عبد عرابي دخلت الثورة السورية عامها الثالث، أيام طويلة مرت على السوريين كأنّها دهور، قضوا فيها ليال ظنّوا أنّهم لن يطلع عليهم ضوء النهار، فقدوا كثيراً من أهليهم وأحبابهم، وترك أكثرهم بيته وفرّ بأولاده حاملاً بعض ثيابه إن استطاع، وتشرّدوا هائمين على وجوهم، ما إن يستقر بهم التشريد في مكان حتى تلاحقهم قذائف المدافع والدبابات والطائرات، فينتقلون إلى مكان آخر وهكذا دواليك، حط ترحال بعضهم في خيمة لم تدفئهم من برد ولم تقهم من مطر، وبعضهم لم ينل شرف الحصول على مثل هذه الخيمة، فَقَدَ أكثرهم كل ما جناه طوال حياته، وأمسى محتاجاً لأدنى مقومات الحياة.قدّم السوريون خلال هذين العامين تضحيات هائلة، حوالي مئة ألف من الشهداء، ومئتي ألف من المعتقلين والمفقودين، ذاقوا ألواناً من الظلم والقهر والعذاب لم تعرف البشرية مثل وحشيّتها وهمجيّتها، مجازر يذبح فيها الأطفال والشيوخ والنساء، ويحكم فيها بالإعدام على كلّ مظاهر الحياة من نبات وحيوان، وانتهكت فيها كلّ القيم والمقدسات، فمثّل بالجثث، واغتصبت النساء، ودنّست المصاحف، وهدّمت المساجد ومنعت فيها الصلوات. ومع ذلك صمدوا صموداً أسطورياً أمام آلة القتل والدمار الهمجية، وقدّموا ملاحم بطولية في الثبات والإصرار، ولم يثنهم عن سعيهم لنيل حريّتهم تخاذل قريب أو صمت بعيد أو تآمر حاقد.عامان ومعاناتهم مع الطغاة والظالمين تتصدر شاشات المحطات الفضائية التي كانت تنقل بعضاً ممّا كان يجري ممّا استطاعت أن تلتقطه عدسة مصوّر خاطر بحياته وربما فقدها من أجل نقل مشهد ممّا رأى، وما يحصل بعيداً عن الأعين والعدسات في أقبية السجون والمعتقلات أشدّ وأفظع وربما لا تتخيله التصورات.كان بإمكان المجتمع الدولي بدءاً من الجوار والإقليم أن يضعوا حدّاً لهذه المعاناة الفظيعة من بدايتها، ولكنّهم لم يفعلوا، والسؤال الذي حيّر السوريين لمَ لم يفعلوا!! وبعبارة أخرى: لمَ يخشَ العالم من انتصار الثورة السورية؟ فكلّ المبررات والذرائع والأسباب التي قدّمها الأقربون والأبعدون لتفسير تخاذلهم وتقاعسهم عن نصرة المظلومين في سورية لا ترقى إلى معشار معشار المعاناة التي لحقت بهم، فبينما كانت الأسلحة والذخائر تنقل براً وبحراً وجوّاً للطغاة والظالمين كان العالم يناقش مخاطر التسميات الإسلامية لكتائب الجيش الحر وأيديولوجياتهم وطول لحاهم مع أنّ لحى الشبيحة أطول- قدّموا لهم فتاتاً من المساعدات الإنسانية، لينقلب حال المعاناة فتبذل الجهود لمعالجة نتائج الكارثة وآثارها بدل السعي إلى القضاء على أسبابها وإيقاف مصادر نزيفها واستمرارها. لم يكن خافياً على أحد من السوريين أو غيرهم حالة الخوف الهستيري الذي أصاب الدول الإقليمية والدول الفاعلة عالمياً من انتصار الثورة السورية، ولعلّ تصريحات المالكي الأخيرة تلقي الضوء على نموذج معلن من هذا الخوف الذي يتضمن تهديداً مبطّناً للدول التي ربما تفكّر بدعم المعارضة دعماً حقيقياً معلناً: فانتصار المعارضة برأيه سيؤدي إلى حرب أهلية في لبنان، وقلاقل في الأردن، وحرب طائفية في العراق، ومثله تصريح بعض المؤيدين للنظام السوري من اللبنانيين كحزب الله وبعض المسيحيين وغيرهم، وأقوى منها تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي كانت تتوافد زرافات ووحداناً بخطّها الأحمر وما فوق الأحمر، ومن خلف الجميع التصريحات الروسية التي ما فتئ وزير خارجيتها لافروف على تكرارها في كلّ المناسبات حتى وبلا مناسبات.أمّا الدول التي تعلن ظاهراً تأييدها للثورة السورية فأكثرها قد أعلن بعض أسباب تردده وتقاعسه عن مدّ يد العون (المجدية) للسوريين وأخفى أسباباً أخرى، وأعظم مثال على ذلك موقف الولايات المتحدة الأمريكية (سيدة العالم) وخلفها الاتحاد الأوربي وبعض العرب، ويتمحور هذا الخوف حول حال سوريّة بعد سقوط الأسد من حيث سيطرة فكر القاعدة وأولادها وأخواتها، وحال الأقليات وخصوصاً الطائفة التي كانت الحاضنة الأساسية للنظام من حيث عدم تفشي روح الانتقام لتشمل من شارك في سفك الدماء ومن لم يشارك.أمّا الأسباب غير المعلنة لهذه الدول – وهي ترتبط بما هو معلن في جانب من جوانبها- هذه الأسباب غير المعلنة تختلف باختلاف المصالح فأمريكا والغرب بوصلتها أمن دولة الصهاينة، فهم لا يريدون أن تضطرب الجبهة الشمالية لهذه الدولة والتي بقيت هادئة مستقرة ومن غير اتفاقية سلام لمدة أربعين عاماً، لا يريدون دولة حرّة قوية مقاومة (حقيقة) تكون جادة في استعادة الأرض وصون العرض.أمّا دول الشرق إيران وبعض العرب وربما الصين وروسية (في حالة الجمهوريات الإسلامية التي ما زالت أقليات تطمح إلى الاستقلال) فهذه الدول بالإضافة إلى الأسباب المعلنة خائفة من انتقال العدوى إليها، فحال شعوبها لا يختلف كثيراً عن حال السوريين إلا ربّما ببحبوحة عيش عند بعضهم، أمّا مسألة الحريّات فحدّث ولا حرج، ونجاح الثورة السورية بجهود أبنائها وبدون تدخل خارجي يعني شبه معجزة بمعيار الثورات على الأنظمة القمعية، وخصوصاً إذا ما قورن تجذّر النظام السوري واستبداده وقمعه بالأنظمة التي أسقطتها ثورات الربيع العربي، مما يعطي أملاً لتلك الشعوب بالقدرة على إسقاط أنظمتها القمعية (القوية). لاشك أن جغرافية سوريّة لها الدور الرئيس في حالة الهلع التي أصيبت بها بعض الأطراف من احتمال انتصار ثورتها عسكريّاً، مع تذكّر دور التنوع السكاني في ديموغرافية السوريين من حيث القوميّات والأديان والطوائف في ذلك، مع عدم إهمال الجانب التاريخي من حيث أثر تحرّر إقليمين عظيمين من بلاد العرب والمسلمين وهما بلاد الشام ومصر في نهضة العرب والمسلمين واستحضار ذلك تاريخياً من بداية الفتوحات الإسلامية إلى الوقوف في وجه المغول والتتار والصليبين إلى نهضة محمد علي … كلّ ذلك مع عدم إنكار وجود خلفيات إيديولوجية عند بعض الأطراف (ربما تكون الهاجس وراء خوفها الحقيقي) وإن اختبأت تحت مظاهر أو مسمّيات أخرى، لكنّها تظهر بالتصريحات غير الرسمية و زلات اللسان.كذلك لا ننكر خوف بعض الدول من فقدان ميزاتها و مصالحها الاقتصادية، وإن لم تكن هذه المصالح مغرية جداً، بل ربما اعتبر هذا العامل هو أضعف العوامل التي تدفع بعض الدول إلى الخوف من سقوط النظام وانتصار الثورة. لعب النظام القمعي في سوريا على هذه الأسباب والهواجس وما يتبعها من تناقضات على المستويين الإقليمي والدولي، وظهر أنّه ما زال صامداً بعد سنتين من الثورة، وهو الذي عُرف عبر تاريخه الطويل بسياسة براغماتية مصلحية غير أخلاقية، تستفيد من تناقضات مصالح الدول العظمى – وخصوصاً أمريكا وعقدتها في حماية إسرائيل- في البقاء والرسوخ، وموقف النظام السوري من الحرب الأهلية في لبنان، والحرب العراقية الإيرانية، وغزو العراق بعد ذلك.. أكبر دليل على هذه البراغماتية المنافقة.لقد استطاع النظام السوري حتى الآن مساومة كلّ الأطراف – بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- على هواجس خوفها من سقوطه، على أمل بقائه في السلطة أو مساعدته للخروج بأقل الخسائر، هذه الأطراف التي تغافلت عن واجبها الأخلاقي والإنساني تجاه الشعب السوري الذي تُرك وحيداً في معاناته مع القتل والدمار والتنكيل، تحت وطأة هذه الهواجس.ولكن إلى متى تستمر هذه الهواجس؟ وإلى متى يُسمح باستمرار استثمار النظام واستغلاله لها؟ وما الذي يجب على السوريين عمله لتبديد هذه الهواجس التي ليس لهم فيها ناقة ولا جمل؟ وما الثمن الذي ينبغي على السوريين أن يدفعوه لإبعاد هذه الهواجس؟ الأيام القادمة هي التي ستجيب عن هذه الأسئلة وغيرها.السوريون اتخذوا قرارهم فلا مساومة ولا تراجع عن مطلب إسقاط النظام القمعي بعد كلّ هذه التضحيات، وهم ماضون نحو ذلك بوجود هواجس الآخرين أو عدمها، حاولوا تقديم بعض ما يبدد هذه الهواجس ممّا يتعلّق بهم، من حيث ضمان حقوق الأقليات، أو سيطرة الجماعات المتطرفة مع محدوديتها وصغر حجمها بالنسبة لمجموع القوى الفاعلة في الثورة، والتي أراد النظام ومن يلفّ لفّه تضخيمها وتهويلها، فالسوريون بيّنوا أنّهم لا يتصورون لهذه الجماعات أيّ دور فاعل في سوريّة القادمة، ولا يتوقعونه ويضمنون ذلك للعالم كلّه، لأنهم بطبيعتهم متدنيين بالفطرة ووسطيين بتدينهم.أمّا ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية (هاجس) أمريكا والغرب فثوار سورية يعتبرونها القضية المحورية للعرب والمسلمين، ولا يقبلون ولا بصورة من الصور أن يساوموا على ذلك، وسواء بقي هاجس أمريكا والغرب أو تبدد، ولو كان ذلك على حساب إطالة عمر ثورتهم قليلاً وزيادة تضحياتهم، فهم سيأتون فلسطين أحراراً وشتّات شتّان بين الأحرار والعبيد في استعادة حقوق الأمّة وتحقيق آمالها. كاتب سوريqmdqpt