ناصر عراق علينا الاعتراف بصراحة أن الثورة المصرية أظهرت أسوأ ما فينا نحن المصريين، مثلما أبانت أجمل ما بداخلنا خلال الثمانية عشرة يومًا التي دامت فيها هذه الثورة المجيدة، منذ أشعل قناديلها الشباب الرائع في 25 يناير 2011. أما أسوأ ما فينا فتبدى في أمور عدة ومازال، منها: الهوس بالسلطة والرغبة في امتلاكها فورًا، بعد أن شعر اللاهثون نحوها أن الفرصة أصبحت مواتية، وها هي جماعة الإخوان المسلمين تعض بالنواجذ على السلطة رافضة بعناد تنفيذ أية مطالب رفعها الشعب والقوى السياسية بتياراتها المختلفة، فرأينا الرئيس محمد مرسي يخلف وعوده مرات كثيرة، فيمرر دستورًا معيبًا، ويقرر إجراء انتخابات مجلس الشعب وفق قوانين مشبوهة، ولما يصدر القضاء حكمًا بإبطال إجراء الانتخابات نظرًا للعوار الذي يعتري بعض مواد هذه القوانين، تسرع مؤسسة الرئاسة فتطعن على الحكم. إنه الهوس بالسلطة في أردأ مشاهده، والولع بالاستحواذ في أتعس صوره. من الأمور السيئة أيضاً التي تجلت بعد طرد حسني مبارك من عرين الرئاسة في 11 فبراير 2011 هو استفحال النزعة نحو التشرذم والتفتت، ورغبة كل تيار أو جماعة في إثبات حضوره أو وجودها سياسيًا، الأمر الذي أدى إلى ظهور مئات الجماعات والائتلافات والأحزاب، وهي مسألة مفهومة تحدث عادة بعد اندلاع الثورات.لكن أكثر ما يلفت الانتباه في سلسلة المساوئ التي انفجرت في حياتنا بعد إزاحة مبارك تمثل في حجم البذاءة التي انسكبت من أفواهنا على الورق أو في المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي.ما من أحد يكتب مقالاً الآن أو تعليقاً، إلا وانهالت عليه شتائم لا حصر لها من قبل المعترضين على المقال أو الناقمين على التعليق، حيث يستخدم هؤلاء أقذع الألفاظ وأكثرها فحشاً وبشاعة في وصف صاحب المقال أو التعليق. والغريب أن أولئك الشتامين لا يقدمون انتقادًا محددًا وواعيًا لما جاء في المقال من أفكار وآراء لم تعجبهم، بل كل ما عليهم أن يكيلوا السباب بلغة ركيكة تختلط فيها العامية بالفصحى في مزيج بائس يفضح هزالهم ونفوسهم غير المتزنة. (ترى.. هل وقعت أنا أيضاً في فخ الشتائم؟). لاحظ من فضلك أنني لا أنتقد شراسة الغضب في التعبير، أو أرفض استعمال مفردات حادة وصادمة ضد المختلفين معهم في الرأي، بل أزعم أن هذا الغضب الحاد أمر ضروري وحتمي يطور الصراعات الفكرية والسياسية، ويحدد بدقة الأنصار والخصوم، ويفضح الانتهازيين ويشكم المترددين. وهو ما نلمسه بسهولة عند استعراضنا لوثائق وأدبيات الثورات الكبرى وكتابات زعمائها ومفكريها، فقد كان روبسبيير يكيل الانتقادات العنيفة لمخالفيه في التوجه السياسي في أثناء الثورة الفرنسية قبل أكثر من قرنين. وكان لينين لا يتورع عن أن يصف معارضيه بالمراهقين سياسيًا في مرحلة الثورة الروسية التي اندلعت في عام 1917، حتى القرآن الكريم، وهو كلام الله سبحانه وتعالى، كان يوجه انتقادات حادة للكفار الغلاظ واليهود المناورين والخبثاء، ويفند آراءهم بقوة، ولكن بلغة راقية ونظيفة، لا بذاءة فيها ولا ابتذال.اللافت للانتباه بحق أن غالبية الشتامين ينتمون إلى جماعات وأحزاب التأسلم السياسي الذين لا يخجلون أن يصفوا مخالفيهم في الرأي بأحط الألفاظ، مستخدمين في ذلك مصطلحات لا يعرفون معناها على الأغلب، وتعابير لا يدركون دلالاتها السياسية والفكرية في معظم الأحيان، كأن يقول أحدهم (هذا كلام العلمانيين)، وعندما تحاول أن تستفسر منه ماذا يقصد بالعلمانية؟ يأتيك كلام غامض ومختزل ممتزج بسباب من العيار الثقيل، الأمر الذي يكشف في النهاية قلة معارفهم وضحالتها.لكن المثير حقاً أن كثيرًا منهم ينسون الآية الكريمة (وجادلهم بالتي هي أحسن)، إذ يتلذذون فيما يبدو باستخدام المفردات السوقية والمبتذلة في نعت مخالفيهم في الرأي.أعلم جيدًا أن بذاءة اللغة هي ابنة شرعية لعوامل كثيرة أبرزها الاستبداد والفقر والجهل، وأعلم أيضاً أننا نحن المصريون كابدنا الأمرين من هذا الثلاثي البائس على مر قرون طويلة، وإن كان معدل هذا المثلث البائس قد ارتفع بصورة غير مسبوقة في العقود الأربعة الأخيرة. ومع ذلك ليت علماء الاجتماع عندنا وعلماء اللغة كذلك يبحثون في هذه الظاهرة المستشرية حاليًا بشكل محزن، لأن هناك من يقول إن استخدام اللغة البذيئة في التعبير يؤكد أن صاحبها لم ينعم بتربية أسرية سليمة في طفولته، (مش متربي (بالتعبير الدارج، ولكن هل يكفي هذا التفسير لشرح ظاهرة البذاءة التي انفجرت في مصر بعد الثورة؟. وحتى تتأكد من كلامي.. رجاءً تابع التعليقات المنشورة خلال هذا الشهر الأخير فقط على سبيل المثال، لتكتشف حجم البؤس اللغوي الذي يمسك بخناق كتائب الشتامين في المواقع الإلكترونية، والذين يندرجون في غالبيتهم تحت رايات تيارات الإسلام السياسي بكل أسف، ذلك أن المنتسب لهذه التيارات يظن نفسه المتحدث الرسمي الوحيد باسم الإسلام، وأن الله جل شأنه قد اختاره هو شخصيًا ليقوم بمهمات فرض الفكر الإسلامي كما يراه، بالحسنى أو بالعنف لا فرق، مادام يعتقد أنه مكلف بمهمة مقدسة من قبل المولى سبحانه.تذكر الطريقة والأسلوب والغطرسة التي تحدث بها الدكتور محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين قبل أيام عندما سأله شاب التقاه في مطعم تشيلز بمدينة نصر بالقاهرة: لماذا تأكل في مطعم أمريكي؟ فقال المرشد (الله كلفني ألا أرد على أمثالك)! أرأيت الرد من قبل كبيرهم في الجماعة؟.يبدو أنه مقدر علينا ألا نواجه بعد ثورتنا المغدورة الفكر المتشدد والسلطة العنيدة فحسب، بل يجب أن نبذل جهدًا جبارًا لنعيد لثقافة الاختلاف أصولها الراقية، ونعيد للغة بهاءها المفقود.’ كاتب مصري qmdqpt