عزت القمحاوي جمعة أخرى مثل كثيرات سبقتها ولم يتحقق شعارها.
لا نهاية حققتها أمس ‘جمعة النهاية’ ولا حسم حققته ‘جمعة الحسم’ ولا قصاص أنجزته ‘جمعة القصاص’ بينما حقق الثلاثاء 25 يناير 2011 أكثر مما توقع المشاركون في مظاهراته. لا يعني هذا أن الثلاثاء أكثر بركة من الجمعة، لكن التاريخ مراوغ ويميل إلى المفاجآت والثورات تحب المصادفات ولا تؤمن بالمواعيد.
فوجىء النظام بشرطته وجيشه بحجم المظاهرة التي سرعان ما استحالت ثورة انخلع على إثرها رأس النظام وتقدمت مجموعة من الصف الثاني لتتسلم البلاد. وكارثة بعد كارثة لم يعد هناك مجال للشك في أن النظام المصري لم تنقطع حياته لحظة، وصار بوسعه الاستمرار أكثر من ذي قبل، لأنه صار على علم بموعد الانتفاضات. والنتيجة أن الشباب الذين صنعوا بدمائهم ثورة يناير لا يزالون يقدمون قرابين الدم بينما يسارع عدد من العسكر إلى احتلال منصة عقب كل مجزرة، لا لا يأسفون ولا يعلقون على الموت الفادح، بل يتحدثون في اتجاه آخر: سوف نسلم السلطة في الموعد المحد.
يتغير عدد لواءات المنصة حسب حجم المجزرة، ومع الحد الأقصى يتم تجميع شارات اللواء المتعددة في شارة واحدة لمشير. ولا مرة قدم أعضاء المجلس العسكري التحية للشهداء الذين سقطوا في ظل توليهم المباشر للسلطة. فعلوها في المرة الأولى فقط عندما كان الدم محسوبًا على مبارك وشرطته التي كانت في واجهة التضاد مع إرادة الحياة.’ ‘ ‘هذا التجاهل المتكرر لدماء المعتصمين يعني السفور التام، ويعني أن العسكر باتوا يعرفون أن الناس تعرف أنهم الظل الكئيب لمبارك وأن النظام لم يسقط ولم يزل يجمع الأصل المتمدد على محفة بظلاله القاعدين على منصة.
مرة بعد مرة يرمون بوعد الانصراف، وكأنهم يقولون للمصريين: تحملوا، لم يبق سوى القليل من المجازر. ويتلقف فريق المتعجلين الوعد بالتحليل، يطلبون من الناس الفرح بهذه المنة العلية قفزًا على الدم الذي لم يزل ساخنًا، بينما يتلقف الفريق الآخر من المحللين الوعد بالتشكيك استنادًا إلى سابقة التأجيل، فالوعد الأول كان يقضي بتسليم السلطة بعد ستة أشهر ولم يتم!
وليس أسوأ من الفريق الأول إلا الفريق الثاني؛ فهذا الانقسام الذي تعكسه الكتابات والمكلمات الليلية بالفضائيات يقفز على حق الدم وواجب القصاص، كما يقفز على حقائق الواقع السياسي الذي يدار من أجل إحكام قبضة النظام الذي لم يسقط. ولابد أن كل من استهانوا بالعسكر في البداية ووصفوهم بانعدام الخبرة السياسية مذهولون الآن من إحكام الخطة التي تمهد للانتقال السلس للسلطة من نظام مبارك إلى نظام مبارك.
يفعل العسكر ذلك عبر أهم إجراءين تستعد لهما البلاد وهما إعداد الدستور وانتخابات الرئاسة بعد أن ضللوا القوى المتأسلمة ـ الجاهزة دومًا لابتلاع أي فخ ـ ومنحوها برلمانًا بلا صلاحيات ينفع فقط لرفع الآذان. ‘ ‘ ‘لا يمكن في هذه المرحلة كتابة دستور يعدل وضع الجيش بوصفه مؤسسة فوق الدولة بسلطاتها المدنية الثلاث. وستتوافق القوى المدنية على ترحيل هذه المشكلة الكبرى إلى المستقبل.
وأما انتخابات الرئيس فالمنافسة حسب المؤشرات الحالية لعناصر القوة ـ وعلى رأسها عنصر الشهرة بالتأكيد ـ ستكون بين عمرو موسى وبين عبد المنعم أبو الفتوح. قد لا يحتاج العسكر إلى تزوير الانتخابات لصالح عمرو موسى لأن أصحاب المصلحة في استعادة النظام سيصوتون لصالحه كما سيصوت له قطاع عريض من العامة الذين يقيسون أهمية الشخص بحجم شهرته. وفي هذه الحالة يكون النظام قد استقر مجددًا، وسيسارع العسكر إلى تسليم السلطة لتصبح المرحلة الانتقالية ـ هذه الذكرى السيئة على قلب الثوار ـ مجرد ذكرى سيئة على قلب النظام تزعزعت فيها سلطته بين مرحلتين من الاستقرار، حكم الأولى مبارك، وتولى الثانية الجيش من وراء حجاب.
وإذا فاز عبدالمنعم أبو الفتوح سيكون مقيدًا بدستور يُحصن العسكر وسيسلمونه السلطة ليفشل ـ مثلما فشل الإخوان في إقالة الجنزوري ـ ويظل النظام واقفًا على ساق الدستور وقوة السلاح لحين تدبر ساق الرئاسة مجددًا.
الخطة محكمة إلى درجة مذهلة، مثل تجربة معملية منضبطة، لكن النقص الشنيع فيها هو بيئة التفاعل.
لم ينتبه العسكر إلى أهمية درجة حرارة المعمل لإنجاح التجربة. ودرجة حرارة المعمل هي الشباب الذي ضحى ولم يزل يضحي. وفي ظل تجاهل القوة التي قامت بالثورة فان نتيجة التجربة المعملية ستكون ثورة كبرى. إذا فاز عمرو موسى ستكون الثورة ضد نظام متكامل الأركان، وإذا فاز أبو الفتوح ستقوم الثورة كذلك ولن يتغير سوى موقع الرجل منها؛ إذا انضوى تحت رغبات العسكر فسيكون خلعه هدفًا ثوريًا كخلعهم, وإذا عاندهم سيكون هناك شلل سياسي وسيكون تثبيته هدفًا ثوريًا. بالنتيجة، فإن الثورة القادمة التي لا نعرف موعدها، هي الموعد المحدد لتسليم السلطة.