الثورة في مرصاد الزمن وتحت مجهر الاقتصاد

حجم الخط
0

لأن بلدي فرنسا عرف ثورته التي لا تزال إلى الآن محلّ تدريس وتقييم ونقاش وتمحيص، ولأن الفكر الثوري مافتئ يؤجج الأوساط الثقافية الباريسية التي تغتنم كل صغيرة وكبيرة لإعادة صياغة العالم، حسب تعبير صار عندنا سائدا يراد به الدخول في نقاشات لا تنتهي عن شؤون الساعة وشجونها، فلا يمكن للروح الثورية إلا أن تجري مجراها عند أبناء الثورة، كما يجري الدم في العروق. ولا يسلم صاحب هذه السطور من هذا الاتجاه: مادمت فرنسيا، فأنا أيضا ممن شأني شأن أشقائي شباب الثورات العربية، واحد من أبناء الثورة التي تشكل مجريات أحداثها وتطوراتها المتلاحقة رحيقا ترتوي به أنسجة أدمغتهم وأوردتها.
من فضائل هذا العصر الذي نعيشه أنه حمل إلينا مفاجآت أضاءت جوانب من نفسية الحركات الجماعية ومن هواجس الشعوب ما كنا لنتصور أنها ستكون قابلة للتلمّس أو المعاينة بمثل هذا الوضوح. لكن لم نأخذ الوقت الكافي للتمعّن في موضوع أساسي لا يقلّ أهمية وهو موضوع العوامل التي سمحت ببروز مثل هذه الحركية ذات المدّ العريق والدؤوب والتي لم تظهر تجلياتها بين ليلة وضحاها خلافا لما يدعيه الكثيرون. فقد تطوّر عصرنا على مستوى تكنولوجي رقمي بصورة جعلت المواطن العادي – الذي يصوّر المَشاهد على هاتفه المحمول ثم يرسلها إلى وسائل الإعلام فيدعو الى إقامة المليونيات في الشوارع – صحافيا هاويا خطف قصب السبق من مهنيين بات دورهم ينحصر أكثر فأكثر في ثنايا دعم لوجيستيّ تأطيريّ ترويجي لهذا الأداء. ولا ريب في أن العامل التكنولوجي الرقمي قد حرر كلمة كانت مكممة مهمشة مقصية وحمل معه دواعي اغتباط وابتهاج لفرد أصبح يحلم بغد أفضل متغنيا بشعارات الثورة ولازماتها..
لكن ثمة عامل آخر أساسي لم يؤخذ في الحسبان بما يكفي وهو عامل الزمن: فالزمن الذي يعمل عمله يغالب دائما من ينخرط… في سباق مع الزمن. والخطأ الكبير الذي نقع فيه جميعا يكمن في اعتقاد متواصل بأننا منتصرون على الزمن. إذ ماذا تعني عبارات مثل، هذا زمن مضى.. الموضوع مفروغ من أمره، الأمر أصبح في خبر كان؟ كأنّنا قادرون على طي صفحات الماضي في رمشة عين فيخيّل إلينا أنّ المستقبل ينطلق من نقطة مجهولة ماثلة بين أيدينا في صورة افتتاحية ليس لها تاريخ.
أبرزت أحداث الثورة الفرنسية المتعاقبة آثارا واضحة للزمان في المخطط التاريخي الثوري. وكثيرا ما يتمظهر التاريخ على شكل هزات ارتدادية توهم الجماهير بأن الماضي قد تبددّ وتبخّر فلم نعد نقف له على أثر، بينما، في الأمر الواقع، لم يتوقف الماضي عن الحضور أبدا، شأنه شأن الحرباء التي تصطنع ألوانا مختلفة عند ظهورها .
لعلّنا نسينا أن نستحضر أنّ المخطّط الثوري الفرنسي، قبل أن يفضي بنا إلى نظام الجمهورية الخامسة المعمول به اليوم، قد مرّ بأشكال وألوان كوّنت مسرحية مثّل فيها ممثّلون كثر، لا تزال تداعيات آدائهم حاضرة إلى الآن. فالشعب الفرنسي، أولا، لم يتوان عن ترديد مطالب إسقاط النظام أعقبتها اجتهادات برلمانية اعتمدت الفسخ والنسخ مذهبا ونهجا أدّيا بمجالس الشعب الثورية الفرنسية إلى أن تكوّن مختبرات دستورية تواصل فيها رسم ملامح نظام لم تتوضح معالمه إلا بعد عناء نقاشي وإبداعي حادّ. وبالتالي، فمن كان يظن أن النقاش انتهى، بحيث قر للهيكل المؤسساتي قرار فهو في واد، بينما الواقع في واد آخر. لنتوقف مثلا عند الحديث الذي ما فتئ يدور في فرنسا حول إقامة جمهورية سادسة ستؤدي إلى إعادة توزيع السلطات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بما يعطي صلاحيات أوسع لهذا الأخير. في هذا الموضوع بالضبط كتب أستاذ القانون والوزير السابق ورئيس معهد العالم العربي الحالي جاك لانج كتابا بعنوان ‘الجمهورية السادسة’. وهذا خير مثال يعكس مدى انخراط المخطط المؤسساتي في أحداث الزمن .
في سياق التداول البرلماني والجدلي الذي أحاط بميلاد ما سمي بالثورة الفرنسية، ظلت الطبقات الثلاثة الممثلة لشرائح المجتمع الفرنسي في طليعة التنظير للوجه الجديد لمؤسسات الدولة وخدماتها وقد باتت تحكمها دواليب الاقتصاد فوق كل اعتبار. فالبورجوازية، التي تعتبر الطبقة الضاغطة على عجلات الإنتاج الوطني بامتياز، كانت أول من دقت ناقوس الخطر بعد أن رأت في احتكار النبلاء المتوارث لجهاز الإنتاج، وبمباركة ملكية، استباحة لخيرات الأمة لا يمكن الاستمرار على نهجها إلى ما لا نهاية. وحملت هذه الخطوة البورجوازية إرهاصات النقاش الاقتصادي المركزي الذي سيكوّن جانبا عصيبا من الحياة السياسية الفرنسية كما سيكون له موقع مركزي في الحياة السياسية ككل وهو النقاش حول المنحى الذي ينبغى ان ينحاه اقتصاد الدولة: أينبغي أن يكون ليبراليا مع خصخصة شبه كاملة لوسائل الانتاج، كما أرادته البورجوازية الدستورية، أم أن الاقتصاد يجب أن يدار من الدولة كما تصور من سموا أنفسهم بالد يمقراطيين الثوريين، متناسين أن البورجوازية الفرنسية ثورية المنحى والاتجاه والمشروع أيضا.
وبعد قرنين من الزمن، سنكتشف سيناريو ليس بعيدا عن هذا الجدل التنظيري عندما سيعلن الرئيس المرزوقي ان عمق النقاش الدائر بينه وبين الحزب صاحب الأغلبية في حكومته ليس في موضوع علاقة الدين بالدولة، بل يتجلى في كيفية إدارة الاقتصاد. والسؤال يصبح إذّاك هل يتم ادخار ممتلكات الدولة في مشاريع تتولاها شركات خاصة متنوعة الحجم والمدى، كما يدعو إليه الحزب صاحب الأغلبية، أم أن الرهان الذي ينبغي الخوض فيه كامن في إشراك مباشر للمواطن في ثروات الدولة باستثمارات في أكثر القطاعات حاجة، مثل التعليم والصحة والصناعة…
نبعت الثورة الفرنسية، كأغلب الثورات، من وعي طبقي، لكن الطبقة المعنية أولا لم تكن الطبقة المتوقع منها امتلاك ناصية الأمور، لم تكن الطبقة الكادحة. كما لم تكن الطبقة الماسكة لزمام أمور الدولة في تونس الطبقة المدعوة بالعاملة، وإن لعبت، طبعا دورا محوريا في نقل المعارضات وهذه نقطة ذكرها أيضا الرئيس المرزوقي في أكثر من مقابلة مع الإعلاميين. قد يقول قائل إن هذا المثل، إن دل على شيء، فإنما يدل على أن في طبيعة كل عمل ثوري أن يحمل في جعبته المفاجآت، أو على الأقل، أن يخالف التوقع. فاستقراء التاريخ على ضوء عنصر المفاجأة وعدم قابليته للتكهن، تحليل له وجاهته.
لكن ثمة تحليل آخر يمكن أن تكون له وجاهته أيضا وهو أنّ لصيرورة الأحداث قواعدها ومنطقها. فلا ننسى أن كل مخطط ثوري له واجهته الأمامية، ولكن له أيضا تركيبته السفلى التي لولاها لما أمكن أن يفرز مشهدا سياسيا يعقبه. ولا يجب أن ننسى أن هذه التركيبة، خلافا لما يمكن أن يصيب الأنظمة من اعتلال أو تخلخل، مستقرة واسمها الاقتصاد. فلا يوجد وطن من دون اقتصاد. وإذا كان لا يوجد وطن من دون اقتصاد فلا يمكن لمخطط تغييري ـ وهي القاعدة التعريفية لمفهوم الثورة- إلا أن ينطلق من هنا. ولا مخطط تغييري ولا فلسفة اقتصادية من دون ثقافة سياسية.
بعد إجراء الثورة الفرنسية أول انتخاباتها وولادة جمعيتها التأسيسية بات ما سمي بفلسفة الاقتصاد أول ملف مطروح على المناقشة الحكومية. وبعد انتخاب المجلس التأسيسي التونسي صارت مسألة توزيع ثروات الدولة، المنهوبة منها والمتوفرة، من أولويات القضايا التي شرعت الترويكا في النظر فيها. وفي هذا المضمار نلاحظ أن الشغل الشاغل يظل هو هو، وهو الانتقال من دولة ريعية إلى دولة منتجة للثروة.
وكما نرى فإن عجلة الاقتصاد وعجلة المؤسسات، تظلان في مرصاد الزمن ويبقى الموضوع الأساس هو وجهة تلك العجلات، وعساها تتجه إلى حيث ما يحمد عقباه.

‘ باحث أكاديمي فرنسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية