الثورة قد تنجح اليوم أو غدا!

حجم الخط
0

عزت القمحاوي يذهب المصريون اليوم إلى صناديق الاستفتاء على تعديلات دستورية شديدة الخبث عظيمة الفائدة لمستقبل مصر.

التعديلات التي أصابتني والكثير من المصريين بالإحباط عند إعلانها لم يعد لها ذات الأثر عشية التصويت. المؤشرات الاسترشادية على المواقع الإلكترونية للصحف المصرية تشير إلى تقدم الرافضين على الموافقين بأغلبية مريحة، ولم أكتب هذه الزاوية إلا بعد إجراء اتصالات هاتفية مع أقارب في الريف، في أكثر من قرية، عرفت منها أن التصويت بـ ‘لا’ مطروح بقوة، على عكس تخوف الطليعة المستنيرة دائما من الكتلة الفلاحية.

هناك أمل، والنتيجة ستحسمها الصناديق في حدود النزاهة المتاحة. وقد كسب المصريون بالثورة حق التصويت ببطاقة الهوية، وإلغاء بطاقة الانتخاب التي كان استخراجها شبه مستحيل بالنسبة للمشكوك في ولائهم للنظام. وفي مقابل هذا الحق ستتحكم في النتائج إرادة الجيش في ضبط بلطجة فلول عصابات نظام انحط باقتصاد البلاد من الإنتاج إلى السمسرة، وانحط بمقدراتها السياسية من قيادة المنطقة إلى السمسرة والوساطة المحايدة مقابل العمولة.

وأيا كانت النتيجة؛ فإن هذا الاستفتاء يمثل خطوة هامة على طريق المستقبل، ليس لأن نتيجة الـ ‘نعم’ ستحقق الاستقرار كما تزعم أبواق الموافقة؛ بل لأنه أعاد الثورة إلى أصحابها الأصليين الذين خرجوا يوم 25 يناير، قبل أن ينضم الإخوان وبعدهم أصحاب المطالب الفئوية والمظالم الاقتصادية.’ ‘ ‘الذين خرجوا يوم 25 يناير هم الشباب وقوى الاستنارة الحقيقية في جيل آبائهم، وهؤلاء هم الأقل تضررا من تغول الحكم، ليسوا الأكثر فقرا، بل الأكثر إحساسا بمعنى الحرية والعدالة كقيمتين مطلقتين، ويستشعرون الإهانة حتى على مستوى احتجاز أحدهم في إشارة مرور لإفساح الطريق لمرور موكب جمال مبارك الذي لا يتمتع بمنصب رسمي في الدولة وتحرسه شرطتها بموكب يضاهي موكب أبيه.

إذا جاءت النتيجة لصالح ‘لا’ ستعرف القوى القديمة حجمها، وسيكون عليها أن ترضى بإدارة الشباب للدفة، وستكون ثورة الشباب قد نجحت من اليوم، وإن جاءت لصالح نعم، سيكون على الشباب العمل مجددا على نشر الوعي لكي تنجح غدا.

الخلاف الذي قسم فلول الحزب الوطني والإخوان في جهة وقوى اليسار والليبرالية الحقيقية في جهة أخرى هو في صلبه انقسام بين الأنفس الميتة والأرواح الشابة، بين ثقافة الحصص والتوازنات وثقافة المساواة على أرضية المواطنة.

ومن يتأمل سير الأحداث يجد الكثير من التنكر للوعود، والكثير من الخذلان لأهداف الثورة ابتداء من تشكيل اللجنة الذي لم يقبل الجيش نقضا ولا إبراما له مرورا بالتنكر لوعد طرح التعديلات لحوار مجتمعي. الوعد في حد ذاته يعني إمكانية إجراء تعديلات على التعديل قبل طرحه للاستفتاء العام، وإلا ما معنى الحوار؟!

وقد قام الحوار فعلا، ولكن على أرضية المكلمة المجانية المحمومة على الفضائيات بينما كانت بطاقات الاستفتاء قد طبعت بالفعل، وكان من الواضح في أحاديث القائمين على التعديل (من الجيش واللجنة) أنهم صمموا المستقبل بناء على أن النتيجة ستكون بـ ‘نعم’ وأنهم لم يستعدوا للخيار الآخر.

كان على اللجنة التي أعدت الدستور أن تعتذر وتتوقف إن كان هذا هو السقف الممنوح، لكن يبدو أن هذا هو دين النخبة القديمة أينما كانت مواقعها. وقد كنت شخصيا ـ حتى الإعلان عن هذه الطبخة ـ من المدافعين عن طارق البشري رئيس اللجنة الذي حاز من قبل احترام أطياف سياسية مختلفة، دون أن يدخل في تجربة حقيقية، أو ربما لرداءة المعروض في معسكر النظام، لكنه ترأس لجنة أنتجت فضيحة دستورية، وهذه هي الشواهد:* قيدت التعديلات دورات الترشح باثنتين. ولا معنى لهذا المكسب في ظل الإبقاء على سلطات رئيس الجمهورية كما هي. وقد كانت المدد مقيدة حتى أوائل العام 1981لكن السلطات الإلهية للرئيس أعطت السادات الحق في جعلها مدى الحياة، ومن تصريفات القدر أنه أنجز التعديل وأزيح بالقتل واستفاد مبارك من هذه المنحة التي لا يد له فيها!* خفضت التعديلات حجم المادة 67 المنظمة لمواصفات المرشح الرئاسي من 724 كلمة إلى نصف هذا العدد من الكلمات مما يبقي حجمها استثنائيا بين دساتير العالم، وعندما تتسع الكلمات تضيق الحرية؛ فهي لا تتسع إلا لتضع القيود وتحط من شأن الدستور بتوظيفه لاستبعاد مرشح محدد؛ والمادة بصياغتها الجديدة تطلب شرط المصرية في المرشح وآبائه وزوجه كذلك، في تشدد وطني يشبه النازية، كما تلزم المرشح المستقل (مثل البرادعي) بجمع 30 ألف موافقة من 12 محافظة على الأقل، بينما تتيح لأي حزب عميل لديه عضو واحد في مجلس الشعب ترشيح رئيس من بين أعضائه العشرين!* استخدمت التعديلات الـ ‘لام’ اللئيمة في المادة 189 الخاصة بوضع ترتيبات الدعوة لجمعية تأسيسية للدستور الدائم فجاءت هكذا ‘لرئيس الجمهورية….’ وقد اكتوى المصريون بهذه الـ ‘لام’ عندما أضافها ترزية آخرون لمبارك كي يعفوه من الالتزام بتعيين نائب، فمن له أن يفعل له ألا يفعل.* ولتمرير المادة 189 بلامها اللئيمة تم استحداث المادة 189 مكرر التي تلزم مجلسي الشعب والشورى في أول اجتماع مشترك لهما بعد الانتخابات اختيار جمعية تأسيسة للدستور. وكأنهم فصلوها لمجرد الاستخدام الإعلامي وتلبيس الأمر على المصريين. وهي في حقيقتها بلا قيمة؛ فسرعة الانتخابات قد تأتي بالقوى القديمة صاحبة المصلحة في تعديلات أسوأ، وحتى مع التفاؤل ووجود مجلس محترم فإن سلطات رئيس الجمهورية تتيح له حل المجلس.

وخارج مواد الدستور المرقع كان الإصرار على إهمال عشرة ملايين مصري بالخارج، تحت زعم التكلفة الواهي، بينما تنفق الخارجية ملايين الدولارات على تشغيل سفارات لا عمل لها في وقت الثورة وتدفع مرتبات تمثيل دبلوماسي اختاره نظام مبارك وبقي في عواصم العالم ككتائب فقدت اتصالاتها بالقيادة. وكان من الممكن أن تقوم هذه السفارات بعمل وحيد يبرر مرتبات أعضائها وهو تنظيم الاستفتاء!’ ‘ ‘كل هذا العوار كان بحاجة إلى من يدافع عنه، وقد كانت جماعة الإخوان مدمنة الخسارة جاهزة للعب هذا الدور. وفجأة وجدنا رموز الجماعة مع السلفيين الذين خرجوا من السجون نجوما في المكلمات الليلية على القنوات المصرية العامة والخاصة الأكثر لؤما (يتبع التليفزيون المصري نظاما غبيا وتنتمي الفضائيات لرجال الأعمال الأذكياء المهددين بالسجن). نظم الإخوان دفاعهم عن التعديلات في فريقين، واحد للترغيب وآخر للترهيب. الترغيبيون تحدثوا عن ضرورة التمسك بالنوايا الطيبة وضرورة أن تثق الثورة في نفسها وفي طيبة قلب الجيش. والترهيبيون من جانبهم بدأوا بالتخويف من الفوضى التي يمكن أن يثيرها رفض التعديلات ـ وكأنها صممت من أجل خيار آمن واحد هو النعم ـ ثم انتهوا إلى وصم الرافضين بالعمالة للخارج وتلقي أموال من أمريكا. هي ذاتها اتهامات النظام لشباب الثورة، باستثناء طفيف؛ فلم لم يأت اتهام الإخوان مشمولا بتلقي وجبات كنتاكي!

هل يمكن أن يتشابه الضحية مع جلاده إلى هذا الحد؟ وهل كانت الجماعة في شقاق حقيقي مع نظام مبارك حقا أم كانت صداقة لدودة؟

لم يكن بين المصريين من يحمل بطاقة انتخاب سوى منتفعي الحزب الوطني وأعضاء الجماعة، وكنا بطيبة نية نرجع حصولهم على هذه البطاقات نتيجة قوتهم التنظيمية واستخدام محامين لإجبار موظفي الإدارة الصغار في أقسام الشرطة على التنفيذ.

لكن يبدو أن العلاقة ليست علاقة جلاد بضحية. وهذا الاصطفاف الأخير يعيد الثورة إلى أصحابها، حتى لو جاءت النتيجة نعم، ستنجح الثورة ذات يوم، بعد أن يضع الشباب التنوير السياسي للأكثرية المغيبة على جدول أولوياتهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية