحكم، ستحل محل تلك التي هيمنت لمدة عقود، وستتولى سواء رئاسة الحكومة أو اعضاء في الائتلافات الحكومية، والكثير من الحركات الإسلامية واليسارية ستكون حاضرة في هذه الحكومات. وتاريخ العلاقة بين الحركات الإسلامية واليسارية بالولايات المتحدة ليست ودية بالمرة، فالحوار المستقبلي بين الولايات المتحدة وبعض الحكومات العربية المقبلة أقل ما يقال عنه انه سيكون متوترا بسبب اختلاف الرؤى في الكثير من الملفات الثنائية والدولية. وعلى رأس هذه الملفات التعاطي التاريخي لواشنطن مع قضايا الشرق الأوسط وأساسا القضية الفلسطينية وملف الجولان السوري.

فرغم أن الولايات المتحدة ليست قوة استعمارية في العالم العربي، فصورتها لدى المواطن العربي سلبية للغاية، أكثر بكثير من الدول الاستعمارية التي احتلت العالم العربي، فرنسا وبريطانيا وإيطاليا واسبانيا، وذلك بسبب الفكرة السائدة لدى الرأي العام العربي بأن واشنطن عمدت تاريخيا إلى عرقلة التطور الاقتصادي والسياسي للشعوب العربية خلال العقود الأخيرة بسبب دعمها لأنظمة فاسدة ودعمها لإسرائيل في الشرق الأوسط.

لقد نتج عن الثورة الإيرانية عداء مطلق للولايات المتحدة، بل وتهديد نفوذها في الشرق الأوسط، وهو عداء ليس قائما على ما هو ديني بل على تقييم لسياسات واشنطن الخارجية تجاه المنطقة، وترتب عن التغيير السياسي في تركيا مع وصول حزب العدالة والتنمية بزعامة طيب رجب أردوغان مزيدا من تقليص للنفوذ الأمريكي. وها هي الثورات العربية ستزيد من عزلة واشنطن في الشرق الأوسط، فحتى الدول التي تعد حليفة لواشنطن، مثل العربية السعودية والأردن بدأت تبتعد عن السياسة الأمريكية مخافة من ردود فعل شعوبها التي لا تثق في البيت الأبيض، رغم محاولات الرئيس باراك أوباما مد جسور الثقة، لا سيما من خلال خطابه الشهير في القاهرة منذ قرابة سنتين والموجه للعالم الإسلامي والعربي.

وأمام كل هذه التطورات، ما زالت هناك فرصة للولايات المتحدة، وقد تكون الأخيرة والوحيدة، لإنقاذ صورتها لدى الرأي العام تتجلى في إيجاد حل للنزاع العربي – الإسرائيلي عبر تسوية تاريخية تشمل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وإعادة الجولان لسورية والتوقيع على حدود قارة مع لبنان. مبادرة سياسية من هذا النوع ستجعل الولايات المتحدة شريكا سياسيا مقبولا من طرف الأنظمة العربية الآخذة في التبلور نتيجة الثورات، والتردد في هذه المبادرة سيشكل بداية تكرار سيناريو مواقف دول وشعوب أمريكا اللاتينية تجاه واشنطن، أي الرفض والعداء ليس انطلاقا من القاعدة الشعبية فقط، بل كذلك من دفة الحكم، لأن الحكومات العربية المقبلة ستعكس مواقف شعوبها.

ولعل مثال رفض شباب ائتلاف الثورة المصرية خلال الأسبوع الجاري لقاء وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون كفيل بأن يجعل البيت الأبيض يفكر كثيرا في العلاقات المستقبلية مع العالم العربي، فشباب اليوم هو من سيسير دفة العلاقات الخارجية غدا، وشباب اليوم في العالم العربي غير راض نهائيا عن دور الولايات المتحدة التي ترفع دائما شعار حقوق الإنسان والديمقراطية، بينما واقع وتاريخ علاقاتها مع الدول العربية شيء آخر، أي دعم أنظمة سلطوية ودموية.’ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية