التزامن بين الاحتفال بذكرى الانتفاضة الكردية السورية 12 آذار/ مارس 2004، وذكرى الثورة السورية الكبرى الثانية، أواسط آذار/مارس 2011، كان باستمرار مناسبة لتناول العلاقة التضايفية بين الحدثين اللذين يعتبران من أهم الأحداث الوطنية الناهضة في تاريخ سوريا الحديثة بعد الاستقلال.
الحدث الأول كان محلياً إذا صح التعبير. اقتصر على المناطق الكردية، وعلى أماكن سكن الكرد في المدن السورية الكبرى، خاصة دمشق وحلب. وترددت أصداؤه في العديد من العواصم والمدن الكبرى في العالم حيث يتواجد الكرد السوريون ممن اضطروا نتيجة الاضطهاد المركب (الوطني والقومي) وانسداد الآفاق، إلى الخروج من وطنهم، بحثاً عن مستقبل أفضل لأبنائهم، وعلى أمل العودة في يوم ما إلى سوريا الحرة المستقلة التي تضمن الحرية والكرامة لجميع مواطنيها، وتسري فيها عدالة القانون على جميع المواطنين من دون تمييز، وذلك بعد القطع مع نظام الاستبداد والفساد.
أما الحدث الثاني، فهو الأشمل، والأكثر تأثيراً على جميع المستويات، وسيظل تأثيره فاعلاً بصورة إيجابية على مدى عقود قادمة.
أنتفاضة قامشلو، كما يحب معشر الكرد أن يسموها بينت للرأي العام السوري والإقليمي والدولي حقيقة وأبعاد القضية الكردية في سوريا؛ كما كشفت زيف ادعاءات النظام التي كانت تنكر وجود قضية كهذه، وتعزف على الوتر القوموي البعثي المتشدد. وتستغل هذه القضية لإحداث فتنة عربية كردية كان المستفيد الأول منها، وما زال، هو النظام نفسه؛ وذلك وفق حساباته التسلطية في سياق استراتيجية فرّق تسد التي اعتمدها مع المكونات السورية منذ سيطرته على الحكم في سوريا.
أما الثورة السورية العظمى، فقد أحدثت تغييرات بنيوية في ذهنية السوريين، وفي منظومات تفكيرهم. وستكون لهذه التغييرات انعكاسات كبرى على أساليب وماهية التفكير والممارسة مستقبلاً. وما المناقشات التي تجري حالياً بين السوريين عبر سائر المنصات، وعلى مختلف المستويات، سوى بداية لتبلور فكر وطني سوري ناضج مستقبلاً، يؤسس لمشروع وطني سوري عام، يكون بكل السوريين ولكل السوريين من دون أي استثناء أو تمييز.
كما كشفت الثورة السورية المستمرة النقاب عن تهافت خرافات النظام في ميدان التبجح على مدى سنوات بالاستقرار الأمني القمعي، وهو «الاستقرار» الذي فرضه على السوريين بقوة الأجهزة المخابراتية، وذلك بعد أن تمكن من تحويل أحزاب «الجبهة الوطنية التقدمية» و»المنظمات الشعبية» إلى واجهة تزيينية لحكمه الدكتاتوري الفاسد المفسد.
فجاءت الثورة السورية لتثبت بالدليل القاطع بأن هذا الاستقرار كان مجرد وهم إعلامي خادع، يُساق لتضليل السوريين؛ فهو لم يكن يستند إلى أي استقرار اجتماعي اقتصادي، وإنما كان استقراراً شكلياً ظاهرياً سرعان ما تهاوى مع أول مظاهرة سلمية مدنية احتجاجية، سار فيها الشباب السوري من سائر المكونات المجتمعية.
وما أذكره في هذا المجال، هو أن حديثاً دار بيني وبين أحد المسؤولين العرب ممن كانوا يبدون تعاطفهم مع قضية الشعب السوري. ومن بين ما قلت له هو أن شعبنا كان يعاني الأمرّين نتيجة استبداد وفساد هذا النظام؛ بينما كما نستغرب إشادة العديد من القوى العربية التي كنا نتوقع منها التعاطف والتأييد والمساندة، بنهج «المقاومة والممانعة» الذي كان يتشدق به هذا النظام. وكان جواب المسؤول العربي هو: كنا نعلم ذلك، ولكن كنا نقول طالما أن السوريين صامتين، فعلينا بالصمت أيضاً. هذا مع علمه وعلمنا جميعاً أن هناك فرقاً شاسعاً لا يُقاس بين من يصمت بفعل القمع والرغبة في المحافظة على الحياة، وذاك الذي يصمت حفاظاً على المصالح الخاصة.
غير ان صمت السوريين لم يستمر، بل انفجر غضبهم المتراكم ثورة عارمة استمرت سلمية على نحو ما يزيد عن ستة أشهر من دون أن يلوح في الأفق أي أمل بأي دعم دولي. ثورة شملت معظم المدن والبلدات السورية، شارك فيها الشباب السوري في المقام الأول بمئات الألوف، إن لم نقل بالملايين، رغم القمع الوحشي الذي استخدمه النظام معهم منذ اليوم الأول، وإصرار هذا النظام على الدفع بالثورة نحو العسكرة، لسحبها إلى ميدانه المفضل، بهدف اتهامها بالإرهاب من جهة، وضربها من جهة أخرى بكل قوة آلته العسكرية التي كانت وما زالت تزود بالسلاح والذخيرة من جانب داعميه، خاصة الروس والإيرانيين. ولم يكتف النظام بذلك، بل استنجد بالميليشيات المذهبية، و»العلمانية» لتشاركه وتدعمه في قتل السوريين، وتهجيرهم، وتدمير بلادهم.
ومع تفاقم الأوضاع، وعجزه عن السيطرة، لاذ النظام صاغراً ذليلاً بالروس بعد أن كان قد فتح كل الأبواب والمواقع أمام الإيرانيين.
ولكن على الرغم من ذلك كله، لم يشهد السوريون احتجاجاً فعلياً، ومساندة مثمرة على المستوى الشعبي في أية دولة عربية بكل أسف، بل وجدوا الكثير من المواقف الرسمية سواء تلك المساندة للنظام، أو تلك البين البينية الرمادية التي كانت، وما زالت تصب في صالح النظام.
أما على المستوى الدولي، فلم يكن هناك أي تحرك جاد رغم ظهور المجموعة الضخمة من الدول التي أعلنت عن نفسها صديقة للشعب السوري؛ وعقدت مؤتمرات عدة للوقوف إلى جانبه. ولكنها لم تفعل شيئاً على الصعيد الواقعي العملي، وإنما تحججت بالفيتو الروسي في وقت كان في مقدورها أن تجد أكثر من طريقة لتجاوز هذا الفيتو، وذلك سواء عبر الجمعية العاملة للأمم المتحدة، أم من خلال محكمة الجنايات الدولية؛ أو حتى عبر التدخل بناء على وزنها، فقد كانت هذه المجموعة تضم أكثر من 100 دولة، بينها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. كل ما فعلته المجموعة المعنية هنا هو أنها اكتفت بإدارة الأزمة، ولم تقدم للسوريين من الإمكانيات العسكرية التي تمكّنهم من حسم الموضوع عسكرياً؛ كما لم تمارس الضغوط المطلوبة، التي كانت ممكنة، لتفرض حلاً سياسياً.
ولذر الرماد في الأعين من حين إلى آخر، كان يجري الحديث، وما زال، حول المساعدات الإنسانية التي كانت في معظم الأحيان مرتعاً للفاسدين الدوليين والإقليميين والمحليين. وما جاء في تصريح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأخير، بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة، حول ضرورة تقديم المساعدات الإنسانية للسوريين، يؤكد استمرارية هذا الأسلوب. فالرجل يوجه الأنظار نحو ميدان آخر هو مجرد نتيجة من نتائج بقاء بشار الأسد في الحكم، وهو المسؤول الأول عن كل ما حصل، ويحصل، للسوريين على مدى عشرة أعوام كانت مثخنة بالأهوال والآلام التي تتمرّد على أي وصف.
يتساءل السوريون: هل يعقل أن يتم الحديث عن تسويق بشار الأسد من جديد بعد أن تسبّب في تهجير أكثر من نصف الشعب، ودمر البلد، وهو المسؤول عن قتل نحو مليون سوري من هذه الجهة أو من تلك، لا يهم؛ فكلهم من أبناء سوريا سقطوا بفعل وحشية النظام وشراهته اللامعقولة للاستبداد والفساد؟
ولكن في عالمنا اللامعقول هذا بات من الاعتيادي أن يتوقع المرء كل شيء. ولعل الجهود الروسية المتواصلة من أجل «شرعنة» نظام بشار عبر انتخابات شكلية، تؤكد هذا الأمر. فمن الواضح أن الجولة الخليجية الأخيرة لوزير خارجية روسيا سيرغي لافروف تندرج ضمن هذه الجهود التي تحاول أن تستغل عدم وضوح الموقف الأمريكي الذي يبدو أنه يعطي الأولوية للملف النووي الإيراني، وهذا ما يفسح المجال أمام الروس لاختراق بعض الملفات الإقليمية، ومنها الملف الأفغاني مثلاً.
ولكن بغض النظر عن كل التصريحات والتحركات التي تجري هنا وهناك، فإنه حتى الآن لا يبدو في الأفق أي مؤشر يوحي بإمكانية الوصول إلى حل واقعي ممكن للموضوع السوري. فلا اللجنة الدستورية وصلت، أو ستصل، إلى شيء؛ ولا المجلس العسكري سيكون هو الحل الذي يسوقه بعضهم بحماس لافت؛ ولا المساعدات الإنسانية ستكون البلسم. لأنه طالما العلة موجودة، فلن تكون كل المعالجات العَرَضية مجدية. وحده التوافق السوري-السوري على العيش المشترك ضمن إطار سوريا الموحدة، وعلى أساس احترام الخصوصيات والحقوق، والمشاركة العادلة في الإدارة والموارد، هو الذي يطمئن السوريين، ويضمن مستقبلاً أفضل لأجيالهم المقبلة.
إلا أن هذا التوافق يستوجب الكثير من الجهد والصبر والتحمّل. كما يستوجب القطع مع الأوهام الأيديولوجية، والنزعات العصبوية، ويستلزم تأصيل مفهوم الأغلبية السياسية بين السوريين في إطار دولة مدنية تعددية ديمقراطية محايدة، تستمد مؤسساتها مشروعيتها من إرادة المواطنين الأحرار. دولة تجسد حصيلة التوافق على مشروع سياسي وطني بين القوى السياسية السورية من مختلف التوجهات، مع مراعاة الخصوصيات الدينية والمذهبية والقومية لجميع المكونات المجتمعية الوطنية، على أن تظل هذه الخصوصيات ضمن إطار التنوع الثقافي الذي لا بد أن تحترمه الدولة السورية التي ينبغي أن تكون على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، تخدمهم، وتحميهم، وتعمل على توفير المقوّمات الواقعية لتنمية مستدامة، تنمية تفتح الآفاق أمام الطاقات الشبابية الإبداعية، لتساهم في بناء وطنها، وتقدم مجتمعها، بما ويتناسب مع امكانيات سوريا وموقعها وأهميتها، وبما يضمن مستقبلاً واعداً لأجيالها المقبلة.
* كاتب وأكاديمي سوري