مطاع صفدي
هل ثمّة حلولٌ لمعضلة العلاقة بين أنظمة الحكم وشعوبها، القائمة على العنف من أعلى القمة، والرفض من قِبَل القاعدة. فالنظريات السياسية وطروحات علوم الاجتماع لم تتوصَّل إلى مقاربات واقعية لأوضاع هذه العلاقة، فيما يتعلق بخصوصيات المرحلة التطورية التي تمرّ بها دول العالم الثالث، المفعمة بحصائل الخيبات التنموية لمختلف وعود استقلالها عن الاستعمار الغربي طيلة العقود الخمسة الماضية. فبعد شتّى التجارب السلطوية التي كابدتها هذه الشعوب، يبدو للمراقبين العلميين أن التحرر من الاستعمار القديم بات أسهل على هذه الشعوب، من بلوغ عقدة السِلْم الأهلي مع الديمقراطية. وذلك اعتماداً فقط على جدلية الحِرَاك السياسي/الاقتصادي معاً لمُجمل عمليات التغيير الذاتي.
شعوب العالم الثالث مثلما حُرمت من الحرية والكرامة على يد المستعمرين، فقد تجدد هذا الحرمان إلى درجة التجذّر مع حكومات الاستقلال، فأين تكمن المعضلة. هنالك أجوبة كثيرة، ومعظمها يدل على الغرب بإصبع طويلة. ذلك أن رحيل الاستعمار الأجنبي خَلَّفَ وراءَه الاستعمار الداخلي. بمعنى أن الاستقلال السياسي لم يسمح بولادة الاستقلال الإنساني لمجتمعاته. وله شرطان: تحقْق كقاية المعيشة المادية للأفراد، واحترام حقوق المواطنة المدنية المتعارف عليها بلغة الحريات الأساسية. لكن سرعان ما تمَّ إجهاض الاستقلال من كلِّ وعوده وعهوده المنتظرة. وكان أول ما عجزت عنه إرادة الوطنيين الجُدد هو تحرير الإرادة السياسية، في كلِّ مرة يحدث اغتصاب ما لسلطتها، من قِبَل أفراد أو فئويات تختطف الحكم بوسيلة عنف ما؛ تضع الدولةَ والمجتمعَ معاً تحت سلطة أمر واقع، لا خيارَ فيه لرأي عام، أو لمصلحة وطنية سليمة جامعة.
مبدأ المشاركة بين الحاكم والمحكوم في تقرير المصائر العامة، كان هو الضحية المُلغاة أو المؤجلة مابين كلَّ تغيير سلطوي وآخر؛ حتى كادت الطلائع المثقفة نفسها تنسَى هذا المبدأ أو تجعله رهناً بخيارات أخرى، تعتقد أنها أهم منه، أو أحقُّ منه بالمبادرة العاجلة. كان ذلك الوضع البائس لمسألة الحريات الأساسية حتى خلال عهود الانقلابات العسكرية وشبْه الثورية، هو الأصل لكلّ الانحرافات والسقطات التي ستعانيها هذه المتغيرات الفوقية. من هنا صحَّ القولُ السائد أن النهضة العربية الثانية المعاصرة، لم يُقَدّر لها أن تسيّس مجتمعاتها، بالرغم من تلاحق الكوارث الوطنية والقومية فالأكثريات العُظمى مُحال بينها وبين أية ممارسات منظمة على صعيد العمل العام. بل لم يكن ثمّة فعالية لهذه الأكثريات يمكن اعتبارها عملاً أو أعمالاً عامة. كانت دائماً هي الأكثريات المهمّشة سياسياً، مع الأقلّيات المُهمّشة عقائدياً أو إثنياً عنصرياً؛ كلّية الشعب إذن معزولة عن صيغة المجتمع الحر. حرمانُها السياسي يجعلها تنحدر دون هذه الصيغة (الراقية) إلى مجرد مجاميع من البشر، الذين وجودُهم قد يعادل غيابهم العفوي، أو تغييبهم المنظم، الساقط من فوق رؤوسهم، من فئة أقلية الأقليات جميعها، المدعوة بعشيرة السلطة.
الصورة النموذجية والمستديمة لهكذا مجتمع عالمثالثي، أو عربي وإسلامي تحديداً، ليست هي صورة الكيان ماقبل المجتمع فحسب، بل ماقبل الدولة كذلك. فمن خطأ المغالاة الثقافوية أن توصف هذه الكيانات القائمة بالدول. وأن تُصنّف مجاميعُها البشرية في عداد المجتمعات الحائزة على تكويناتها المؤسسية، المطلوبة لقيام صيغة المجتمع الموضوعي بالنسبة لانتظام فعالياته الذاتية، تحت أطر القوانين والدساتير العصرية. فمن التعسّف المنطقي، وليس الاخلاقي أو المعياري، مجادلةُ المجتمع الأهلوي الذاتوي وفْق مقاييس واعتبارات المجتمع المؤسسي الموضوعي. ربما كان ذلك صحيحاً ومنطقباً على مجمل التقلبات السياسية والبنيوية الفاشلة في معظمها، تلك التي شكّلت إيقاع النهضة العربية الثانية، بما يمكن تحديده تحت عنوان عريض، وهو: وقوع النهضة في عناكب الخلط بين الأهلوي والمؤسسي، فيما يتعلّق بالتنظيرات والممارسات، الحاصلة باسمها، أو بادّعاء أوامرها في التغيير والإصلاح. هناك من يعتبر أن الطاعة، مثلاً هي من أخصَّ خصائص المجاميع ماقبل المجتمع؛ ذلك أن لهذه الكُتَل البشرية علاقاتها العضوية فيما بينها، والمغلقة دون الآخرين. فمن الصعب أن تتكون ثمّة سلطة معنوية لهوية مجتمع غير مؤسسي في الأصل. هذه الطاعة التي تتمحور حولها أخلاقُ الأفراد، تبدو كأنها اختيارية وليست قسْرية، لأنها تُشَرْعِن قبول الجماعة لأفرادها، وتمنحهم نوعاً من الشعور بالأمان الغريزي. الاستبداد هو الذي يحوِّلها إلى (إطاعةٍ) قسْريّة مُهينة.
مسألة الحريات الفردية ليست مطروحة بالحِدَّة المعروفة في الغرب، لدى جمهرات الكُتَل البشرية المتفاصلة عن بعضها. وبالتالي يتعذّر على معظمها تكوينُ تقاليدَ جديدة تتعلّق بتنمية الحسّ العام، وتخطي الولاءات الموروثة. فحين يُشرع في معاناة التصادم بين صيَغ الترابط الأهلوي، وما تدعوه شبْهُ الدولة العالمثالثية بالنظام وضرورة الاستقرار، لا يمكن لجماهير الكُتَل أن تتلقاه إلا كما لو أن كتلة أخرى، هي أهل السلطة، تنزع للتعدي على مصالحها الذاتية. فالاستبدادُ والثورةُ عليه في هذا السياق لا يأخذان سريعاً، طابعاً سياسياً، بقدر ما يفجران تناقضاتٍ أهلوية، هي من الدرجة الثانية أو الثالثة، قياساً على التناقض المركزي الذي ينبغي أن تتصدى له ثورة موصوفة بالوطنية أو القومية الشاملة. فالصراع بين الأهلويات والعموميات يصير أشبه بالمرض العضال المزمن لحركات التحرر الوطني. ولقد كان مصدرَ الهزائم الذاتية لأعظم تجلّيات هذه الحركات، وبما يشكّل العوامل الأخطر من تلك المؤامرات الخارجية، في كثير من الأحيان.
الثورة العربية الراهنة كأنها واقعة لا محالة في شبكيات هذه التناقضات الثانوية ضداً على المواجهة مع أهدافها المبدئية العامة. فمن ليبيا إلى اليمن وأخيراً سورية. تتكالب عنكبوتيات الأهلوية على المحركات العامة، الدافعة إلى وحدة الهدف التغييري البنيوي. فالثورة الوليدة في هذه الأقطار الثلاثة، وما سوف يتبعها غداً أو بعده، في الأقطار الأخرى، لا تكاد تنجو، مع كل خطوة، من مأزق التساقط في براثن حرب أو حروب أهلية، وهي في خنادق الثورة عينها؛ ذلك أن المنزلق الكارثي الذي قد تنجزّ إليه الثورة هو تحوّلُها من عنف السِلْم إلى عنف السلاح. عندئذ تنهار الثورة من مستوى صراع الحرية من أجل الكل، إلى مستوى التقاتل بين التشكيلات الأهلوية المتوارثة، من أجل أن يفوز تشكيل أقَلّوي ما ضد الكل.
لقد انتصرت ثورة مصر وتونس بطاقة الشجاعة الإنسانية وحدَها، مما أحبط كل وسائل الاستبداد بالقمع الهمجي. فالشباب فتحوا صدورهم لرصاص القتلة. ناضلوا كيما يكونوا شهداء للحرية، وشهوداً على المجرمين وحدَهم. كان ذلك أمضى سلاح ضد سلطة الطواغيت. فالثورة في حدِّ ذاتها هي سلاح الجماهير، قوتها الوحيدة مستمدّة من أنبل عاطفة جماعية هي الغضب الإنساني المشروع ضد الظلم وآثامه. ما يجمع الناس المقهورين أولاً هو طلب العدالة، ليس كهدف مثالي بعيد المنال، ولكن كإنصاف فوري راهن، في رد أبسط الحقوق لمستحقيها، بدءاً من الاعتراف بكرامة الشخصية الإنسانية. ما يفعله الاستبداد هو الدَوْسَ الوقح المتمادي على هذه الكرامة الجماعية، وذلك بالإصرار العلني على تحويل المواطنين الأحرار إلى مجرد محكومين في سجن كبير، بلا ذنب اقترفوه، سوى أنهم يمارسون حق الرفض الصامت، قبل الثورة، لسلوك الفئة المتسلطة على مصالح الأكثرية، الممنوعة حتى من صرخة الجرح المثلوم، وليس فقط من المطالبة باسترداد الأقل من حقوق المواطنة الطبيعية المغتصبة.
الاستبداد العربي هو ذروة الشكل المتبقي لقروسطية السلطة المطلقة الغيبية، الحاكمة لمجاميع من الناس فيما قبل مجتمع المواطنة ودولة القانون. بقاؤه واستمراره منوط بمحافظته على خارطة التشكيلة القطاعية للشعب حتى يتمكن من التخندق وراء شريحته الخاصة، وتوريطها معه في كل مباذله المنحرفة عن القانون والأخلاق معاً. فحين يُفاجأ الاستبدادُ باندلاع الثورة التي كان يخشاها ويطردها من خياله المريض قبل وقوعها المحتوم، فإنه لا يجد ثمّة وسيلة لتفادي نهايته، سوى نقل الصراع من محوره العمودي (قاعدة/قيادة) إلى محور أفقي، يفجر التناقضات الفرعية بين المكونات الشعبوية المتوارثة.. عندئذ يتصور الاستبداد الآفـــل أنه قادر على إعادة تقسيم القوى الشعبية، وحرمان الثورة من صيغتها الوطنية الشاملة، والدفع بها إلى شبكيات هذه الصراعات الفئوية. ولعلّه يسجّل لذاته بعض نقاط النجاح على طريق تأجيل ساعة المصير المنتظرة ما أمكنه، مستخدماً في ذلك أساليب التآمر الحلزوني، الذي يلتفّ على مختلف هذه المكونات وقواها الرئيسية، من وراء ظهورها، مفرّقاً إياها في شبكيات من النزاعات الغريزية الدمويّة، لعلّها في النهاية تنسى عدوها الأصلي، الذي هو حكْم الأقلية الفئوية للأكثرية الساحقة.
مصطلح الثورة المضادة يتغذى من جاهزيات هذا التآمر الحلزوني الذي سوف يشترك في إعداده وتنفيذه كلٌّ من الاستبداد وزبائنه المحليين مع حلفائه المكشوفين، إقليمياً ودولياً؛ فالقمع الهمجي والتآمر الشيطاني عدوَّان لَدُودان متعاونان تكابِدهما النهضةُ العربية منذ فجرها التبشيري. وكان لهما نصيبهما الأكبر في إجهاض دورات متعاقبة من الانتصارات والهزائم، وصولاً إلى منعطف القرن الواحد والعشرين، حيثما خيَّمت على سنواته أثقلُ مرحلةٍ من ركود العقل والفعل معاً، حتى كاد التاريخ يسجّل أو يطوي صفحة الأمة العربية ونهضتها، خاتماً إياها بأشد لحظات التسليم سواداً، مع تتويج مركّب الاستبداد/الفساد حاكماً أبدياً، لا مستقبل آخر للأمة بعده.
لكن حان عصر النهضة العربية الثالثة عندما لم يبق لديها سوى معْبَر واحد نحو الحرية والكرامة، فقد صمَّمت من جديد على استعادة ثقافة الثورة الجماهيرية السلْمية بالقيادة الشبابية وحدَها. هذه الثقافة تملأ شوارع المدن والقرى العربية، بأمة جديدة، ستحارب بأصواتها العالية وصدورها العارية، فأية أسلحة قذرة أمضى وأنقى من أسلحة الحرية مع الشجاعة، والسلام مع الكرامة.’ مفكر عربي مقيم في باريس