الثورة والدولة: قراءة في الانتقال السياسي بعد الثورات

حجم الخط
0

سمير حمديإن ما جرى في المنطقة العربية وتونس (تخصيصا) لا يمكن توصيفه بغير الثورة وبعيدا عن التفسير التآمري يمكن تلمس ملامح هذه الثورة في إطار التحولات الجارية على الساحة السياسية والاجتماعية ويمكن تسجيل النقاط التالية:

ـ إن السياسات الاجتماعية لنظام أوتوقراطي متحكم وقوي طيلة العشريتين السابقتين بدت وكأنها مشروع ناجح وموفق (خاصة لمن هم خارج تونس) وذلك بالاعتماد على الثناء الذي كان يحظى به النظام التونسي من نادي باريس وقمة دافوس والدول الغربية الداعمة.

ـ لم تكن الإطاحة بنظام بن علي من قبيل ما هو متوقع بالرغم من الهزات الاجتماعية المتتالية والانتفاضات المتوالية (الحوض المنجمي، أحداث بنقردان، أحداث سليمان). ـ لا يمكن تفسير ما حدث بإحالته لعامل واحد وان كانت العوامل تتفاوت من حيث التأثير، فثمة العامل الاجتماعي (البطالة، التفاوت بين الشرائح الاجتماعية وبين الجهات.)، العامل السياسي (انغلاق سياسي، تزييف إرادة الشعب، تفكك الطبقة السياسية المتنفذة من خلال صراع الأجنحة، انقطاع التواصل بين السلطة وبين الشارع). العامل الديني ويتمثل في العجز الرسمي عن تصريف الحاجات الدينية الملحة للشارع خاصة مع تواصل سياسة تجفيف المنابع (وتلويث المنابع فيما بعد) وهو ما أدى إلى ظهور أشكال احتجاجية دينية صامتة مختلفة (تمثلت في عودة المقدس في صورة الرموز الدينية الممنوعة، حجاب، لحية)، الاحتجاج على التعديات على المقدس (موقف وزير الشؤون الدينية في نظام بن علي وإلغاء الحج، قضية رياض الزغل عضو مجلس المستشارين ومطالبتها بمنع الآذان، قضية مسجد المركب الجامعي الذي وقع تدنيسه) ، العامل التقني وتطور أدوات التواصل وظهور الإعلام الموازي (الانترنت والفايسبوك وأيضا القنوات الفضائية الدينية والسياسية خصوصا). لقد كان هروب المخلوع (يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2011 ) لحظة فارقة في التحول إلى مشهد سياسي مغاير (اللحظة الحرجة للثورة) ولكنه ليس تتويجا للثورة، فالثورة تحمل معنى التحول إلى وضع مختلف وكما يقول كوندورسيه ‘ إن كلمة ثورة لا تنطبق إلا على الثورات التي يكون هدفها الحرية’. بمعنى أن الثورة ليست مجرد تمرد وان كانت تقوم عليه ‘ فالثورات هي أكثر من تمردات ناجحة وليس لدينا ما يبرر تسمية كل انقلاب يجري بأنه ثورة ولا أن نتلمس ثورة في كل حرب أهلية تجري ‘(حنة أرنت)، إن الثورات تبدأ من كونها إصلاحات أو تجديدات (وعود بن علي يوم 13 كانون الثاني، وفترة حكم محمد الغنوشي) وان الإرهاصات الثورية لبداية جديدة تماما لا تظهر إلا في سياق الحدث نفسه (اعتصام القصبة واحد واثنين). إن تيار الثورة يتصاعد باستمرار بفعل جرائم الاستبداد من جهة وبفعل تقدم الحرية من جهة ثانية واللذين يحث احدهما الآخر وبشكل محتم ـ ما قاله روبسبيار في الجمعية الوطنية في 17 نوفمبر 1793 ‘إن جرائم الاستبداد تسرع تقدم الحرية وتقدم الحرية تكثر جرائم الاستبداد.. فالثورة هي ردة فعل عنيفة صنع عنفها المتزايد في سنوات قليلة عمل قرون طويلة’. ومن هنا لا يمكننا الحديث عن ثورة إلا عندما يحدث التغيير ويكون بمعنى بداية جديدة لتكوين شكل مختلف للحكومة ولتأليف كيان سياسي جديد وإلا حين يهدف التحرر من الاضطهاد إلى تكوين الحرية (المساواة أمام القانون، الحقوق المدنية، الحياة والحرية والملكية عند كوندورسيه). ومن السمات البارزة للثورات العربية وجود عناصر مشتركة مثل المؤامرة، والصراع الطائفي أو الجهوي أو الطبقي وتحريض الناس على العنف والاضطراب وانعدام القانون مما يخرج بالنتيجة الكيان السياسي بأسره عن نهجه ومساره وأخيرا وليس آخرا الفرص التي تتيحها الثورة للقادمين الجدد الذين يتحولون من ظروف الاضطهاد إلى أبهة الميدان العام ومن موقع المستعبد الذي يعاني الإقصاء إلى السلطة التي كانوا يرزحون تحتها سابقا.

الثورة والدولة: بداية يمكن التأكيد أنه لا يوجد نموذج واحد للثورة وإن كانت تشترك في جوهرها من حيث هي تغيير قام على العنف للانتقال إلى شكل جديد من النظام السياسي. حيث تختلف المسارات الثورية باختلاف السياقات التاريخية والظروف المسببة للثورة اعني من حيث تفاوت العوامل التي ذكرناها آنفا في اندلاع الثورة وفي تحديد مسارها. وعلى هذا الأساس قد تؤدي الثورة إلى انهيار الدولة وهو ما يفضي إلى تحولها إلى الفوضى أو قد يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة من الاستبداد بحيث يمكن القول إن العنف وحده لا يكفي لوصف الثورة وإنما التغيير هو الوصف الأجدر بها. ويمكن في هذا السياق أن نلاحظ أن السياقات العامة للثورة (أي ثورة) قد تفضي إلى نمطين من التحول الثوري:

أولا: الثورات التي تعتمد العنف في التغيير وفرضه على الواقع القائم من اجل خلق واقع جديد وهذا النمط من الانتقال السياسي الثوري يتميز بالشروط التالية:

ـ وجود قوة سياسية مهيمنة تدفع نحو العمل الثوري في صورته القصوى ومن ثم إلى إقصاء باقي القوى الأضعف المشاركة في الثورة (النموذج الإيراني والنموذج البلشفي). ـ يتميز السياق الثوري في شكله العنيف بالرغبة في الاستحواذ السريع على كل مراكز السلطة عبر الشرعية الثورية. (الطريقة البلشفية في الهيمنة على الدولة)ـ قد يؤدي هذا النمط من الانتقال السياسي إلى إفراز سلطة دكتاتورية ثورية (دكتاتورية البروليتاريا عند لينين ودولة المستضعفين عند الخميني). ـ إذا فشلت القوى الثورية المشكلة للثورة في التوافق سواء بسبب الاختلاف الإيديولوجي أو لغياب حزب قائد يحسم الصراع لصالحه قد يفضي إلى انقلاب عسكري بوصف الجيش القوة الأكثر تنظيما (النموذج النابليوني). ثانيا: الثورات التي تعتمد نموذج الانتقال الديمقراطي (كما حصل في تونس وأيضا في مصر) ويتسم بالخصائص التالية:

ـ يحصل التحول الديمقراطي نتيجة توافق سياسي أو بسبب وجود نمط من توازن الضعف بحيث لا يوجد طرف قادر على حسم نتائج الثورة وتجييرها لصالحه.

ـ يمثل هذا النموذج المسار الأسلم في التغيير من حيث محافظته على هيكل الدولة وإقراره للحريات واعتماده الشرعية الشعبية الناجمة عن الانتخابات بديلا للشرعية الثورية.

ـ يسمح هذا النمط من الانتقال السياسي ببناء دولة المواطنة ويقوم على التسامح بمعناه السياسي (وليس الأخلاقي) أي القبول بالآخر بوصفه شريكا والتحول من منطق المغالبة إلى منطق المشاركة.

ـ لمثل هذا النمط من الانتقال السياسي بعد الثورة مساوئه وأبرزها منح الفرصة لقوى الثورة المضادة بإعادة ترتيب صفوفها ومحاولة العودة للسلطة مستفيدة في ذلك من وجود حضور قوي لها في هياكل الدولة (محاولات فلول التجمع الدستوري في تونس إعادة التشكل في ظل قيادة الباجي قايد السبسي، واحتشاد فلول مصر حول أحمد شفيق). ـ بقاء الهيكل الإداري للدولة على حالته الأولى يسمح لها ككيان بمحاولة الاستحواذ على الثورة والاندماج فيها ومنع أي محاولة للإصلاح بقدر الاستطاعة وهذا ما يفسر بقاء الفساد في الإدارات وفي الإعلام العمومي مثلا.

ـ عجز القوى الثورية عن الإصلاح الجذري باعتبار أنها تتصرف ضمن إطار القانون وليس خارجه أي تظل الشرعية مرتهنة باحترام القوانين السائدة على علاتها وليس من خلال الفعل الثوري الذي قد يكون عنيفا.

على سبيل الخاتمة: إن ما جرى ويجري في الساحة السياسية يقتضي يقظة عالية من القوى الثورية الجديدة وحرصا على عدم التحول إلى مجرد قوة سياسية تغلب منطق التوافقات على حساب تحقيق التغيير الثوري المنشود.

غير أن الحراك السياسي وعلى الرغم مما يعتري الساحة من فوضى وتضارب مصالح وتداخل بين القوى المختلفة لا يمكن أن يؤدي في النهاية إلا إلى تغلب منطق التغيير على حساب منطق التصالح والاكتفاء بالتحولات الجوفاء التي قد تفقد القوى الثورية حاضنتها الشعبية.

وهذا أمر لا يضمنه سوى تحول الثورة إلى فعل شعبي من خلال دفع اكبر قدر من الناس إلى المشاركة السياسية وخصوصا تفعيل دور المجتمع المدني (جمعيات، أحزاب، منظمات، نقابات) لتصبح الثورة إرثا مشتركا وأرضية لا يمكن الانقلاب عليها أو التراجع عنها.’ كـاتب من تـونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية