رأي القدس اذا كان الاعلام العربي بمختلف وسائطه، ساهم كله، او بعضه، في التمهيد لاشعال نار الثورات الشعبية المطالبة بالديمقراطية والحريات في اجزاء عديدة من الوطن العربي، فإن استفادته من نجاح بعضها، وتعثر البعض الآخر، انعكست على ادائه، ومستقبل هويته، بطريقة واضحة للعيان.
الاعلام المصري على وجه الخصوص، كان الاكثر استفادة من نجاح ثورة ميدان التحرير، من حيث رفع سقف الحريات التعبيرية، وزيادة حجم الاستثمار في بعض قطاعاته، والتلفزيونية منها بشكل عام، وهو القطاع الذي يشهد رواجاً هذه الايام.
في ظل النظام المصري السابق كان الاعلام المصري الرسمي بائساً على الصعيدين المهني والتعبيري، الأمر الذي اعطى مساحة لاعلام قطاع خاص، بعضه ورقي والبعض الآخر مرئي تلفزيوني، ولكن ظل هذا الاعلام الخاص محكوماً برأس المال واملاءاته، ولهذا جاء متصالحاً مع السلطة الحاكمة، متجنباً الصدام معها، حريصاً على الاستمرار مع هامش محدود للانتقاد، واستضافة الرأي الآخر.
الآن تغيرت الصورة، فقد بدأت الصحف الرسمية مثل ‘الاهرام’ و’الاخبار’ و’الجمهورية’ تستعيد عافيتها بعد تغيير قياداتها التحريرية والادارية، وتعيين عناصر شابة مستقلة في معظم مفاصلها الرئيسية، والشيء نفسه يقال ايضاً عن محطات التلفزة الحكومية، مثل القناة التلفزيونية المصرية، وقناة النيل للاخبار، ولا بد من الاعتراف ايضاً بان المحطات الخاصة استفادت بدورها من التغيير وبدأت تتخاطف النجوم، وترفع سقف حرياتها، وتتنافس فيما بينها لجذب اكبر قدر ممكن من المشاهدين، ونحن نتحدث هنا عن قنوات مثل ‘دريم’ و’المحور’ و’الساعة’ و’اون.
تي.
في’ وغيرها.
في المقابل هناك قنوات عربية كانت متقدمة ومتفوقة تراجعت وان كان ذلك بشكل جزئي، بسبب احادية وانتقائية تغطيتها للثورات، ولجوئها الى اسلوب تحريضي وطني، وابرز الامثلة في هذا الاطار قناة ‘الجزيرة’ ومنافستها نظرياً قناة ‘العربية’. ولا بد من الاعتراف بان قناة ‘الجزيرة’ ورغم انتقادات البعض لها ما زالت في المقدمة، والاكثر مشاهدة، لكن هذا الوضع يمكن ان يتغير في ظل المنافسة الشديدة القادمة من دول انتصرت فيها الثورات، خاصة في مصر وتونس، واتساع دائرة الاختيار بالنسبة الى المشاهدين.
ولعل الاعلام، والتلفزيوني منه بشكل خاص، في بعض الدول التي ما زالت تواجه انتفاضات شعبية مثل سورية وليبيا والبحرين واليمن، هو الاكثر تراجعاً على صعيد المهنية والحريات، حيث اصبح التهجم على الخصوم، والنهج الدعائي هما السمة الواضحة لهذا الاعلام.
صحيح ان الاعلام الرسمي في هذه الدول كان محلياً، ولم يكن على درجة عالية من المهنية، ولكن الصحيح ايضاً ان بعضه، او بالاحرى معظمه، ازداد سوءاً واقرب الى ‘البروباغندا’ منه الى الاعلام الموضوعي المهني.
وقد يجادل البعض بانه عندما يتعرض نظام الحكم الى هزة قد تؤدي الى الاطاحة به، فان الموضوعية والمهنية هي آخر ما يفكر به وزراء الاعلام في الانظمة المهددة، فبقاء النظام، يحتل الاولوية القصوى، الامر الذي يتطلب ضرورة استخدام كل الادوات للحيلولة دون ذلك.
الرد على هذا الجدل يتلخص في ان الاعلام الدعائي المفتقد الى الموضوعية واحترام عقلية المشاهد وذكائه، لا يمكن ان يؤثر بشكل ايجابي في الشخص المتلقي، بل قد يعطي نتائج عكسية تماماً في ظل انفتاح الفضاء، وثورة المعلومات، ووجود المئات من القنوات الفضائية باللغة العربية، واللغات الاجنبية، علاوة على الاعلام البديل المتمثل في الانترنت والفيس بوك والتويتر وغيرها.