الثورة الفرنسية… حين اجتمع الشعر والقش والمقصلة!

مع مشارف الثورة الفرنسية عندما بدأت حرب الطحين واشتكى الشعب من نقص الخبز، قال أحد الارستقراطيين، إن الشعب يمكنه أكل القش، فقام الثوار بحشو فمه بالقش، قطعوا رأس ماري أنطوانيت بالمقصلة، ووضعوا رأسها بين ساقيها ودفنوها في مقبرة عادية. ما حدث هز العالم وقسمه بين ماضٍ وحاضر، غيّر مفاهيم وخلق مفاهيم ما زالت حتى اليوم شعلة تنير درب الثوار في العالم. إلى أي درجة هذا الكلام دقيق وكيف ولماذا؟ هذا ما يناقشه كتاب من 572 صفحة بعنوان «الثورة الفرنسية» مع عنوان فرعي «ما الشيء الذي سار بالاتجاه الخاطئ» للكاتب البريطاني ستيفن كلارك Stephen Clarke. حتى نفهم الثورة الفرنسية يجب أن نفهم طبيعة الحياة الفرنسية في تلك الفترة سلبياتها وإيجابياتها والعوامل التي أدت إلى هذا الانفجار العظيم.
اشار الكاتب إلى أن بعد قصر الملك في فرساي عن العاصمة باريس بمئتي كيلومتر، كان بداية المشكلة، فهو في هذه الحال وضع نفسه بمعزل عن شعبه، أيضاً الترف والبذخ وكذلك تملق الحاشية وسياسة عدم المساواة والنظام الضريبي المجحف، ما خلق مناخا من الطبقية تجلت بأبشع صورها، في الثلج كانت ماري أنطوانيت تمر بالعربة الثلجية وهي مكسوة بالفراء والمجوهرات، في حين كان الفلاحين حفاة، لا يملكون ثمن قوت يومهم.

فيرساي

الكوخ الذي كان يستريح فيه الملك لويس الثالث عشر أثناء رحلة الصيد، مجرد مكان كئيب محاطا بمياه راكدة آسنة، ومن دون إطلالة، فجأة تحول على يد ابن حفيده لويس الرابع عشر إلى قصر منيف من أشهر قصور أوروبا على مر العصور، ببساطة أعطى الملك المهندس المعماري تعليمات بسيطة «أريده كبيرا جدا جدا». يتألف القصر من 2300 غرفة 1500 مسكن حول القصر للعاملين، وزع على الارستقراطيين المقربين منه 500 قطعة أرض مجانا ولباقي الأرستقراطيين منحهم حق البناء مجانا، مع الإعفاء من الاستيلاء عليها في حال تراكمت الديون على أصحابها. حديقة قصر فرساي 830 هكتارا من المساحات الخضراء والورود والمياه الراقصة وبحيرة بطول كيلومتر ونصف الكيلومتر. برهنت هندسة مياه الحديقة على تفوقها التكنولوجي 2000 نافورة وصنبور وشلال تعمل بقوة الهيدروليك تعتمد على خزان مياه متصل بأقنية مخفية تحت الأرض، بعضها متصل بنهر السين على بعد عشر كيلومترات من القصر. أخبر الملك المصمم أن عمل المضخات «يجب ان يكون جيدا، حتى عندما أحضر لا أريدها ان تتعطل كل الوقت وتثير غضبي». طول شبكة الري 200 كيلومتر عندما يتم تشغيلها تتدفق المياه من كل النوافير، خصوصا تلك التي تطل على غرفة المرايا التي يجلس فيها الملك. عمل في تنسيق الحديقة 1000 عامل من ضمنهم جنود مهمتهم نقل 150000 نبتة وأطنان من التربة الخصبة.
كان الملك مولعا بالموسيقى والمسرح، لذلك كان من البديهي ان ترافق أوركسترا صغيرة نزهة الملك اليومية في الحديقة مع تدفق المياه أيضاً كثيرا ما استمتع بمسرحيات موليير في الحديقة. أيضاً الأسطول الملكي كان له حيز مهم في هذه النهضة المعمارية، حيث بنى القنال الكبير Grand Canal الذي ينافس مدينة البندقية بجماله، طوله 1650 مترا ترسي على ضفافه قوارب مفروشاتها من أجود الأنواع: المقاعد من حرير التفتا والستائر مطرزة بالذهب والفضة شيء يليق بالأسطول الملكي بكل المقاييس في ذاك الزمان وعبر كل العصور.
هذا القصر تحول في عهد ابن حفيد الملك، لويس الخامس عشر الى مزبلة، الحاشية تعيش في القصر ترمي القمامة من النوافذ، وأشهر نوافير فيها أصبحت مكانا لطاقم المطبخ، والبحيرة المزخرفة تحولت إلى حوض للغسيل واللصوص يسرقون مواسير الماء والمخربون يدمرون أهم تماثيل القصر!

ماري أنطوانيت ومصفف الشعر

اشتهرت ماري أنطوانيت بتسريحات شعرها التي أصبحت موضة يتبعها كل نساء عصرها، حتى إن مصفف شعر خاص بها يرافقها في كل رحلاتها، بما فيها رحلتها الأخيرة التي كانت برفقة الملك للهروب من فرنسا، هربت مع الملك ومعها مصفف الشعر، إذن إلى أي درجة كانت تسريحتها مهمة بالنسبة لها! كانت المرأة إذا أرادت الدخول الى العربة عليها أن تجلس القرفصاء حتى يدخل رأسها أولاً قبل جسدها إلى العربة، من كثرة ارتفاع التسريحة. حتى إن المعماريين كانوا يبنون سقف الصالونات عاليا حتى يتناسب مع ارتفاع تسريحة الشعر الملبد بالشمع والمثبتات. اشتهر أحد الضباط الفرنسيين بإغراقه سفينة حربية في عرض البحر، فدرجت موضة تسريحة البارجة وأخذت النساء تتسابقن على تسريحات مجسم السفينة فوق رؤوسهن!

التملق والبذخ

من أطرف القصص المذكورة في الكتاب في عهد لويس الرابع عشر «الملك الشمس» صاحب مقولة «أنا الدولة والدولة أنا»، في عهده قضى الأرستقراطيون نصف عمرهم في تفصيل الملابس لحضور حفلات قصر فرساي (فلم يجدوا وقتا للتحريض على ثورة) التي كانت تقام ثلاث مرات بالأسبوع تضم 15000 ضيف مع 7000 خادم يحرسهم 4000 ضابط مشاة و4000 فارس، عندما سأل الملك أحد المتملقين من حاشيته عن موعد ولادة زوجته، رد عليه «عندما يشاء الملك»، وعندما سألت الملكة أحدهم كم الساعة؟ رد عليها «كما تشائين».
كان الأرستقراطيون يتنافسون، بل يدفعون المال لحمل الكومودواي المرحاض الخاص بالملك لتنظيفه بعد أن يتغوط فيه! هذا الكلام زمن لويس الرابع عشر وليس زمن لويس السادس عشر الذي نشبت الثورة في عهده، بل على العكس عمل هو وماري أنطوانيت على السخرية من إتيكيت قصر فرساي، فالخادم الذي كانت مهمته إعطاء الملك قميصه ليرتديه زمن لويس الرابع عشر، أخذ لويس السادس عشر باللهو والركض حول سريره ممازحا كلما أراد الخادم تقديم قميصه له استخفافا بهذه التقاليد المملة.

الثورة

ظلمت الثورة ماري أنطوانيت، فلم تكن هي من قال إن على الشعب ان يأكل البسكويت، وظلمت الثورة لويس السادس عشر، لأنه حاول إصلاح النظام القائم وتخفيض امتيازات النبلاء والطبقة الأرستقراطية، والمفارقة المؤلمة أنه هو من صمم نموذج المقصلة باقتراحه جعل الشفرة مائلة لتسريع عملية الموت، فقد كان منذ صغره مولعا بهواية صنع الأقفال. لم تقبل الملكة، رغم أنها ليست فرنسية الهروب لوحدها بداية الثورة بقولها، إن قدرها الموت على قدمي زوجها ولم يقبل هو الهرب حتى لا يسمى بالملك الفارّ، لكن مضايقات الثوار لهما دفعتهما في نهاية المطاف للقيام بتلك المحاولة الفاشلة.
عرض الكاتب رأيه كما هو واضح من العنوان الفرعي للكتاب «كيف سارت الثورة بالاتجاه الخاطئ»، فحسب رأيه أن الثورة لم تحقق ما نادت به، مثلا مظاهر الملكية والبذخ ما زالت موجودة حتى اليوم في باريس، فقصر الإليزيه لا يقل ترفا عن قصر فرساي، والرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند كان يدفع راتبا سنويا لمصفف الشعر الخاص به 90000 سنويا مع ملاحظة أن شعره خفيف ولا يحتاج هذه التكلفة، شي من علامات الترف والكمالية، التي كانت وما زالت سمة من سمات طبقة الأثرياء في فرنسا. أيضاً التملق والمحسوبية لم تنته بانتهاء الثورة، وإن روبسبير صاحب شعار حرية أخوة مساواة هو نفسه له دور في إعدام  300000 بالمقصلة، وهو بدوره انتهى بالنهاية نفسها، ويقول الكاتب إن الأفكار فرقت بين أعلام الفكر الفرنسي، لكن المقبرة هي الوحيدة التي جمعتهم، طبعا هذا الكلام مبالغ فيه جدا. لكن العنف الشديد الذي رافق الثورة كان من الممكن تحاشيه، فمثلا سجن الباستيل الذي تم اقتحامه لم يكن فيه سوى سبعة سجناء، أربعة منهم بتهمة التزوير وثلاثة بتهمة السفاح، حتى إن مدير السجن رفض استهداف الشعب وسمح لهم بدخول السجن (الأنيق) لكن الثوار خلفوا وعدهم وقطعوا رأسه وجالوا به وهو معلق برأس حربة في شوارع باريس! ليس وحده، فبعد أن اقتحموا متحفا للآثار الحربية واستولوا على كل الأسلحة القديمة، وشاع قطع رؤوس الارستقراطيين وتعليقها، إما على أعمدة الإنارة في الطرقات، أو على رؤوس الحربات، ربما ساد العنف في صفحات تلك الثورة لكنها أهم ثورة فكرية قبل أن تكون سياسية على مستوى العالم فهي من أوجد كلمة المواطن والمواطنة وحرية الإنسان ولم يكن العنف للعنف بقدر ما هو شيء يشبه حفلة الموت، الذي أخذ معه، أو بالأحرى جرف معه كل ما هو زائل قربانا للمستقبل بكل ما فيه من حرية واخوة ومساواة على جسد الماضي.

عصر التنوير

مع ذلك تميز الكتاب بنقل الوقائع بأمانة ومصداقية تجذب القارئ وتدفعه لقراءة الكتاب أكثر من مرة لكثافة المعلومات وأهميتها، فالكتاب لم يتناول الحياة السياسية فقط، بل الفكرية أيضاً، فإلى جانب فشل الملك لويس الخامس عشر، بكثير من الحروب الخارجية ما سبب فقدان الكثير من مستعمرات فرنسا، وسوء سمعة البلاط الملكي من كثرة الفضائح والإشاعات المحيطة به، إلا أنه حقق انتصارات في مجالات أخرى، كانت تعتبر مرحلة التنوير والفكر الحر في فرنسا وظهور كتاب ومفكرين مهدوا لطريق الثورة قبل قيامها بأفكارهم المعادية للتعصب الديني والطبقية مثل جان جاك روسو وفولتير، ولا يقل أهمية عنهم دينيس ديديروت مؤلف أكبر موسوعة إنسكلوبيديا بتشجيع من الملك الذي اهتمّ بالعلماء والحرفيين، وفي عهده عرف التاريخ أول امرأة تدور حول العالم من فرنسا وأدخل 4000 نوع جديد من النباتات لقصر فرساي، وتم إطلاق أول منطاد حراري لغزو الفضاء واستجلاب البن والأناناس والكرز وتقديم أنواع جديدة من الأزهار المائية والاستوائية من افريقيا وآسيا الصغرى ورسم كاسيني وابنه أدق الخرائط حتى اليوم لفرنسا، استغرق رسم الخرائط ثلاثين عاما من السواحل حتى خطوط النقل الرئيسية، ثم ستين عاما لرسم التفاصيل، أما في عالم البحار والمحيطات فاعتمد الملك على الرحالة بوغينفيل، الذي كان بقامة الرحالة الإنكليزي جيمس كوك، الذي كتب مؤلفه القيم «رحلة حول العالم»، حيث أرسله الملك لويس الخامس عشر في رحلة لاستكشاف البحار والجزر بين أوروبا والأمريكتين وافريقيا، وجلب كل ما هو جديد وتدوين الأشياء الجديدة والمعلومات القيمة، وشهدت فرنسا تطوير صناعة المجوهرات والساعات التي جمعت الاتقان والجمال وإنجازات أخرى، لا تعد ولا تحصى بدعم وإشراف مباشر من الأسرة الحاكمة.

كاتبة سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية