الثورة العربية.. بين شاهد آذان وسامع عيان

حجم الخط
0

باهي لخضر التبسيلا شك أن المتتبع لمسلسل الثورة العربية المعاصرة أصابه الملل والضجر إلى حد ما، ذلك أن المشاهد الأولى من مسرح الأحداث التي جابت تونس بمشاهدها الأولى في مدينة سيدي بوزيد أثارت إعجاب الحالمين بصور نادرة قل مثيلها في مسلسلات الأستوديوهات التي تزخر بها المناطق العربية، بدءا من شيخ الشرم ومن شرقها إلى غربها، إذ لم تسرع سيارة المطافئ لإخماد النار التي أكلت البوعزيزي ولا حقوق الاحتراق وصلت جيوب أهله وتذوق طعم لحمه المشوي على نار الظلم والاستبداد.

أما المشهد الثاني الذي أثار شاهد الآذان هذه المرة كان الشاب المصري الذي خلد سعادته كسامع عيان وذلك بعد مفارقته لعصابة جلدته ولم ينقل فريق سامع العيان حقيقة ما رآه، ولكن رائحة عطره انشطرت إلى بقية الشعب المتماثل لشخصيته ولم يلتحق به حتى الفريق الطبي لنصرته وإنقاذه من إغفاءته الأبدية كذلك… هنا شكلت الثورة طعم المشهد الواقعي فاشرأبت الأعناق مشدودة إلى بقية المشاهد المنتظرة وغير المتوقعة فالتزم المشاهدون وراء الشاشات بالملايين (تصديقا لمقولة ملك الملوك.. القذافي) اللقطات القادمة والكل يبحث عن سيناريو مثالي جذاب، ولم يفلح الجميع رغم بقائهم طوال الساعات والأيام يتوقعون اللقطات الموالية، فعملت الثورة على دحض أفكارهم ولجم أفواههم وربط أجسادهم ولم يحرك الكثير منهم أطرافهم، والأنفاس حبيسة صدورهم إلى أين يتجه المشهد يا ترى؟ فقد اتسعت رقعة المسرح وشاع الضباب وانتشر الخراب… انتقلت الثورة بغبارها وضجيجها وصراخها وعويلها إلى الساحة الليبية وبعد ذلك اليمنية وها هي تحط رحالها في الساحة السورية ولا ندري أين تتجه بعد حين… فقد ذاع صيتها وكسبت مناصرين جددا وطلاب ثورة مستدامة، فتوزع دمها ودموعها على الجميع وهتف الكبير والصغير بحياتها واستمرارها، فكتب الفنان على صدر الحيران شعارا يحمل حوار الطرشان فلا الأعين ولا الآذان تسمع أو تبصر ولا الأنوف ولا الأفواه تتذوق أو تشم واختلط الحابل بالنابل… والكل أخذ مكان الآخر.. بين مشكك ورافض ومستجد للاستعمار الأمثل والمتحضر الذي لا يفرق كعادته بين المعسكرين إلا في عدد القتلى، فالجرحى لا يدخلون في قائمة الانتظار… والجميع يطلب من سيده أخذه إلى منصة الحكم يزف الى المتفرجين أخبار القتلى وأعداد الجرحى… ويا لها من مفاجآت شريرة وخسيسة لكنها حلوة بطعم أموال الدماء التي يتقاضاها سماسرة المرتزقة الجدد.

فانتشرت الشخصية التي شكلت يأجوج ومأجوج الإعلام الهالك فأثارت حفيظة القائمين على إدارته لعدم قدرة توجيه الشعوب المنتفضة الوجهة النموذجية القديمة، وراح شاهد الآذان وسامع العيان رقما مهما في لعبة الأخبار الفردية والجماعية يمثل المصدر المسؤول والطرف المقبول لعرض بضاعته المجانية وغير المكلفة بصور متقطعة رديئة ولكنها مقبولة (والمطلوب من التكنولوجيا الرقمية تحسين أداء الأجهزة لتحسين الصورة بدقة أفضل والصوت بجهورية أفضل) لأن الطلب عليها متزايد… لتنقل مشاهد أكثر فظاعة ليتلذذ المشاهدون الأعزاء بحلاوة الدمار ورائحة الدخان فلا مجال للانتظار… تهدأ الأمور لساعات الصباح وأثناء الليل لتتجدد المسرحية الواقعية بعد المساء فلا ضير لأن غالبية شعوب المنطقة بطالون، والمهنة داخل الثورة متظاهرون والتخصصات في جميع الأدوار مطلوبة وهي موكولة إلى صاحب القرار الذي يرسمه مصدر الأخبار في لوحة الإشهار… تتكرر المشاهد ولا ندري إلى أين تتجه الأحداث، يغير المشاهد بوصلة القنوات لعله يجد مشهدا مثيرا يجعله يتوتر شيئا فشيئا ولكن من دون جدوى، فتآكل الشعوب العربية لا يهم القادة السياسيين والدول الكبرى التي ضمنت مصالحها من دون عناء يذكر، فقد توافقت على بقاء المعسكرين على خشبة المسرح واستجدائهم لطلب المساعدة وحقوق الفواتير الاقتصادية تتحملها الحكومات الأليفة طائعة لإعادة إعمار المنطقة بمشروع (عارشال) العربي الكبير الذي سيحطم رقم غينس للأرقام الفلكية بميزانيته الخرافية فالمال لديهم وفير…. والواقع الثوري يثبت أن الشيطان تخلى عن قيادة الثورة إلى وكلاء من الباطن لا يعرف أحد مكانهم، ربما يكون القائد خارج دول العالم العربي برمته، ويرسم خطته في العالم الافتراضي ويأمر زبانيته بتنفيذ خطته في الجغرافية العربية، لأنها أرض خصبة تصلح لأن تكون حقل تجارب مثالية لمعارك اقتصادية كبرى لأن الانهيار الاقتصادي العالمي يحتاج إلى وقود متدفق من أهل المنطقة لرفع مؤشراته في سوق السياسة القذرة… ألم يتفطن خبراء الثورة للمصيدة حتى لا يفسد عليهم أحدهم نكهة التظاهر أو بريق الإعلام، أو حلاوة الصراخ فعلى الثورة أن تضع أوزارها وترفع أثقالها لتحدد معالم مآلها، وإلا فسوف تكون لطمة في صفحة التاريخ العربي الحزين الذي شكلت أحداثه حسرة الماضي والحاضر… حتى لا نقول المستقبل… حينها تتحسر الثورة على أبنائها الذين فقدوا في مسرح الأحداث من دون تحقيق هدف منشود أو حلم مفقود.’ خبير علم الاجتماع ـ الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية