عزت القمحاوي أكتب قبل الإفطار، حيث يعود ميدان التحرير بالقاهرة إلى ألقه، بعد غياب شمس ليست أقل تآمرًا على الثورة من أعدائها من البشر. وقد خصص الشباب الجمعة اليتيمة لمليونية طرد سفير الكيان الإسرائيلي.
لم يكن ينقص الثورة اليتيمة بين اللئام إلا عدوان الصهاينة على الجنود المصريين، ليتأكد الثوار من صعوبة مهمتهم، حيث تضاف مهمة حراسة الثورة على الحدود كما في الداخل.
فعل الإسرائيليون ما اعتادوا أن يفعلوه دائمًا بسهولة واطمئنان تامين. وتقدر الإحصاءات عدد الجنود المصريين الذين لقوا حتفهم بنيران الإسرائيليين في ظل الرئيس البليد المخلوع بمائة وخمسة وثلاثين جنديًا، في حوادث متكررة يتواطأ السمسار على إخفائها، وعندما كانت المصادفة تكشف عن بعض تلك الحوادث كان يرد على سائليه بضيق: ‘خلاص، الراجل كلمني واعتذر’. هل أخطأ الصهاينة خطأهم الجسيم عندما تصوروا أن ما كان ممكنًا في عهد حليف السلام البليد يمكن أن يكون مقبولاً اليوم، أم أنهم يعرفون حجم المخاطرة، ومع ذلك حاولوا اصطياد عدة ثورات بزخة رصاص واحدة؟’ ‘ ‘من المؤكد أن الصهاينة شاهدوا مع العالم استلقاء حليفهم في قفص الاتهام، وأن الأوضاع تغيرت وأن الكرامة المصرية محروسة بمن عرفوا قيمتها وانتزعوها.
ومع هذا حاولوا احتواء ثورة شعبهم، والأهم تقديم مساهتمهم في الاكتتاب الإقليمي والدولي لإفشال الثورتين المصرية والسورية. الكيان الإسرائيلي خسر شريك السلام المصمم على إكمال المسيرة مهما فعلوا، ولا ينبغي أن يخسروا شريك الحرب المصمم على عدم الحرب في سورية. وهم يعرفون أكثر مما يعرف كل العرب أن سورية هي الجناح الاستراتيجي الثاني الذي يمكن أن يحلق به طائر العرب. وكما أن الدفاع عن مصر يبدأ من سورية فإن الدفاع عن حليف سورية يبدأ من إعاقة الثورة المصرية.
ويبدو أن ‘حليمة’ الصهيونية لم تقدم على ممارسة عاداتها القديمة إلا لأنها تشم رائحة مبارك في قميص الحكم المصري إلى اليوم. لكنهم لم ينتبهوا إلى أن مصير مصر لم يعد بيد سلطة تفعل ما تريد، وأن مطاردة رائحة مبارك هي الشغل الشاغل للثوار اليوم. ولم تكن محاكمة الرئيس السمسار ونجليه لتتم ولم يكن للعديد من المكاسب الثورة أن يتحقق إلا بفضل مطاردة الثوار لتلك الرائحة النتنة المخزونة في مقار الحكم.
ولكن الثوار المشغولين بمنازلة أموال السعودية وأموال الفلول في الداخل ومؤامرات أمريكا فاجأوا عصابة تل أبيب بأن لديهم من القوة ما يكفي لمواجهة عدوانهم أيضًا، ولن يصعب عليهم أن يضاف عدو جديد لنصف دستة (دزينة) الأشرار.’ ‘ ‘كان تدفق عشرات الآلاف لحصار السفارة الصهيونية بالقاهرة والقنصلية بالإسكندرية درسًا عمليًا للكيان، أما تسلق الشاب ‘أحمد الشحات’ لواجهة العمارة المرتفعة وتثبيت العلم المصري فقد كان مشهدًا مزلزلاً ولحظة لا تقل في رمزيتها عن لحظة رفع العلم على حصن بارليف المنيع في رمضان مثل هذا.
تصرف نتنياهو بالصلف المعتاد في اللحظات الأولى للأزمة، وبدأ بتقريع مصر لأنها لا تحرس الحدود جيدًا. وسرعان ما اكتشف أن هذا الاتهام هو بالذات الذي يعطي مصر الحق في إعادة النظر بكامب ديفيد التي أفرغت منطقة الحدود من الجيش، وكان إلغاء الاتفاقية أول ما طالب به المحتشدون أمام السفارة.
الغضب الشعبي أعاد تذكير الصهاينة بما يستطيع هذا الشعب أن يفعل، وتحركت السلطة بمصر على نحو مختلف استجابة للغضب الشعبي المقدس، وسارع الكيان العبري بتقديم أسف لم يكن سهلاً انتزاعه في السابق. أجبرهم تصميم المعتصمين ـ لا إجراءات السلطة ـ على التحرك بحمى لتوسيط دول أخرى من أجل حصار التداعيات، والمجلس العسكري نسّم عليه هواء مبارك فأرخى بعد شد، ولم يعد استدعاء السفير واردًا، وهو إجراء بلا قيمة إذا ما قورن بالخطوات الأخرى التي تستطيع مصر اتخاذها، وأهمها اللجوء لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وطلب التحقيق الدولي، وطلب محاكمة الجناة، خصوصًا وأن بطلاً مصريًا هو سليمان خاطر حوكم من قبل في قتل إسرائيليين وتم قتله في السجن وادعاء انتحاره.’ ‘ ‘منذ تشرين الاول/أكتوبر 1973مضى زمن التفوق الإسرائيلي، ولم تعد الحرب مع مصر نزهة، حتى في ظل تربع سمسار عديم الخيال على عرش مصر. وكان خوف السلطة المصرية من تهديد كامب ديفيد خوفًا على كرسي فرد، وكان الصلف الإسرائيلي مجرد استثمار لهذا الخوف الفردي، لا انعكاسًا لموازين قوى بين جيشين.
كان الخوف المصري مجرد فكرة بلا أساس على أرض الواقع، والصلف الإسرائيلي لم يزل فكرة. وكلاهما لا يعود موجودًا بمجرد أن يكف كل طرف عن تبني فكرته.
وليست مليونية طرد السفير سوى مطاردة للفكرة الخبيثة التي يفرضها أثر رائحة مبارك العالقة بأدوات الحكم.