جنديان بريطانيان عام 1947 في القدس
الناصرة- “القدس العربي”: تستذكر مؤسسة الدراسات الفلسطينية الثورة العربية الكبرى في فلسطين (1936-1939) التي نشبت في مثل هذه الأيام من العام 1936 وتتوقف في تقرير موجز غير متعمق بكل ملابساتها وتفاصيلها وتبعاتها المستقبلية، عند عواملها، مراحلها ونتائجها، مشددة على دور انحياز الاستعمار البريطاني واستنكاف النظام العربي عن دعمها في عدم تحقيق مراميها.
وتشير إلى أن سنة 1936 شهدت تفجر الاستياء الفلسطيني الواسع النطاق من الحكم البريطاني، تمردا علنيا وصل حد الثورة. ويمكن إرجاع أسبابها التمهيدية إلى الديناميات والأحداث التالية: أولا، كانت فترة الثلاثينات في فلسطين -كما في غيرها من البلدان- فترة اضطراب اقتصادي شديد، وفيها أصاب الفلسطينيين في الريف ضرر كبير نتيجة عمليات نزع ملكيتهم وتراكم الديون عليهم، جراء السياسات البريطانية في تشجيع الجهود الصهيونية لشراء الأراضي بالإكراه.
وملأت الهجرة من الريف إلى الحضر حيفا ويافا بالفلسطينيين الفقراء الباحثين عن عمل، فبرزت أشكال جديدة من التنظيمات السياسية التي ركزت على الشباب والدين والطبقة والأيديولوجية بدل البنى القديمة القائمة على النخبة. كما تشير إلى أنه في تلك الأثناء، أدى تزايد المعاداة للسامية في أوروبا، وخصوصا المدعومة من الدول، إلى زيادة هجرة اليهود إلى فلسطين، القانونية منها وغير القانونية.
لم يكن أمرا مفاجئا أن ينتج عن تلك التطورات والأحداث اضطرابات دورية، ابتداء بانتفاضة البراق في سنة 1929 إلى انتشار التظاهرات في العديد من مدن فلسطين ضد الانتداب البريطاني في سنة 1933
وتوضح أنه لم يكن أمرا مفاجئا والحالة هذه، أن ينتج عن تلك التطورات والأحداث اضطرابات دورية، ابتداء بانتفاضة البراق في سنة 1929 إلى انتشار التظاهرات في العديد من مدن فلسطين ضد الانتداب البريطاني في سنة 1933. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1935، تم اكتشاف كمية من الأسلحة شُحنت لحساب “الهاغاناه“ في ميناء يافا، ما أجج المخاوف الفلسطينية من إدخال الحركة الصهيونية موارد عسكرية لمشروع بناء دولتهم تحت أنظار البريطانيين.
في غضون ذلك، استشهد في تبادل لإطلاق النار مع القوات البريطانية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1935، الشيخ السوري الشعبي المجاهد عز الدين القسام، الذي كان يعظ العمال الآتين من الريف وقاطني الأحياء الفقيرة قرب أحواض السكك الحديدية في حيفا وبنى أوائل الثلاثينات شبكة خلايا شبه عسكرية، فاستقطبت جنازته في حيفا حشدا جماهيريا كبيرا.
وتنوه مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن الأحداث المذكورة مهدت الأرضية بشكل مباشر للانتفاضة الفلسطينية الجماهيرية في سنة 1936، التي عُرفت بـ”الثورة الفلسطينية الكبرى” واستمرت ثلاثة أعوام كاملة. وحسب مؤسسة الدراسات يمكن تقسيمها عموما إلى ثلاث مراحل: استمرت المرحلة الأولى من ربيع 1936 وحتى تموز/ يوليو 1937، وهي مرحلة اشتعال الثورة بعد تأجج التوترات في فلسطين وتراكمها منذ خريف 1935، ففي منتصف نيسان/ أبريل 1936، هاجم أتباع القسام قافلة من الشاحنات بين نابلس وطولكرم، فقُتل سائقان يهوديان، لتقوم منظمة “الإرغون“ في اليوم التالي بقتل عاملَين فلسطينيين بالقرب من مستوطنة بتاح تكفا، ليعقب ذلك في الأيام التالية اضطرابات دامية في تل أبيب ويافا. إثر ذلك، شُكلت في نابلس لجنة وطنية في 19 أبريل/ نيسان اتفق فيها على إعلان الإضراب، كما شُكلت لجان وطنية في مدن أخرى دعت بدورها إلى الإضراب. وفي 25 نيسان/أبريل 1936 تم تشكيل اللجنة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني لتنسيق ودعم إضراب وطني عام انطلق في 8 أيار/ مايو من نفس العام.
وتذكر أنه جرى الالتزام بالإضراب على نطاق واسع، الأمر الذي شل النشاط التجاري والاقتصادي في المجتمع الفلسطيني، وفي تلك الأثناء كان الفلسطينيون في أنحاء الريف كافة، يشكلون مجموعات مسلحة لمهاجمة أهداف بريطانية وصهيونية. وطبقا لمؤسسة الدراسات كان عملهم في البداية عفويا ومتقطعا، ثم انتظم بعد ذلك بشكل متزايد، فتم ضم بعض المتطوعين العرب من خارج فلسطين إلى العمل المسلح، ولكن بأعداد بقيت قليلة.
وتنوه لاستخدام البريطانيين أساليب وتكتيكات مختلفة لوقف الإضرابات وقمع العصيان المسلح في المناطق الريفية، وزادوا أعداد رجال الشرطة البريطانيين واليهود، وتعرض الفلسطينيون لتفتيش المنازل والمداهمات الليلية والضرب والسجن والتعذيب والترحيل، ووصل القمع البريطاني إلى حد هدم أحياء واسعة في مدينة يافا القديمة. وتزامنت العمليات العسكرية والتدابير القمعية البريطانية، مع إرسال الحكومة البريطانية لجنة تحقيق برئاسة اللورد بيل للتحقيق في الأسباب الجذرية للتمرد.
وفي 11 أكتوبر/ تشرين الأول 1936، وتحت وطأة ضغوط السياسات القمعية البريطانية، وضغوط بعض الملوك والأمراء العرب، والعواقب الاقتصادية للإضراب الممتد ستة أشهر على السكان الفلسطينيين، قامت اللجنة العربية العليا بوقف الإضراب ووافقت على التعاون مع لجنة بيل، فانخفضت مؤقتا التوترات أثناء قيام لجنة بيل بعملها، انتظارا لإصدارها نتائج تحقيقها، الذي صدر في تموز 1937 بنتائج مخيبة للفلسطينيين، حيث أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين دولتين، يهودية وعربية، فأعاد الشعب الفلسطيني أمام الرفض المتمادي لمطالبه، إطلاق التمرد المسلح مجددا وبشدة هذه المرة، فبدأت المرحلة الثانية من الثورة الفلسطينية.
وسجلت المرحلة الثانية من النضال الفلسطيني (من تموز 1937 حتى خريف 1938) مكاسب كبيرة، فوقعت مساحات شاسعة من الأراضي الجبلية تحت سيطرة الفلسطينيين، بما في ذلك البلدة القديمة في القدس لفترة من الزمن، فاستبدلوا فيها مؤسسات الانتداب البريطاني، مثل المحاكم وخدمة البريد وغيرها، بمؤسسات وطنية، فما كان من البريطانيين إلا أن اتخذوا تدابير أشد قسوة في محاولة لسحق الثورة، فأعلنت سلطة الانتداب لا شرعية اللجنة العربية العليا والأحزاب السياسية الفلسطينية كافة، وألقت القبض على القادة السياسيين والأهليين، ونفت عددا من الشخصيات العامة رفيعة المستوى.
كما لجأت إلى تصعيد الوسائل العسكرية لمكافحة التمرد، فنشرت الدبابات والطائرات والمدفعية الثقيلة في جميع أنحاء فلسطين، وطبقت العقاب الجماعي في حق الفلسطينيين، فزجت بآلاف منهم في “معسكرات الاعتقال”، كما تم تدمير أحياء سكنية وإغلاق مدارس وتغريم قرى بشكل جماعي، وإجبارها على إيواء الشرطة والقوات البريطانية.
أمام هول ما كان يحدث للشعب الفلسطيني، استفادت المؤسسات العسكرية الصهيونية من الوضع لبناء قدراتها بدعم بريطاني، وبحلول أوائل سنة 1939 حصل 14 ألف رجل من “شرطة المستعمرات اليهودية” على الدعم والزي الرسمي والسلاح من الحكومة البريطانية
وأمام هول ما كان يحدث للشعب الفلسطيني، استفادت المؤسسات العسكرية الصهيونية من الوضع لبناء قدراتها بدعم بريطاني، وبحلول أوائل سنة 1939 حصل 14 ألف رجل من “شرطة المستعمرات اليهودية” على الدعم والزي الرسمي والسلاح من الحكومة البريطانية، وكانت منظمة الهاغاناه الإرهابية الصهيونية تعمل خلف واجهتهم، إضافة إلى ما يسمى الوحدات الليلية الخاصة المشكلة من يهود وبريطانيين التي كانت تقوم بـ”عمليات خاصة” ضد القرى الفلسطينية.
أما المرحلة الثالثة من الثورة، فاستمرت تقريبا من خريف 1938 حتى صيف 1939. خلال هذه المرحلة، أوفد البريطانيون لجنة أخرى للتحقق بقيادة السير جون وودهيد، وذلك لدراسة الجوانب الفنية لتنفيذ التقسيم. في شهر تشرين الثاني 1938، خلص تقرير لجنة وودهيد إلى أن التقسيم ليس عمليا، ما جعل البريطانيين يتراجعون بعض الشيء عن توصية بيل، إلا أنهم أطلقوا في الوقت ذاته هجوما شاملا على الفلسطينيين، الذين شهدوا سنة 1939 قتل المزيد منهم وإعدام المزيد شنقا واعتقال ما يقارب ضعفي عدد معتقلي سنة 1938.
وتوضح مؤسسة الدراسات أن هذه الوحشية أنتجت ضغوطا هائلة على الثوار الفلسطينيين، ما أدى إلى تفاقم الخلافات بين قادة اللجنة العربية العليا السياسيين المنفيين إلى دمشق وبين القيادة المحلية، كما بين مجموعات الثوار وسكان القرى اللذين كان من المتوقع أن يدعموهم، ووقع الخلاف بشكل أساسي بين الفلسطينيين المستعدين للتوصل إلى تسوية مع البريطانيين وأولئك الملتزمين بالثورة، حيث تم تشكيل ما سمي “فرق السلام” الفلسطينية بدعم بريطاني لمحاربة أنصار الثورة.
وفي مايو/ أيار 1939، نشرت الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض الجديد الذي جاء فيه: الوفاء بالتزامات بريطانيا تجاه فكرة الوطن القومي اليهودي، واستمرار السماح بهجرة يهودية تقدر بـ75 ألف يهودي جديد إلى فلسطين خلال الأعوام الخمسة المقبلة، واستحواذ اليهود على الأراضي فيها (وهما بندان يتعارضان مع التزامات بريطانيا تجاه الفلسطينيين)، وبعد انقضاء السنوات الخمس تصبح الهجرة اليهودية خاضعة لـ”الموافقة العربية” ويسمح بنقل ملكية الأراضي في مناطق معينة فقط فيما تكون العملية مقيدة ومحظورة في مناطق أخرى، وذلك لمنع حرمان الفلسطينيين من الأراضي، ويتم إنشاء دولة موحدة مستقلة بعد عشر سنوات، مشروطة بعلاقات فلسطينية يهودية مواتية.
وفي أواخر صيف 1939، أوصلت الجهود البريطانية العسكرية والدبلوماسية المشتركة، الثورة إلى نهايتها، وخلال السنوات الثلاث للثورة قُتل حوالى 5 آلاف فلسطيني وجُرح ما يقارب 15 ألفا منهم، إضافة إلى نفي القيادات الفلسطينية واغتيالها وسجنها وتأليب بعضها ضد بعض.
وطبقا لمؤسسة الدراسات الفلسطينية فإنه مهما كانت التنازلات التي قدمها الكتاب الأبيض لمصلحة مطالب الثوار، ومهما كانت المكاسب التي حققها الفلسطينيون خلال الثورة، سرعان ما تجاوزت العمليات الجيوسياسية الكبرى للحرب العالمية الثانية جميع هذه المكاسب، في حين ترك الهجوم البريطاني- الصهيوني على الحياة السياسية والاجتماعية الفلسطينية خلال الثورة، إرثا ثقيلا وطويل الأمد.
ويعتقد مؤرخون فلسطينيون أمثال البروفيسور مصطفى كبها والدكتور عادل مناع أن فشل الثورة الفلسطينية الكبرى في تحقيق أهدافها قد مهد الطريق للنكبة حيث وصل الشعب الفلسطيني عام 1948 نازفا خائر القوى بسبب خسائره الباهظة في الثورة الكبرى التي تخللتها عدة نقاط ضعف مقابل نقاط القوة.