مسألة الحرية لا تتجزأ. والانتصار للحرية والكرامة في مكان يتطلب من حيث المبدأ أن تنتصر لها في كل مكان. فعندما نقف ضد الطغاة في تونس ومصر واليمن وليبيا لا نستطيع أن نختفي ونتهرب من الوقوف ضد الطغاة الآخرين، من مشارق البلاد إلى مغاربها، انطلاقا من سورية وليس انتهاء بالبحرين أو السودان. والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه صاحب القلم الحر: هل أنا مع الشعب في مطالبه المحقة أم مع أنظمة الفساد والقهر والمحسوبية وأجهزة الأمن وتحويل البلاد إلى مزرعة شخصية يملكها حصريا الرئيس أو الأمير أو السلطان وحواشيه وحريمه ومخبروه ومتزلفوه؟ والسؤال مبدئي ليس له علاقة بالمعارضة وألوانها وهوياتها وأجنداتها.
من هذا المنطق وقفنا وما زلنا مع ثورة اللؤلؤة التي نعتبرها ثورة حضارية بكل المقاييس: فهي ثورة حافظت على سلميتها، وظلت إلى حد بعيد ثورة مطلبية، وجمعت، خاصة في البداية، كافة أطياف المجتمع البحريني، قبل أن تصدر الفتاوى بأنها ثورة طائفية لتسهيل قمعها من قوات درع الخليج. لقد جاءت الاحتجاجات العارمة أثناء مسابقة ‘الفورمولا 1’ لسباق السيارات لتذكر العالم بأن الشعب البحريني، رغم التعتيم الإعلامي المقصود، لم يتنازل عن مطالبه في الحرية والكرامة والمساواة والعدالة والفرص المتكافئة والانتقال السلمي نحو الديمقراطية، وأن سياسة حرف الأنظار عمـّا يجري في الداخل لن يزيد الشعب وقواه الحية إلا تصميما وتحديا.
الثورة المطلبية في البحرين، كان يمكن للبحرين أن تكون نموذجا فريدا من الحرية والعدالة والسلم الداخلي والرخاء الاقتصادي لو انحنى النظام العائلي، حقيقة لا تكتيكا، قليلا للثورة المطلبية التي كانت ترفع شعار: الشعب يريد إصلاح النظام. ودعني ألخص بشكل مقتضب مسيرة الحركة الجماهيرية التي تعود إلى منتصف السبعينات والتي أخذت طابع الثورة السلمية بعد 14 شباط /فبراير2011 تأثرا بسقوط طاغيتي تونس ومصر.
البحرين أصغر الدول العربية مساحة ومكونة أصلا من 33 جزيرة، خمس منها مأهولة، والباقي ملك حصري لعائلة خليفة. كانت تعمل أساسا في صيد اللؤلؤ قبل اكتشاف النفط عام 1932، حيث وصل معدل التصدير اليومي إلى 200.000 برميل يوميا. ورغم قلة عدد سكان البحرين وضخامة عوائد النفط إلا أن البلاد تعاني من أزمة سكانية خانقة وارتفاع معدلات الفقر وحركة تجنيس متسارعة ومشبوهة. وقد سبق وشهدت البحرين انتفاضات متتالية في الأعوام 1956 و1965 و1994 و1996، وكان الحل الأمني دائما هو الجواب. وكانت المطالب تتركز في توسيع المشاركة الشعبية وإجراء انتخابات لمجلس وطني ذي صلاحيات تشريعية ورقابية. وعندما حصل التغيير عام 1999 بعد وفاة الشيخ عيسى وتولي ابنه الشيخ حمد انفتحت الآمال في التغيير الديمقراطي، بعد إطلاق الأمير الجديد ‘وثيقة العمل الوطني’، ثم ما لبث أن أفرج عن المعتقلين السياسيين وسمح بعودة المعارضة الخارجية للعمل من الداخل، وأطلق حريات الرأي والصحافة، وبدأ الناس يستعدون لانتخابات حرة ونزيهة. التقت المعارضة بالأمير (قبل أن يصبح ملكا) بتاريخ 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2001، حيث أكد لهم أن ‘الدستور باق وسيكون المرجعية وأن المجلس النيابي المنتخب يملك صلاحيات تشريعية ورقابية، بينما تنحصر صلاحيات المجلس المعين في الاستشارة فقط’. في ظل هذه الأجواء الاحتفالية اختارت المعارضة أن تصوت لصالح ‘ميثاق العمل الوطني’ الذي فاز بنسبة 98.4′ ، غير أن تلك الوعود وذلك الاستفتاء لم يصمدا لسنة واحدة، حيث أعلن النظام عن ‘دستور المنحة’ يوم 14 شباط/فبراير 2002 وتحولت البحرين من إمارة إلى مملكة وأصبح الأمير ملكا وأعطيت صلاحيات واسعة للمجلس المعين وتعطل التحول الديمقراطي.
شهدت العلاقات بين المعارضة والسلطة مدا وجزرا للعشر السنوات اللاحقة. قاطعت المعارضة انتخابات 2002 ثم شاركت في انتخابات 2006، ولكن بقيت المطالب هي هي تتمحور حول المشاركة الشعبية واحترام حقوق الإنسان وإعطاء صلاحيات واسعة للبرلمان المنتخب وتكافؤ الفرص وغير ذلك.
ثورة 14 فبراير 2011: كان الشباب البحريني يراقب ما يجري في تونس ومصر ويستعد عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي لإحياء ذكرى اعتماد ميثاق العمل الوطني الذي يصادف يوم 14 فبراير. لكن بعد سقوط مبارك يوم 11 فبراير، تشجع عشرات الألوف بالانضمام للمظاهرة التي اتجهت نحو دوار اللؤلؤة في وسط المنامة تهتف ‘سلمية، سلمية’ وترفع شعارات تدور أساسا حول المطالب القديمة الجديدة: إلغاء دستور المنحة لعام 2002، حل المجلسين، النواب والشوري وتأسيس مجلس صغير ومؤقت مكون من كل أطياف المجتمع وكوادره وقياداته لصياغة دستور جديد، إطلاق كل السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي والتحقيق في قضايا التعذيب ومحاسبة المسؤولين.
بدأت المظاهرات مساء 13 فبراير وبدأت قوات النظام تطلق النار الحية على المتظاهرين، حيث سقط علي مشيمع (21 سنة) في المساء وفاضل المتروك (32) في اليوم التالي أثناء تشييع مشيمع. حاول الملك استدراك الموقف، فظهر على الشاشة وقدم اعتذاره ووعد بلجنة تحقيق في الحادث. غير أن العواطف ظلت مشحونة وسمع من بدأ يهتف ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ فقامت قوات الأمن يوم 17 فبراير بالهجوم الكاسح على دوار اللؤلؤة، مما سبب المزيد من القتلى. لكن المظاهرات بقيت محافظة على سلميتها رغم الكثير من التجاوزات التي قد تكون مرتبة، بل ومشبوهة كرفع أعلام حزب الله ورفع علم القاعدة يوم 3 آذار/مارس، ثم إطلقت أيادي الأمن للاعتداء على المساكن والمحلات التجارية بهدف إشاعة جو من الفوضى والخوف وتبرير استخدام اليد الغليظة التي تجسدت بدخول قوات درع الجزيرة من السعودية يوم 15 مارس 2011 وإعلان حالة الطوارئ، وتم اقتحام دوار اللؤلؤة في اليوم التالي وتدميره وفض الاعتصام بالقوة. وقد سقط يومها أربعة شبان في المواجهات واستمر بعدها مسلسل انتهاكات حقوق الإنسان، حيث وصل عدد الذين قتلوا في المواجهات مع حلول الذكرى الثانية للانتفاضة أكثر من 60 شخصا.
تقرير شريف بسيوني: قررت سويسرا أن تعرض ملف انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين أمام مجلس حقوق الإنسان لولا تدخل الولايات المتحدة التي وعدت بالضغط على حكومة البحرين لقبول لجنة تحقيق دولية تتمتع بمصداقية.
لكن حكومة البحرين قطعت الطريق وعينت لجنة وطنية واختارت رئيسا لها السيد محمود شريف بسيوني، الخبير المصري الدولي في مسألة القانون الدولي الإنساني وانتهاكات حقوق الإنسان، حيث لعب دورا أساسيا في توثيق الانتهاكات في البوسنة (1993) وأفغانستان (2004-2006) لدرجة أزعجت الولايات المتحدة، فضغطت على الأمين العام السابق كوفي عنان لإعفائه من مهمة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في أفغانستان وتم ذلك. وقد بدأت اللجنة عملها يوم 29 حزيران/يونيو 2011 وقدمت تقريرها في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011. لقد وثقت اللجنة العديد من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، كالقتل المتعمد والتعذيب والاغتصاب والتعرية والضرب وفصل 4.600 موظف من أعمالهم وفصل 427 طالبا من جامعة البحرين.
وصدرت أحكام ضد 900 شخص بسبب مواقفهم وممارستهم لحرية التعبير. وفند التقرير أية علاقة للمطالب الشعـــبية بإيران. وقد طالبت اللجنة في تقريرها بإنشاء آلية مستقلة ومحايدة لمساءلة المسؤولين المتـــورطين في الانتهاكات بهدف محاسبتهم. تعهد الملك علنا بأن ينفذ تلك التوصيات، لكنها ظلت حبرا على ورق. مما دعا منظمة العفو الدولية الى أن تؤكد أن الأمور في البحرين لم تتحسن على الإطلاق.
وقد قام مجلس حقوق الإنسان بمناقشة ملف البحرين في جلسة مراجعة دورية في أيار /مايو 2012 وأصدر 176 توصية تتعلق بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في البحرين، ويعتبر هذا الرقم من التوصيات رقما قياسيا بالنسبة للدول التي تنتهك حقوقا والتي يناقشها المجلس ويقدم لها توصيات بشأن الانتهاكات.
الخروج من الأزمة: لقد خذل الشعب البحريني من لدن العديد من الأطراف. لقد غابت الجامعة العربية تماما عن المشهد، وكذلك غابت الأمم المتحدة.
أما الموقفان الأمريكي والبريطاني فيتراوحان بين إشارات خجولة حول ضرورة احترام حقوق الإنسان أو الغياب المطلق، حتى القنوات الإخبارية الأساسية التي تتسابق في التقاط كل شاردة وواردة في ميادين أخرى أدارت ظهرها وأطفأت كاميراتها عندما تعلق الأمر بثورة البحرين. ولكن هذا الغياب لا يعني الاختفاء أو الانتهاء بل تأكد العالم أثناء مسابقات ‘فورمولا 1’ في منتصف شهر نيسان/أبريل الماضي أن الحراك الشعبي ما زال قائما.
وفي الختام نود أن نؤكد أن الأسباب التي قامت من أجلها الثورة ما زالت قائمة وربما أعمق من ذي قبل ولا نتوقع للحراك أن يخمد إلا بتحقيق المطالب الجوهرية الأساسية ضمن إطلاق مسارات للحوار الوطني الشامل للانتقال إلى الملكية الدستورية التي تترفع عن الحكم وتترك أمور السياسة اليومية لبرلمان منتخب يعين الحزب الفائز فيه الحكومة، التي تخضع للمساءلة والمراقبة ضمن نظام فصل السلطات والتعددية السياسية وآليات مراقبة حقوق الإنسان ونظام المواطنة المتساوية التي تعامل الناس بناء على كفاءاتهم وقدراتهم لا على أساس مذاهبهم وأشكالهم وألوان جلودهم. بهذا تنهض الأمم وبغيره تتكرس الأزمات وتتعمق وتتحول إلى جراح عميقة في النفس تنتظر أول فرصة للانفجار.
‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك