يقول علي الوردي في كتابه “مهزلة العقل البشري”: “إن ما فعله الأمويون من إشغال الناس بالشعر، بقي عند العرب حتى عصرنا هذا، وصار فيهم داء وبيل، فالمثقفون لا يهتمون بما يصب على رؤوسهم من المصائب بقدر اهتمامهم بما قال جرير وما قال الفرزدق، من رقيع الشعر وصار من علامات المثقف عندهم أن يعرف الأشعار، التي قيلت في الأباعر والأطلال ويعرف من قال أصلها”.
والحق أن الشعر مارس عملية غسيل للدماغ منذ القدم، وانتبه إلى خطورته الحكام فأغدقوا على الشعراء المنح والعطايا، ليتسنى لهم تلهية الجماهير عن حقوقهم المشروعة، وبقدر ما كان الشعر نعمة كان كذلك نقمة، وبقدر ما كان منحة كان كذلك محنة، ولعله يصح إن قال ماركس مرة في كثير من الغلو “الدين أفيون الشعوب” فالشعر أفيون العرب في بعض الأحايين فبقدر ما حمل إبداعهم وآمالهم ومفاخرهم وأنسابهم، ألهى الجماهير عن الحياة والسياسة والحقوق، واستشهاد الوردي بجرير والفرزدق خير مثال على انحراف الشعر وانحراف الذائقة حد التلف.
نحاول رصد ثورة الأدب المهجري على الظلم والطبقية، وكل ما يعيق الإنسان عن تمثل الحياة، وحقوقه المشروعة وإنه لحقيق بنا نحن ورثة هذا التراث الأدبي ، أن نتمثله، خاصة ونحن نعيش في عصر تميز بالتطرف الديني، والنزاع الطائفي، وسيطرة الفكر العبثي السلفي أو العدمي التغريبي، خاصة ومجتمعنا العربي يحمل في ثناياه اختلافات مذهبية هي في الأصل مصدر ثراء له، أضف إلى ذلك انفتاح العالم وتطور المعلوماتية في أرقى تجلياتها – أي الثورة الرقمية ـ وسيطرة المؤسسات الاقتصادية العابرة للقارات، التي غزت أسواقنا بمنتجاتها الغثة والسمينة، وما نحن في حاجة إليه، وما نحن في غنى عنه، والتي أدت في النهاية إلى تسطيح الفكر والشعور والجري وراء بريق الألفاظ، بدون أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن المضمون، إنها عولمة حولتنا إلى كائنات طفيلية مستقبلة ومستجيبة لكل المثيرات الواردة من الضفة الأخرى، وكأن صرخة المهجريين في النصف الأول من القرن الماضي ذهبت أدراج الرياح، فقد عدنا إلى الدجل على حساب العقلانية، وإلى الطائفية على حساب التسامح الديني، وإلى التقليد على حساب الاجتهاد، وإلى العبودية على حساب الحرية، وإلى الشكلانية على حساب المضمون، وما أحرانا اليوم أن نعود إلى تلك القيم الإنسانية التي تضمنها الأدب المهجري وصدع بها وعاش لأجلها، فهي التي ستعصمنا من الغرق في خضم الحضارة الحديثة. فما مجمل القيم الإنسانية التي تضمنها هذا الأدب؟ وأما الثورة على الظلم والتنديد بالطبقية واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان فالشعر المهجري خير شعر جاهر بذلك، وقد هرب أولئك المهجريون من بطش العثمانيين، وآلمهم ما تركوا فيه أوطانهم من جور وفساد، وامتصاص الأقوياء لدماء الضعفاء، واستشراء الفساد والإقطاع، وقد أمدهم وجودهم في العالم الجديد بمعاني العدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة الإنسانية، وبزاد وفير منها، بل امتد نقدهم حتى إلى المجتمع الأمريكي ذاته، وخير أديب ندد بذلك أمين الريحاني، حين فضح استغلال البيض للسود، وتردي إنسانية الإنسان بهذا الانتهاك الصارخ للكرامة البشرية، في بلد تغنى بالحرية واتخذ لها النصب. وفي مطولة “على بساط الريح” للشاعر الشاب فوزي المعلوف، الذي قضى ريعان العمر بالتنديد بهذه المظالم يقول فوزي:
أنا عبد الحياة والمــــوت أمشي
مكرها من مهودها لقبــــــــوره
عبد ما ضمت الشرائع من جور
يخط القوي كـــــــــــل سطوره
بيراع، دم الضعيــــــف له حبر
ونوح المظلوم صوت صريره
وشارك الشاعر شفيق المعلوف أخاه فوزي هذه الخصيصة، فامتد حدبه حتى على الفلاح ورأى على جيبنه النور ولم يره على جبين السلطان:
وفي الحياة ديونهـــــــا
كرما وما وفيت ديونــه
عرق الجهاد همى على
عينيه فانطبقت جفونــه
هلا نظرت جبينــــــــه
كم فيه لؤلؤة تزينـــــه
ضنت عليه بالدمــــوع
عيونه فبكى جبينـــــــه
وتعتبر قصيدة “المواكب” لجبران، إنجيل الثورة ضد تردي القيم وميوعة الإنسان وتحلل القيم، ونشاز النفس الإنسانية، فيصير الاستغلال قيمة والظلم مبدأ إنسانيا يقول جبران:
والعدل في الأرض يبكي الجن لوسمعوا
به ويستضحك الأمــــــــوات لو نظروا
فالسجن والموت للجــــانين إن صغروا
والمـــــــجد والفخر والإثراء إن كبروا
فســـــــارق الزهر مذمـــــــوم ومحتقر
وســــــارق الحقل يدعى الباسل الخطر
وإذ يتأمل الأديب المهجري من موقعه الجديد في واقع عالمه العربي المتردي في دركات الجهالة، المتخبط في غياهب الاستبداد، يحزنه غياب الحرية فتراه يثور في أدبه، محولا شعره أو نثره إلى شواظ من جمر ولهيب من نار، عسى أن ينتفض الشعب في سبيل نيل حريته، واقرأ هذين البيتين للشاعر السوري نسيب عريضة المغترب في أمريكا يخاطب وطنه:
مشت القرون وكل شعب قد مشى
معا وقومك واقفون ونـــــــــــوم
لم تـــرتفع كــف لــصفعة غاشم
فيهم ولم ينطق بتهديد فـــــم
وفي كثير من أشعار القروي وجورج صيدح ورشيد أيوب وسعيد الشرتوني ووليم كاتسفليس وجورج صوايا، كما في كثير من نثر الريحاني وميخائيل نعيمة صاحب قصة “أبو بطة”، التي فيها كثير من معاني الإنسانية، والاتجاه الأدبي الصحيح بمفهوم علي الوردي رائد النقد الثقافي العربي، قصائد ومقطوعات شعرية تندد بالطبقية الجائرة، التي نخرت الجسد العربي ومظاهر الظلم الذي عصف بحياة الكادحين. وبقدر ما مارس الأدب المهجري التجديد في شكل القصيدة، خاصة في الشعر المنثور عند أمين الريحاني والشعر المرسل كذلك، وطرح البهرجة والتكلف، والاحتذاء بالأقدمين، والعناية بالصدق الفني والتجربة الشعورية، مارس كذلك تجديدا في المضمون، بطرح التقليد والمواضيع المستهلكة كالمديح، الذي هو انتهازية في الغالب، والهجاء الذي فيه شيء من قلة الذوق والسقوط في الغزل إلى حد التبذل والشبقية والميوعة، اهتم الأدب المهجري بالإنسان “الذي أشكل عليه الإنسان”، كما قال أبو حيان التوحيدي ذات مرة، فركزالمهجريون مضامينهم على الإنسان في سقوطه ورفعته، في خسته ونبالته، وأدانوا الطبقية والاستغلال، وظلم المرأة وإهمال الطفولة، وتغنوا بالحرية الإنسانية الشاملة الحرية، لأجل الحياة ولأجل الإبداع ولذلك يوصف الأدب المهجري بأدب الحياة.