الثورة السورية في لعبة السماسرة

حجم الخط
0

الثورة السورية في بدايتها كانت سلمية، ومطالبها واضحة متعلقة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لكنها انحرفت عن طريقها، وتحولت إلى فوضى وحرب أهلية دمرت وما زالت تدمر سورية وشعبها، وسبب هذا الانحراف يعود إلى تشابك المصالح الخارجية، وطبيعة النظام السوري الذي يميل نحو النزعة الطائفية العشائرية، إضافة إلى أجهزته الأمنية والعسكرية الردعية التي تقوم على عقيدة الولاء لآل الأسد ونظامهم.المطالب الاجتماعية الوطنية للسوريين ركب عليها تيار يميل نحو كتلة ‘الإسلام الأطلسي’، ويستعمل نمط ‘الإسلام السني’ كحصان طروادة للوصول إلى السلطة وخدمة أجندة تخدم مصالح الولايات المتحدة ومشتقاتها، في لعبة خيوط متشابكة تمتزج فيها المصالح السياسية بالاقتصادية والجيوستراتيجية.. فهذا التيار الذي يمثل ‘الإخوان’ نواته الرئيسية، والمدفوع من الولايات المتحدة الأمريكية والرجعية العربية والتركية، ركب بطريقة ممنهجة على مطالب الثورة السورية.هذه اللعبة الإستراتيجية تتمحور آفاقها حول الردع الإستراتيجي للمارديِِِْن الشرقيّيْن الزاحفيْن بقوة، والمتمثلين في روسيا والصين ومعهما المارد الإيراني العنيد والممانع، وذلك بخلق كتلة سنية في سورية تقوم على أُسس ادمقرطة الإسلام’، وتوظيف الوجدان الشعبي السائد بتوجيهه بما يخدم مصالح أمريكا وحلفائها، ويضمن أمن إسرائيل.. فهذه الكتلة السنية التي سيكون محورها التيار الإخواني ومشتقاته، من المنتظر أن تكون سدا منيعا أمام المد الشيعي الممانع والمعادي للمصالح الأمريكية / الصهيونية / الصهيو امبريالية، كما ستكون الدرع الواقي من الزحف الروسي الصيني المتنامي.. وبالرغم من بعض التحفظات حول هذه الأجندة نظرا للتقارب النوعي بين النظام الإيراني االإسلاميب والتيار الإخواني في فترات تاريخية معينة وبدرجة أقل اليوم، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مرشد الثورة الإيرانية آية الله الخميني رسم خطا اثورياب يميل نحو التقارب بين الشعوب الإسلامية ونصرة الشعوب المستضعفة في كفاحها ضد الهيمنة الاستعمارية/ الإمبريالية / الغربية بغض النظر عن الطابع المذهبي أو الديني لتلك الشعوب، إلا أن التنافر المذهبي العميق، والتحول الجذري في أجندة التيار الإخواني من خلال علاقته الوطيدة بالولايات المتحدة في المنطقة، أفرز تحولا جذريا عميقا بحيث أصبح من المستبعد، مستقبلا، أن يحصل تناسق وتقارب استراتيجي حقيقي بين إيران والإخوان، بل أن التنافر سيكون سائدا، وستكون العلاقات فاترة في أفضل الأحوال باعتبار أن الأنظمة السياسية تميل دائما نحو مسايرة الفعاليات الإيديولوجية العامة السائدة لدى الشعوب خاصة في ظل الدمقرطة القائمة على صناديق الاقتراع وبالأخص في البلدان المتجذّرة وجدانيا في الإسلام وفي المذهبية، هذا إذا أضفنا التدخل الحتمي المنتظر والكاسح للولايات الأمريكية ومن ورائها إسرائيل لعرقلة أي تقارب استراتيجي حقيقي بين إيران والإخوان، وذلك باستعمال شتى وسائل الضغط الاقتصادية والمالية والاستخباراتية.لا يخفى على أحد أن المقاومة الشعبية السورية مركّبة من فاعليّتين تبدوان متوافقتين في هذه المرحلة التاريخية، الفاعلية الأولي تتمثل في ردة الفعل الشعبية العفوية النابعة من الداخل السوري، والفاعلية الثانية تتمثل في التدخل الخارجي ( النفطي /التركي /الأمريكي…) من خلال تقديم الدعم المالي والعسكري والسياسي. وتلعب الكتل ‘الإسلامية الجهادية’ المُستقطبة من عديد البلدان ‘العربية و الإسلامية’ دورا محوريا في هذه اللعبة، إذ وقع دفعها من طرف وكلاء مرتبطين بالرجعية العربية ومشتقاتها نحو ‘الجهاد’ ضد نظام بشار ‘الرافضي الكافر’، فكان اللعب على الوازع العقائدي المذهبي للتحفيز والشحن المُمنهجين، فالرسول حثّ على النصرة، كما أوصى بأرض الشام ‘معقل الإسلام’ وأعطاها مكانة مميّزة.. فمن خلال هذا المشهد امتزجت الفاعلية العقائدية / المذهبية بالفاعلية السياسية / الإستراتيجية، إلا أن انفصال الفاعلية العقائدية عن الفاعلية السياسية لدى الجماعات ‘الجهادية’ يبقى أمرا متوقعا نظرا لزئبقية ردود أفعال هذه الجماعات وسرعة انشقاقها وتفريخها لحركات جديدة مستقلة، فهذه الجماعات تتميز بالراديكالية والحساسية تجاه كل تطبيع مع ‘الغرب الكافر’، كما تتميز برفضها للغة الحوار والمساومة والديمقراطية، فهي تتشبث بكل شبر من الأراضي التي تسيطر عليها لتقيم فيها إمارات إسلامية تُطبق فيها ‘الشريعة’ في انتظار السيطرة على مناطق أخرى، وقد ظهر التناقض جليا بين ‘الجهاديين’ وزملائهم الثوار الآخرين من ‘الجيش الحر’، فبادرت الولايات المتحدة بتصنيف جبهة النصرة في قائمة المنظمات الإرهابية، للتنصل من المسؤولية التاريخية لما قد تقترفه الجماعات ‘الإسلامية الجهادية’، فالولايات المتحدة اكتوت بنار ‘الجهاديين’ بعد أن دعمتهم وساندتهم في التصدي للمد الروسي في أفغانستان، كما أنها أضحت منذ سنوات تراهن على الإسلام المعتدل أو الإسلام الديمقراطي القادر على النفاذ إلى العمق الاجتماعي للشعوب العربية بحيث يسهل تمرير أنماط اقتصادية وأجندات إستراتيجية بسهولة من خلاله.. فبعد صمود نظام بشار الأسد وبعد تغوّل الجماعات ‘الجهادية’ وبعد إصرار الدب الروسي على عدم التنازل عن كعكته الشرق أوسطيّة، غيرت الولايات المتحدة من استراتيجيتها لأن ‘الكعكة’ السورية ستكون مرة أكثر من اللازم بالنسبة لها ولأمن إسرائيل.الخروج بالقضية السورية إلى بر الأمان مرتبط بالابتعاد عن الهويات المتطرفة، مع الفصل بين الأسباب المذهبية /العقائدية /الإيديولوجية / الإقليمية /الإستراتيجية للثورة السورية من جهة والأسباب الوطنية /التحررية/ الإنسانية/ التوافقية من جهة ثانية، لأن الوضع لا يحتمل الشعارات الضيقة بل يتطلب برنامجا وطنيا بعيدا عن الشحن العقائدي /المذهبي / القومي / الإيديولوجي.يوسف بلحاج رحومةqmnqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية