في تاريخ الحضارة الحديثة، عشنا أربع ثورات كبرى غيرت الطريقة التي كان يتحرك بها العالم. من تأثير الري في الصيد والتجمع في الاقتصاد الزراعي، إلى تأثير خطوط التجميع في الاقتصاد الصناعي، إلى تطور القوى العاملة في الاقتصاد الصناعي، ما اضطر المجتمع إلى إعادة التفكير في الوظائف التي تمارسها المجتمعات، والأعمال التجارية التي تديرها والمدن التي تعيش فيها. وفيما شيدت كل من هذه الثورات الأساس للعالم الذي نعيش فيه اليوم، تم تجاهل الشركات والاقتصادات العالمية التي رفضت التطور، أو لم تستطع التطور مع مرور الوقت.
إن اختراع التكنولوجيا الجديدة هو بلا منازع حجر الزاوية في كل ثورة، حيث تم تعطيل الممارسات التي كانت تحدد حياتنا، كما عرفناها في شكلها الضيق، وتم جعل ما بدا مستحيلًا اليوم حقيقة واقعة. هناك إذن اليوم تقدم سريع وثورة جديدة نتفاعل معها اليوم إنها: الثورة الرقمية.
مرة أخرى، تقف المجتمعات على حافة هاوية اقتصاد عالمي جديد، وقوة عاملة جديدة، بل كل شيء أصبح يبدو جديدا. في ثورة العصر الجديد هذه، تعد البيانات والمعطيات حجر الزاوية، حيث أصبح الشركاء البشر أكثر أهمية من أي وقت مضى. وباتت النزاعات حول ملكية وإدارة واستخدام البيانات تسيطر في جميع مجالات الإنتاج العالمية، وتؤثر في الهيئة التشريعية الجديدة، وفي العلاقات الدولية، وتحدد بقاء
أو فناء الشركات، وظهر مفهوم جديد للعملة العالمية. لقد بات الإنسان وسيظل العامل الأكبر في نجاح الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتحليلات، وتحتاج اليوم الشركات والاقتصادات العالمية إلى تسخير قوة كليهما، لتحمل أي فرصة للنجاة لتنمية الازدهار في الثورة الرقمية. مثلما أدى ظهور خطوط الري والتجميع السكاني، إلى تغيير أدوار العمال الزراعيين والصناعيين، فإن التكنولوجيا لم تلغ الحاجة إلى المهارات البشرية لكنها تتطلب التعلم، وتتطلب اعتماد مهارات جديدة. ونظرا للكم الهائل من البيانات المتاحة الآن، فقد قام التعليم العالي بتركيز الجهود نحو برامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وعلوم البيانات، على أمل تشكيل علماء ومحللي البيانات في المستقبل لمعالجة تدفق المعلومات. إذا كانت هذه المبادرات التعليمية رائعة، إلا أن الفجوة ستستمر في الاتساع طالما لم نضع الإنسان في مركز الاهتمام. لم يعد فهم البيانات مسؤولية شخص أو فريق واحد أو قسم واحد. إن سد هذه الفجوة يتطلب من الشركات تعديل أولوياتها الداخلية، وعمليات التوظيف وفرص التدريب من أجل رفع مهارات القوى العاملة الحالية في المجتمع، لأنها لا تؤثر فقط في كفاءة الموظفين، لكن في قابلية المؤسسة بشكل عام.
نحن إذن في عصر جديد من التنوير.. مثلما قدمت المفاهيم الفكرية والفلسفية الجديدة العقل وطريقة جديدة للتفكير في عالمنا في القرن السابع عشر، فإن الوعد بالأتمتة والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي يتطلب التنوير الرقمي في مؤسسة العصر الحديث. لم يعد التحول الرقمي الناجح أمرا ممتعا، لكنه ضرورة حتمية للأعمال، كمؤشر متزايد الدقة لبقاء الشركة. لنأخذ ألمانيا، على سبيل المثال، هناك نقلة نوعية كبيرة في التركيز على الصناعة في جميع أنحاء البلاد، والتأكيد على إمكانية الولوج إلى البيانات. وهذا يؤكد فقط ضرورة وجود استراتيجية رقمية. هناك سبب لكون أنجح خمس شركات في العالم هم مواطنون رقميون، يقودون القيمة غير المقفلة من البيانات مباشرة إلى أرباحهم النهائية.
ستيف جوبز: صحافي أمريكي