الثورة المصرية في فيلم وثاثقي!

حجم الخط
0

سليم عزوز

تحتاج الثورات العربية إلي حملة توثيق جادة، حتى لا يستغل الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا عدم التوثيق في ادعاء ادوار لم يقوموا بها.

أقول قولي هذا بعد مشاهدتي لفيلم وثائقي على احدى القنوات الفضائية تحدث فيه البعض عن ادوار لهم في الثورة بدت للوهلة الأولى أنها مفتعلة على نحو ذكرني بفيلم آخر لنفس المحطة عن المدونين، حيث نسب لهم بعض الفاعليات التي دعا إليها غيرهم وكان من بينها الدعوة للاعتصام بميدان التحرير قبل سنوات من الثورة، مع ان صاحب الدعوة هو الدكتور يحيى القزاز، والذي لم يكن له علاقة بالتدوين، واعتقد انه حينها لم يكن يعرف كيف يتعامل مع جهاز الكمبيوتر الا بتحريك ‘الماوس’، أو ‘الفارة’ نسبة للفئران.

قبيلة من الفئران تعبث في صدري، كناية عن حالة الريبة، في البواعث وراء صنع أدوار لأشخاص ربما شاهدوا الثورة المصرية ‘فيديو’، وقد شاهدت فنانة تشكيلية تتحدث في هذا الفيلم بأنها نزلت يوم 28 يناير، لترسم في الشوارع وفي ميدان التحرير، مع انه كان يوم كر وفر، ولم يتمكن الثوار من دخول ميدان التحرير إلا ليلاً بعد مواجهات دامية، وبعد أن أستيأس القوم وظنوا أنهم قد كذبوا، وكان الميدان معبأ بدخان القنابل، لم يكن بإمكان من فيه ان يلتقطوا أنفاسهم إلا بصعوبة، ولم يكن الجو عاطفياً لتمارس فنانة فيه الرسم!

زوجة لقيادي بجماعة الإخوان المسلمين، وتماشياً مع حالة المد الاخواني في المنطقة، ظهرت في الفيلم وقالت أنها أصرت على النزول مع زوجها، في يوم 25 يناير ‘يوم ثلاثاء الغضب’، وهو اليوم الأول للثورة، مع أن قرار الجماعة بالمشاركة كان في ليلة 28 يناير، وبعد أخذ ورد داخل مكتب الإرشاد، وقد صدر قرار الموافقة بنسبة ضئيلة، فلم يكن الرأي الرافض للمشاركة يستهان به.

منذ بداية الثورة، وهناك محاولات لصنع أصحاب لها، وتلفزيون الحكومة كان يعيد في أنها مظاهرات للشباب، ويطالب بعدم ‘ركوب’ كبار السن والسياسيين المحترفين لها، اذ كانوا يرون لغبش في الرؤية انه يمكن الضحك على هؤلاء الشباب إذا ما تم جذبهم بعيداً عن السياسيين المخضرمين.

أهل الحكم عندما فشلوا في العثور على أصحاب للثورة، كانت عملية النفخ في أحد الأشخاص، ليمكنهم من خلاله السيطرة عليها، وفي ليلة التنحي وعندما انتظرنا ان يقول مبارك انه سيغادر على النحو الذي بشرنا به احد قيادات الجيش، اذا به يقول انه فوض نائبه في صلاحياته، عندها ذهب الفتى الي الميدان وانتصب خطيباً وقال ان الثورة قد نجحت، وان على الثوار ان يكتفوا بهذا القدر، فقوطع وطرد، بعد ان كان القوم ومن خلال لقاء تلفزيوني مرتب قد نجحوا في إدخال الغش والتدليس على الرأي العام، وتصويره على انه من فجر الثورة.

ولأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت منحازة لحسني مبارك، ونجاح الثورة كان مفاجأة لها فكان لابد من تبحث لها عن دور فيها لتقيم جسور المودة مع مصر بعد الثورة، فكان ان التقطت بعض من لهم علاقة بسفارتها في القاهرة ونفخت فيهم من روحها، لتؤكد أنها كانت تقف وراءها بالمال، مع ان هيلاري بنت أبيها وفي اليوم الأول، أطلت علينا في نهاية اليوم بإعلان انحيازها للنظام وقالت إن الحكومة في مصر مستقرة.

الجزيرة في هذا اليوم لم تهتم بالثورة المصرية، مع أنها كانت تهتم في كثير من الأحيان بمظاهرات يشارك فيها عشرة أفراد لهم علاقة بمن في مكتب القاهرة، وكانوا يغادرون موقع المظاهرة بمجرد ان تلتقط الجزيرة صورة لهم، لكنها في هذا اليوم كانت مشغولة بخناقة بين الطوائف في لبنان.

الفدائيونما علينا، فتبدو المشكلة عندي أنني لم أكن منذ البداية موقناً ان الثورة ستنجح، وكم طافت بي بحور شك في نجاحها، ومبارك يبدو انه لا يريد أن يترك موقعه البتة، على نحو خشينا فيه من ان يستبد اليأس بالناس فيتركوا مواقعهم، امام أي تنازل صوري يقدمه، ولهذا فربما لم اهتم بمن كان ينبغي الاهتمام بهم وبأدوارهم من اجل التوثيق.

كنت في شارع صبري أبو علم، في يوم 28 يناير وقد فشلنا تماماً في دخول ميدان التحرير، وكانت هناك محاولات أخرى من شارع القصر العيني، ومن شارع رمسيس، ومن كوبري قصر النيل، تقوم بها حشود جبارة من البشر، وعلى الكوبري وعندما اصطف المتظاهرون للصلاة تم الاعتداء عليهم برش المياه وبالقنابل، ولعل هذا مما ساهم في انهيار الروح المعنوية لجنود الأمن المركزي.

ففلسفة التجنيد في هذا القطاع تقوم على الاستعانة بالأميين، الذين يسهل التأثير فيهم من قياداتهم، ويتم حشدهم من الأرياف، فإذا صدرت لهم الأوامر بالضرب فعلوا بدون تمييز، لكن على غشمهم هذا فان يقينهم قد تزعزع في صحة موقفهم وهم يرون عملية الاعتداء على المصلين، والطيبون من المصريين لا يتذكرون للاستعمار الفرنسي إلا لقطة واحدة وهي دخول نابليون بونابرت وجنوده الأزهر الشريف بالخيل، فكان هذا دالاً على عدائهم للدين، وان قدومهم هو جزء من الحملة الصليبية على الإسلام.

عملية الاعتداء على المصلين لم أشاهدها إلا في لقطات على ‘ اليوتيوب’ بعد الثورة، مما يؤكد انه لم تكن هناك كاميرات لفضائيات، ولو بثت هذه الصورة عبر الفضائيات في أيام الثورة لأججت مشاعر كثيرين ضد النظام، ممن لم يكونوا من المؤيدين لها.

في شارع صبري أبو علم كنت ضمن الآلاف الذين خارت قواهم بعد ثلاث ساعات من الكر والفر، فجلست على الرصيف ألتقط أنفاسي، وشاهدت شاباً وقد دفع أمامه بقوة، عربة من عربات القمامة، وساعده أحد الشباب، بينما قام ثالث بدفع عربة أخرى، كانوا لسرعتهم في وضع لا يسمح لهم بالتوقف، فلو فعل احدهم لأطاحت به العربة للخلف، كنت أتابعهم بعدم اكتراث تقريباً، لكنهم عندما وصلوا إلى الحشود الأمنية بميدان طلعت حرب، إذا بها تترك مواقعها وتهرب، ودخلنا بفضلهم هذا الميدان القريب من ميدان التحرير.

من هم هؤلاء الشبان الفدائيون؟.. لا أعرف، كنت حينها قد نسيت مهنتي، وكتبت في صباح يوم 26 يناير إذا تم القاء القبض علي ووجهوا لي تهمة العمل على قلب نظام الحكم، فسوف اعترف، غاية ما في الأمر أنني سأعدل في الاتهام، فانا اعمل على عدل النظام لأنه مقلوب، ولن أقول أبداً أنني بين المتظاهرين بحكم عملي كصحافي.

من هم؟

وددت لو ان عدسة مصور أو فضائية التقطت صوراً للثلاثة، ولغيرهم الذين لولاهم لما تحقق نصر الله والفتح.. وددت ان تلتقط صور لأبطال موقعة الجمل، ولمن كانوا كانوا في مقدمة الصفوف يوم التقى الجمعان، وقد اتخذت مكاني في الوسط بين المقدمة والمؤخرة، فقد كان الضرب يتم من الأمام ومن الخلف، وفي شارع التحرير كان الضرب من كل مكان إذ كانت قوات الأمن قد أعدت عدتها بالوقوف اعلى البنايات وقذف المتظاهرين بالقنابل من فوقها: ‘إذ جاءوكم من فوقكم.. ومن أسفل منكم.. وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر’. لكن يظل من كانوا في المقدمة هم الأشجع والأنبل، وعندما ألقت الحرب أوزارها وددت لو تم اعداد فيلم من ارض المعركة لنقف على الأبطال الحقيقيين للثورة.. وعندما تعرض أفلام في الفضائيات ترصد المواجهة انظر في وجوه هؤلاء لعلي أتعرف على أي منهم، فيرتد البصر الي خاسئاً وهو حسير، فلا اعرف أحداً منهم، لكن ما اعرفه جيداً أنهم ليسوا هم من يتحدثون باسم الثورة في الفضائيات على أنهم صانعوها، ولا الذين تحتفي بهم منظمات غربية وتمنحهم الجوائز لدورهم في الثورة المصرية.

جلست أشاهد الفيلم الوثائقي، ولم أشاهد أيا من هؤلاء الذين تقدموا الصفوف والذين ابلوا بلاء حسناً، فتذكرت المقولة الحكمة: ‘الثورات يصنعها الشرفاء.. ويجني ثمارها الانتهازيون’. إن التوثيق الحقيقي للثورات العربية يحتاج إلي جهد ورأس مال ضخم وليس بالارتكان إلى اعمال ‘سلق البيض’ وشغل الفهلوة.

في البر الغربيأشاهد على قناة ‘النهار دراما’ هذه الأيام مسلسل ‘وادي الملوك’، الذي لم أشاهده في عرضه الأول، وهو ان كان ينتمي إلى طائفة أعمال الندب والحزن الأسود، الا انني استمتع بمشاهدته كثيراً، وهو من الأعمال القليلة التي يتم فيها اتقان لهجة اهل الصعيد.. صحيح ان الصعيد لا يعرف لهجة واحدة، لكن هناك مفردات مشتركة، وفي هذا العمل يتم استدعاء مفردات بعينها تنقل المشاهد الى قلب الصعيد، لتجعله يقف على انه يشاهد عملاً من لحم ودم، وليس تمثيلاً، وهذا من الطبيعي فكاتب الحوار هو عبد الرحمن الابنودي.

كنت أقول دائماً ان سمية الخشاب مغنية متواضعة دخلت مجال التمثيل بدون موهبة حقيقية، فلا طالت بلح اليمن ولا عنب الشام، وكونها شاركت في الكثير من الأعمال فهذا يأتي على قاعدة الاستملاح، والجمال يكسب في النهاية، لكنها في هذا العمل نجحت في ان تؤكد قدرتها على العمل كممثلة، لولا حرصها على ان تظهر بمكياج كامل حتى في لقطات الحزن، وهو نتاج لظاهرة فقد المخرجون سيطرتهم على الممثلين النجوم، ونحن نشاهد فيفي عبده مثلاً في أعمالها في نفس الحالة، فتكون مشغولة على الدوام باستعراض جمالها وكأنها البطلة والمخرجة وكاتبة العمل على الرغم من أنها لا تجيد القراءة والكتابة.’وادي الملوك’ عمل مأخوذ من رائعة محمد المنسي قنديل ‘يوم غائم في البر البحري’، وقد تفوق فيه المرموق نبيل الحلفاوي على نفسه، وهذا لا يمنع من وجود بعض السقطات ففي اللهجة الصعيدية ينطق محمد، ‘إمحمد’، وفي مرتين حتي الآن نطقت سمية الخشاب الاسم بدون الألف المكسورة، ومن الواضح ان مخرج العمل لم ينتبه الى ذلك.. ولا بأس ففي احد الأعمال الدينية ظهر أبو جهل على ما أتذكر وفي يده ساعة ‘ اورينت’. صحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية