د. رياض العيسمي كان عام 2012 عاما مليئا بالأحداث الدامية والمؤلمة لسوريا وشعبها على الصعيدين الداخلي والخارجي. حيث إزدادت معدلات القتل اليومي للمواطنين السورين إلى أعلى مستوايتها، وبأبشع الطرق، وسجل عداد الموت فيها مع نهاية العام رقما زاد على خمسة وأربعين الفا. ووصل عدد المفقودين إلى أربعين ألفا، والمعتقلين والمخطوفين إلى أكثرمن ستين ألفا، ومايقارب من نصف مليون من اللاجئين إلى دول الجوار، ومايزيد عن مليونين من النازحين داخل الوطن. ومرالعالم على كل هذه الأرقام وكأنها بيانات إحصائية لشعب ليس له هوية، ويسكن خارج حدود التاريخ. وقد أستخدم النظام في العام الماضي الطائرات القاذفة من الميغ بكل أنواعها، والسوخوي، وكل أنواع القنابل، المسموحة منها والمحرمة، كالقنابل الفراغية، والعنقودية، والفوسفورية. كما وأستخدمت القنابل البرميلية المُبتكرة التي حملت معها الدمارالماحق للبلاد والموت الزؤام للعباد. وكذلك إختبرالنظام المدى المُجدي لصوريخ سكود التي يمتلكها منذ زمن، والتي كان يدخرها لحرب غير محتملة مع العدو الصهيوني. ولقد ثبت له بالملموس بأن المدى القاتل لهذه الصواريخ يصل إلى حمص وحماه، وحلب وإدلب، ويتوقف عند معبر ‘باب السلامة’ على الحدود التركية. ومؤخرا أستخدم النظام الغازات السامة في حمص وحماه وريف دمشق. ممتحنا بذلك جدية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في تجاوزه الخطوط الحمراء. علما بأن النظام كان قد تجاوز الخطوط الحمراء من قبل، عندما أستباح حماة بالرغم من التحذيرالذي أطلقه له السيد رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا، بعدم تكرار ما حصل للمدينة في ثمانينيات القرن الماضي. ولم يكن التحدي في حماة لأردوغان وحده، بل للعالم بأسره، لأن القتل والدمار طال كل المدن السورية، وكلها أصبحت حماة. وأيضا لقد وصل عدد اللاجئين السوريين في تركيا اليوم ما يقارب مائة وخمسين ألفا، ولم تفعل تركيا شيئا، كما وعد وزيرخارجيتها، السيد أحمد داوود آوغلو، بالتحرك إذاما وصل عدد اللاجئين فيها إلى المائة ألف. وعلى مايبدو فأن السيد آغلو ما زال منهمكا بإحصاء العدد الحقيقي للاجئين، في الوقت الذي مايزال فيه السيد أردوغان، يتفحص خطوط حماة الحمراء. ومثله مايزال مجلس الأمن، وحلف الناتو، والاوليات المتحدة ،وروسيا، وإسرائيل، وغيرهم يتفحصون فيما إذا كانت الغازات السامة التي أستخدمها النظام هي من أنواع الأسلحة الكيمياوية. و كان أيضا 2012عاما حافلا على الصعيد الدولي، ومجلس الأمن، والجامعة العربية. ثلاثة مشاريع قرارات للتعامل مع الأزمة السورية أحبطها الفيتوالروسي-الصيني المزدوج. مندوب تلو المندوب، يذهب إلى دمشق، ومنها يذهب إلى عواصم القرار في العالم، ليعود من جميعها خالي الوفاض. حيث ذهب في البداية السيد الدابي بإسم الجامعة العربية على رأس وفد لمراقبة الوضع الأمني في سوريا، إلا أنه رحل عنها في النهاية لعدم قدرته على توفيرالحماية الأمنية له ولوفده. ثم إنبرى لها السيد كوفي عنان ممثلا للأمم المتحدة بغرض تحقيق السلام. وبعد أن بحث عن ضالته في كل عواصم العالم التي إعتبرها مهمة للأزمة السورية، رحل من سوريا بسلام ودون أن يجلب لها السلام. وأخيرا، جاء دورالسيد الأخضرالإبراهيمي ليدلي بدلوه، والذي زارهو الأخر كل الدول التي زارها من قبله السيد عنان، بل وحاول طرق أبواب أخرى. لم يرحل الإبراهيمي بعد، لكنه هدد بالرحيل وهو في طريقه إلى دمشق لتأدية مهمته الأخيرة. لقاءات ومؤتمرات لأصدقاء الشعب السوري عُقدت العام الماضي في تونس وجنيف وإسطنبول والدوحة ومراكش، وغيرها. كل المجتمعين وفي كل المرات كانوا يقررون نجدة الشعب السوري وإغاثة اللاجئين السوريين في دول الجوار. لكن الشعب السوري مايزال حتى اللحظة يموت يوميا بالمئات، واللاجئين السوريين مازالوا يتدفقون بالآلاف إلى دول الجوار، حيث يعيشون في أسوأ حالات إنسانية. وهنا لايسعنا إلا أن نقتبس مما قاله يوما، الأديب السوري الراحل محمد الماغوط، عندما كان يستمع إلى الوفود العالمية وهي تأتي إلى سوريا تضامنا مع القضية الفلسطينية، عنما كانت سوريا تقود ‘جبهة الصمود والتصدي’: ‘لقد أُصيب العالم بالدوالي جراء وقوفه مع قضيتنا العادلة. كم كنت أتمنى لوأن أي من هذه الوفود صادقا بما يقول، لحملته على ظهري هو وأمتعته من المطار إلى الفندق وبالعكس’. وفي عام 2012، إنعقدت عدة مؤتمرات للمعارضة السورية في الداخل والخارج. نتج عنها تشكيل فصائل معارضة جديدة، وأخرى جددت نفسها. وكان أخر الفصائل الجديدة، الأئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والذي إعترفت فيه العديد من الدول، وأعتمدت فرنسا له ممثلا دبلوماسيا. إلا أن الولايات المتحدة تحفظت على الإعتراف به في البداية، ومن ثم عادت وأعترفت به لاحقا. إلا أنها حتى اللحظة لم تدفع بإتجاه تشكيل حكومة مؤقته تفتح الباب أمام سحب الشرعية من النظام. وهذا الموقف المتردد، والمتناقض أحيانا، للولايات المتحدة يثيرالعديد من التساؤلات والتكهنات حول حقيقة مخططاتها وموقفها من الأزمة السورية. حيث لم تترك السيدة هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية، مناسبة إلا ورددت فيها: ‘بأن أيام الأسد باتت معدودة’. وكان قد سبقها إلى ذلك الرئيس أوباما، الذي كررفي أكثر من مرة: ‘بأن الأسد قد فقد الشرعية وعليه أن يتنحى’. ونفس التصريح جاء على ألسنة معظم القادة الأوروبيين، والأتراك، والعرب الداعمين للموقف الأمريكي. وبالمقابل كانت التصريحات المتعددة التي أطلقها السيد سيرجي لافروف، وزير خارجية روسيا، وعدد من المسؤولين الروس الآخرين، حول العصابات الإرهابية في سوريا، وضرورة الحوار مع النظام، وبقاء الأسد في السلطة، وإلى أخر ذلك من هذه التصريحات. لقد بقيت الولايات المتحدة خلال العام المنصرم ترقب الوضع الميداني في سوريا، وتستخدم ورقة المعارضه الخارجية وفقا لأداء الثوارعلى الأرض، وتُوظفهُ بما يخدم مصالحها، وينسجم مع إستحقاقاتها السياسية خلال عام الإنتخابات. وبالمقابل كانت تستخدم روسيا النظام السوري وقوته العسكرية المدججة بأسلحة من صنعها، وتستخدم ورقة المعارضة الداخلية والحوارمع النظام لإبتزازالموقف الدولي بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص خلال فترة الإنتخابات الحرجة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي كانت تعنيه كل هذه التصريحات والمواقف التي إتخذتها كل من الولايات المتحدة وروسيا خلال العام المنصرم إتجاه المعارضة بشكل خاص، والأزمة السورية بشكل عام؟ وهل كانت مجرد ‘طبخةً للحصى’، أستخدمها الطرفان للتسويف وشراء الوقت خدمة لمصلحتيهما المرحلية، على حساب المعارضة ونزيف الدم السوري؟. لقد وظف كل من الرئيسين بوتين وأوباما الأزمة السورية في إعادة إنتخابهما لسدة الرئاسة في بلديهما. حيث أظهر الموقف الروسي المتشدد من حل الأزمة السورية، بوتين كرجل دولة حازم، يستطيع أن يقف أمام الولايات المتحدة موقف الند. وبالمقابل أعطى إستخدام روسيا والصين حق النقض الفيتو، الرئيس أوباما الحجة لعدم إتخاذ قررات حاسمة بشأن الوضع السوري، والتي كانت من المكن أن تحرجه مع إسرائيل قبل الإنتحابات. أما وأن إنقضى إستحقاق الإنتخابات الأمريكية بفوزالرئيس باراك أوباما لدورة ثانية، والذي كانت تتمناه روسيا بسب توجهات رومني المعادية لها، وبعد أن وصل الوضع في سوريا إلى مرحلة اللاعودة، وجدت روسيا من مصلحتها البدء بتفاوض جدي مع الولايات المتحدة بخصوص حسم الأزمة السورية تمهيدا للتفاوض الشامل على القضايا الأخرى، كالبرنامج النووي الإيراني والدرع الصاروخي. وهذا يُفسرما قاله السيد بوتين في الفترة الأخيرة: ‘بأن روسيا غير متمسكة بالأسد’. ومن ثم يأتي تصريح السيد مخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي: ‘بأن الثوار في سوريا يحققون تقدما متزايدا على الأرض، ويمكن أن ينتصروا’. وفي السياق نفسه، يأتي لقاء كلينتون-لافروف في دبلن، والذي تبعه لقاء بوغدانوف- بيرنز-الإبراهيمي في جنيف، ومن ثم زيارة الأخضر الإبراهيمي إلى سوريا، التي لم تكن لتحصل إلا بضغط روسي على الأسد لإستقباله. إن ما نقلته صحيفة ليفغاروالفرنسية مؤخرا عن إتفاق روسي أمريكي لحل الأزمة السورية، يؤشر بأن مفاوضات أخرى لربما كانت تجري بين الطرفين بعيدا عن الإعلام. وهذا أيضا ما يفسر حالة التردد في إتخاذ القرارات من قبل الإدارة الأمريكية بخصوص المعارضة السورية بشكل عام، والإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بشكل خاص. وكذلك يلقي بعض الضوء علي التصريحات الروسية التي إمتازت بتبادل الأدوار والتضليل الإعلامي في بعض الاحيان. وإذا ما توصل الروس والأمريكان فعلا إلى صيغة قرار توافقي يُفضي بالنهاية إلى تشكيل حكومة إنتقالية في سوريا، فلن يعود هناك مبرارا للإتلاف الوطني لتشكيل حكومة مؤقتة. بل يمكن له أن يكون جزءا من حكومة إنتقالية يتم التوافق عليها مع أطراف المعارضة الأخرى، وعناصرمن النظام غير متورطين بالقتل والفساد. إلا أن السؤال الأهم هو: ما الذي يتضمنه الإتفاق الروسي-الإمريكي بالضبط، وهل يحتوي على فقرة واضحة برحيل النظام؟ .وبغض النظرعما يحتويه أي إتفاق ومن أية جهة، لا نعتقد بأن أية معارضة سورية ، منفصلة كانت أو مجتمعة يُمكن لها أن تقبل بأي إتفاق لايتضمن تحقيق الهدف الذي قامت من أجله الثورة، والذي إنطوى على الشعارالذي كتبه حمزة الخطيب ورفاقه على جدار مدرستهم ‘الشعب يريد إسقاط النظام’، والذي لولاه لما وصلت المعارضة السورية جميعها إلى ما هي عليه اليوم من القوة، ولم تكن لتجد أحدا في العالم ليسمع صوتها. لقد بقي الأمريكان والروس (السوفيت قديما) ومعهما الغرب والشرق أربعين عاما متفقين على بقاء نظام (الأب وأبنه)، غيرآبهين لا بالمعارضة السورية، ولا حتى بالشعب السوري بأكمله. لقد فرضا على الأنظمة العربية أيام الحرب الباردة أن تتبع هذا القطب أو ذاك، والتي فرضت بدورها على شعوبها أن تكون حصة الغالب على المغلوب. أما اليوم وبعد إنتهاء مرحلة الحرب الباردة، وتراجع الهيمنة الأمريكية، وبفضل ثورات الربيع العربي، لقد تغيرت المعادلة، ولم تعد الشعوب الثائرة في المنطقة العربية حصةً، بل طرفاً أساسيا في الصراع. لا يتبع لأي من الأطراف، بل يفرض عليها جميعا متابعته. لقد صنع الشعب السوري بثورته ما كان يوما من ضروب المستحيل، وسطر بصموده وصبره أساطير البطولة، وفرض على العالم أن يعيد النظر في حساباته، ويؤقلم خططه مع نبض الشارع المنتفض والثائر منذ أكثر من 21 شهرا. إلا أن الشعب السوري يدرك بأن الطريق إلى الحرية طويلة وشاقة، وأن الديمقراطية هي عملية سياسية وإجتماعية تراكمية، ولابد أن يتوفرلها المناخ السياسي المناسب والحاضنة الشعبية. وهي بالتالي أكبرمن صندوق إقتراع خشبي كلغة النظام التي مابرح يكررها منذ أربعين عاما. لقد وصلت الأموراليوم في سوريا إلى وضع اللاعودة، والذي لم يعد يُحتملُ معه الإنتظار. لذا فإن كل السوريين، في المعارضة وخارجها، ومن فئات الشعب كافة، في الداخل والخارج، مدعوّون جميعا بنداء الواجب الوطني المقدس للترفع عن الذات، وشحذ الهمم، ورص الصفوف، والتوحد تحت سقف الثورة. وذلك بغرض حمايتها وتفويت الفرصة على من يريد خطفها أو حرفها عن مسارها، أوهدم ما بنته بعرق ودموع ودماء أبنائها. فالثورة أمٌ للجميع. وهي اليوم بحاجةٍ إلى كل أبنائها، يقاتلون بيد ويبنون بالأخرى. كفى سوريا هدما ودماراً. لقد هدم النظام ودمر كل ما هو جميلٌ في حياة الشعب، إلاعزيمته وإصراره. حيث بات الجميع اليوم، وبفضل إستمرار الثورة، يقفون على أرض صلبة، والتي يمكن أن يُشيّدَ عليها بناء شامخ ورحب. يتسع لكل أبناء الوطن الواحد، والكل يمكن أن يجد فيه مكانا، حيث يكبرالجميع في الوطن، ويكبرالوطن بأبنائه. وعندها سيرد الشعب السوري’كيد المتجبرين إلى نحورهم’. و يقول لهم جميعا ما قاله يوما،هنري كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق: ‘لا يهمنا من يكتب التاريخ، طالما نحن من يصنع أحداثه’. بوركت ياشعب سوريا العظيم وأنت تصنع التاريخ، وتحاول أن تبني لسورية الأبية مستقبلها الواعد. وكل عام وأنت بألف خير.’ أستاذ جامعي سوري مقيم في الولايات المتحدة