أيا كان المسمى، أيا كان المكان والزمان، أيا كان المتسلط على رقاب العباد والبلاد، إذا اشتدت الظلمة وزاد البؤس والشقاء فإن الأرض سوف تهتز تحت أقدام الطغاة والجبابرة من بني جلدتنا أو من أجناس الاحتلال الأجنبي الدخيل، أحداث دامية، أعمال شغب، مظاهرات أو ثورة شعب أراد الحياة.
بأي عين يجب رؤية الأحداث الأخيرة في تونس ومصر، وقريبا إن شاء الله في دول كانت حتى الأمس القريب يعتقد متسلطوها أنهم في أمان وأن الروح الإنسانية قد ابتذلت، وأن الإنسان العربي لا كرامة له ولا حياة ولا أفق له غير الذي يراه علية القوم الذين لوثوا الحرث والنسل بفسادهم.
هل يجب رؤيتها بأعين الخاسر أم المنتصر؟ أظن أن الوقت لم يحن لهذه النظرة، ذلك أن التاريخ العربي الحديث علمنا عدم التسرع في إصدار الأحكام إيجابا أو سلبا.
أليس هؤلاء المستبدون الذين يطالب الشعب برحيلهم، هم أنفسهم من كان يهتف بحياتهم، كانوا منقذين ومخلصين للبلد في مراحل معينة من التاريخ، ثم انقلبوا على أعقابهم، ثم إن التاريخ العربي المعاصر علمنا كيف تصادر وتحاصر ثم تختزل الثورات الشعبية على أيدي طغم فاسدة وعميلة.
علمنا التاريخ العربي المعاصر كيف تحول السلطة في البلاد العربية الأبطال الوطنيين، الذين انبعثت بهم شعوبهم، حيث كانوا من القيادات التاريخية المناضلة في سبيل الحرية والحقوق، إلى عملاء للخارج يرعون مصالحه وينهبون خيرات الوطن بمجرد وصولهم إلى أعلى هرم السلطة.
علمنا التاريخ العربي المعاصر كيف يتم الالتفاف حول مصير الشعب من منتصر إلى خاسر يئن تحت أغلال محتل أو مستبد على شاكلة سابقه.
إن الوضع في مصر خطير وحساس، أظن أن المستقبل العربي والإسلامي هو بصدد التشكل، ونخبنا المثقفة ما زالت في عادتها الأبدية من المدح والثناء، سواء للمستبد بالأمس أو للطوفان الشعبي حاضرا. أظن أن النظام المصري المنتهية ولايته الذي كان يقدم في واجهته حسني مبارك، يناور الآن ليس حفاظا على الرئيس، لأن أمره قد حسم، والمؤِسسة العسكرية القلب النابض لنظمنا العربية حاليا تحاول ربح الوقت واختيار واجهة أخرى لتعيينها.
أظن أن النقطة الفاصلة تكمن فيمن سيتم تنصيبه رئيسا خلفا لمبارك، إذا نجحت المؤسسة العسكرية المصرية في تعيين شخص موال لها، فان النظام السابق سيكون المنتصر الوحيد، وبالتالي لن يتغير الوضع العام، بل على العكس ستسود مرحلة يأس وبؤس أشد على الأمة العربية جمعاء.
فستبقى إسرائيل سيدة الموقف في الشرق الأوسط، وستبقى مصر ذلك الحليف الذي يمتص موجات الغضب الموجهة أصلا إلى إسرائيل.
أما إذا انتصرت الثورة المصرية بقياداتها وشبابها وفرضت منطق الشعب المسحوق وعرفت أن الجيش لا يقدم هدايا، وأنه يجب العلم والعمل على أن لا يفرض الجيش منطقه الخاص بالتنازلات المتبادلة، كأن يقايض سقوط مبارك بالالتزامات الخارجية لمصر، خاصة اتجاه إسرائيل وأمريكا. وعليه فإن منطق الرابح والخاسر ليس ذا أولوية، ذلك أن الزمن والسلطة كفيلان بتغيير المنطق والحقيقة.
ثورة مصر هي ثورة لكل عربي بائس، إنها نقطة فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط، ثورة تحدد موعد نهوض ويقظة المارد العربي. ثورة نتيجتها واحدة من اثنتين لا غير، إما انتصار وإما انكسار.
محمد أبو أسماء