د. يحيى مصطفى كامل ليس لدي أدنى شك في كون الثورة المصرية تمر بأخطر مرحلةٍ في مسارها، مرحلة جديدة كل الجدة خاصةً على الغالبية العظمى من الأجيال التي نمت وتشكل وعيها في ظل مبارك الكئيب، إذ بعد عقودٍ طويلة من الترهل والموات حلت مرحلة من الأحداث المتسارعة ترهق الجميع في محاولة اللحاق بها.. ولما كان المجتمع الجديد (كما هو معروف) يحمل آثار القديم بقبحه وتشوهاته على جسده الطري فإن ذلك يفسر تجاور مؤسسات وانحيازات النظام القديم الذي أكدنا أكثر من مرة أنه مازال يحكم مع النضال المستميت والتضحيات البطولية لخلق وفرض واقعٍ اجتماعيٍٍ جديد.. لقد تكسر الجمود وتهشم تماماً ثم ذاب على لهيب الثورة ليخلف مكانه حالةً من السيولة لا تخطؤها عين المراقب مهما بلغ حظه من الوعي والثقافة السياسية.. حالة من الترقب والتوجس وانعدام الثقة المتبادلة بين شتى الأطراف الهادفة إلى صيانة مصالحها وتمرير مشروعها الخاص على خلفيةٍ من الملل ونفاد الصبر المتفشيين بين قطاعاتٍ عريضة من الشعب بدرجاتٍ متفاوتة في فترةٍ نؤكد على كونها مفتوحة على كل الاحتمالات.
هي مرحلة الألعاب والمناورات السياسية إذن حيث تحاول كل قوة من القوى السياسية السيطرة على الواقع ولجمه عن طريق إقناع الجمهور بأنها تملك مفتاحاً لكل مشكلة وأنها الأقرب للشارع ونبضه و الأكثر فهماً للواقع والأقدر على السيطرة عليه، وإني أقصد من هذا المقال إلى أمرين: أولاً تحديد ما أراها اطرافاً رئيسية وتوضيح تفاعلاتها الأساسية وثانياً التأكيد على مدى خطورة هذه المرحلة. في اعتقادي الشخـــصي أن المشــهد السياسي في مصر يمكن تلخيصه في ثلاثٍ قوى أساسية هي: المجلــــس العسكري الحاكم والقــــوى الإسلامية بغــــض النـــظر عن اخــــتلافاتها وما ينجــــم عنـــها من توترات والقــــوى المدنية /العلمانية/ اليسارية الخ وهي كثيرة متنوعة يجمعـــها الاختلاف والتمـــايز الذي يصــــل حــــد الرفض والكراهية أحياناً للقــــوتين الأوليين.. الكل يتنافس على اكتساب الشارع واستمالة جمهوره إلى صفه.
وللتسهيل والتوضيح دعونا نتفق على أمرين غاية في الأهمية: أولاً أنه باستثناء شكلياتٍ تافهة لا تطال الجوهر أو حتى تقترب منه فلا يوجد خلاف حقيقي حول الرؤى الاقتصادية والانحيازات الاجتماعية بين القوى الإسلامية والمجلس العسكري وثانياً أنهما لا يرغبان في تغيير حقيقي للمجتمع بل يريدان عودة الأمور إلى ما كانت عليه ولا يعدو الخلاف بينهما سوى الفصال على اقتسام الكعكة، ولذا فلعلي لا أبالغ إذ أزعم أن الكثيرين يشاركونني الرأي في أنه على الرغم من الأعداد الضخمة نسبياً للقوى الإسلامية وانضباطهم وحسن تنظيم بعض فصائلهم وإذا نحينا جانباً صوت القوى المدنية العالي وحماس الائتلافات الشبابية الصادق وتفانيهم في إنجاح الثورة للوصول إلى أهدافها فإن اللاعب الرئيسي وضابط الخطوة والإيقاع من بين هذه الأطراف هو المجلس العسكري الحاكم تدعم موقفه جملة من العوامل ليس له الفضل في أيٍ منها… فهو بطبيعة تكوينه على قدرٍ كبيرٍ من التنظيم ويمتلك من القوة أضعاف ما تمتلكه القوى الأخرى، فضلاً عن حيازته لرصيدٍ شعبيٍ ما (مع إقرارنا بتآكله..) لدى بعض الفئات ممن التبست عليها دوافعه اثناء الثورة وممن يكنون للمؤسسة العسكرية قدراً من الاحترام والإعزاز انطلاقاً من دورها في ثورة يوليو وحرب أكتوبر إلخ.. فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما آل إليه من أدوات عنف الدولة الأخرى وأجهزة جمع المعلومات والاستخبار بصفته وريثاً شرعياً لمبارك ورهطه وأن منظومة الإعلام تروج له سواء منها الرسمي ومدعي الحيادية وكتبة منافقون تأكدت صدارته النسبية على أرضية واقعٍ فائرٍ وغير مستقر.. يجوز أن يديه مغلولتان إلى حدٍ كبير فيما يتعلق باستخدام العنف بسبب الوضع الثوري وعيون العالم المسلطة عليه (ومن يدري فقد لا يخلو الأمر من تبرم وتمرد بعض ضباط الجيش على القمع؟) إلا أنه في مقابل ذلك يسلك منهجاً خطيراً في حصار الدفع الثوري وقوى التغيير يعيد إلى الأذهان خطوات الضباط في أول عهدهم بالسلطة إثر 23 يوليو 1952، وهي سياسة تعتمد على ثلاثة محاور أو استراتيجيات أساسية أزعم أننا رأيناها كلها ومضى فيها المجلس، للأسف، شوطاً بعيداً.
أول هذه المحاور هو البحث عن حليفٍ منظمٍ غفير الجموع يقصم ظهر الشارع ويتمكن العسكر بمساعدته من الالتفاف حول قوى التغيير، وقد وجدوه بسهولة في الإسلاميين كما أسلفنا وفق تحالفٍ صار سراً معلناً.. نسخة قبيحة ومتأخرة مما حدث من قبل لكن يبدو أن القوى الإسلامية قد أدمنت الرهان على العسكر، أما ثاني المحاور فهو البحث عن صيغةٍ قانونية ما تضفي شرعيةً على ما يريده العسكر وما يمثلون من مصالح اقتصادية، وهم في ذلك صابرون على الجدل واللجان الاستشارية طالما سيصلون إلى هذه الصيغة في النهاية، وما أكثر كتبة القوانين المستعدين لخدمتهم بإشارة! ثالث المحاور وأخطرها هو حملة ممنهجة ومنحطة من التزييف والكذب والتشويه تستهدف الثوار الحقيقيين وتتخطى العنف والاعتقال والاغتيال الجسدي إلى الاغتيال المعنوي بهدف تنفير الجمهور وتفريقه عنهم بل واستعدائهم عليهم، وقد رأينا ذلك بأجلى ما يكون عقب الجرائم التي ارتكبت أمام مبنى مجلس الوزراء. وأخيراً قبالة هذه القوى تربض الكتلة الأعظم من جماهير الشعب التي تحركت إبان ثورة 25 يناير فأكسبت الثورة وقودها وأحدثت قفزةً عدديةً جبارة ترجمت نفسها في تغيرٍ نوعي وثب بالحراك من خانة الاعتصام إلى فضاء الثورة الشعبية العاصفة؛ ومع تأكيدي قبل غيري بأن تغيراً عميقاً قد استقر في نفس وكيان هذه الكتلة وأن نمط الجمود الذي وسمها طيلة العقود السابقة قد انكسر إلا أنني أيضاً أرى جموعاً كثيرة منها قد انسحبت تراقب الأحداث في حيرةٍ أحياناً وفي تململٍ ونفاد صبرٍ أحياناً أكثر يضاعف من أثرها صعوبة المعيشة وشبح الانهيار الاقتصادي والفلتان الأمني، وهي كما بتنا نعلم جميعاً عناصر وبهارات أسطورة الخراب والدمار التي اختلقها النظام ويستثمر فيها ويعممها عبر أبواقه الإعلامية على الملأ ممن يستعجلون الخلاص الثوري من واقعٍ رديئٍ مزري ولا يتفهمون أو يقبلون أن ينقلبوا أسوأ حالاً.. إن كل أطراف اللعبة السياسية تحاول في هذه الفترة استمالة هذه الكتلة الشعبية إلى صفها بشتى الوسائل، فهي للأسف مستعدة لأن تمنح تأييدها لأي طرفٍ يحسم الصراع لصالحه واضعاً حداً لحالة السيولة تلك ومن ثم تقنع نفسها بعد ذلك بأنه كان الأصلح. أما ما أود التأكيد عليه فهو أن هذه الشهور التي قد تمتد إلى عامٍ أو اثنين هي شهورٌ حاسمة من عمر الثورة، والأهم من ذلك أن كل الاحتمالات والنهايات واردة بعدها ومترتبةٌ عليها.. مخطئٌ خطأً فادحاً ذلك الذي يتصور أن النتيجة قد حسمت وأن شكل المجتمع المقبل قد تحدد بعد يميناً أو يساراً. ليس من ثورةٍ لم تعرف فترة السيولة هذه الحبلى بكل الاحتمالات حيث تتجاور سمات القديم والجديد؛ عرفتها الثورة الروسية وثورة 23 يوليو والثـــــورة الإيرانــية ويتعين علينا ألا ننخدع بزخم الشارع وحالة الفوران الثوري هذه.. كل المفاجآت واردة الحدوث الآن ومن يرتكب أقل عدد من الأخطاء سوف يستمر ويفرض تصوراته على الواقع، أما التاريخ، ذلك المتهكم الأبدي، فلن يسامح الأغبياء!’ كاتب من مصر