إن ما ينغص فرحتي بالثورة، على إيماني بان نجاحها متأكد، النخب التي اتخذت منذ تولي بورقيبة السلطة ألقاب اليسار والقوميين والليبراليين… والتي ما استقرت على موقف مع السلطة القائمة منذ 1956 فمرة تعادي ومرة تصادق ومرة تؤاخي حتى أني أذكر واقعتين عشتهما أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات تتمثل الأولى في التنسيق بين يساريين ودساترة في مناطق معينة أثناء الأزمات الاجتماعية والنقابية والسياسية وتتمثل الثانية في تعميم على البعثيين بان القيادة القومية تأمر بتعاون البعث في تونس مع محمد مزالي! مما أدى إلى تفجير التنظيم الذي تبين أن بعض أعضائه شرطة! إن سياسة التغازل بين النخب ‘المعارضة’ والسلطة عمقت الهوة بين الجماهير ونخبها وشجعت الاستبداد على مزيد التفنن في الإرهاب والفساد حتى كانت القطيعة التامة وكانت الثورة التي قام بها الشعب على النظام السياسي والدائرين في فلكه لكن سرعان ما لبس الدائرون في الفلك مسوح المعارضة الوطنية مطالبين بحقهم ‘في الغنيمة’ وأشعلوها حربا قذرة على النهضة اعتقد الجميع أنها ستنطفئ بعيد الانتخابات التي خرجوا منها حفاة عراة فرادى فإذا بهم لا يزدادون شراسة فقط بل فعلوا ما لم يرض فعله وطني على وجه البسيطة إنهم يعلنون التعبئة ‘الجهوية’ في صفوف أموات حزب الدستور وخرفيه وسفهائه وجلاديه وفساقه وحزب التجمع وعاهريه وأنذاله وسراقه ونهابيه: الحداثة في خطر وروح بورقيبة تستنجد أين المفر من إسلام ظن هو وخالعه أنه قبر.
إن التغازل والتباوس الدستوري التجمعي اليساري الوسطي الديمقراطي العلماني الحداثي لمسرحية منحطة مستوى التأليف ركيكة الإخراج سمجة التمثيل جمعت بين هياكل عظمية نخرة وخرفين فعل فيهم الزهايمر الأفاعيل ومجرمين في حق الشعب أخذت المحاكم تلاحقهم وأصحاب صفر فاصل في الانتخابات.. إن هؤلاء خلطة من الأزمنة والأمكنة والعقوق الحضاري والشعور الحاد بالنقص والحسد والعجائز (ألي هازها الواد وتقول العام طهمة).. لا أظن أن رجال الساحل الأحرار الوطنيين الثوريين سيولون هذه التعبئة أهمية لأنهم فوق الشبهات وفوق الانعزاليات وفوق الجهويات وفوق المصالح الضيقة والصغائر والنذالات.
د.
الضاوي خوالدية تونس [email protected]