الثّورة: الكوابيس والأحلام الميّتة

حجم الخط
0

فتحي العكرميالكابوس هو اما يقع على النّائم باللّيل لا يقدر معه أن يتحرّك’، هذا التعريف اللغوي ينسحب على المواطن العربي بأن نُضيف له ما يقع عليه نهارا وأينما ولّى وجهه مُغتربا في وطنه ومُحاصَرا بكل أدوات المراقبة والمعاقبة. مأتى استحالة حركة المواطن العربي ـ حتّى في نومه- هو تحويله إلى عبد تُفتكّ منه أحلامه ويتمّ تعويضها بكوابيس تكبّله وتمنع عنه االرّؤيا التي هي من عند اللّهب وتُعطيه احُلما هو من الشّيطان’، أو في أفضل أحواله يحلم المواطن فيرى للحاكم رُؤيا أو يراه في النّوم، فهو القابع في لاوعينا الفرد والجمعي إذ هو صَنع بأدوات القمع والإكراه والتّوجيه صورة ناصعة البياض تمّ تجميلها بعمليّات متكررة من صبغ الشّعر إلى إنقاص الوزن ليبدو جميلا في الحُلم ومعشوق الملايين في الواقع وفي مزرعته التي يُوزّع فيها على عبيده العدل والمساواة والخير والقِيم الإنسانية فهو يخجل من أن تعثر دابّة في مملكته نظرا لفورة ضميره التي لا تنضب ولاهتمامه المستمرّ بالدَّولة (جاءنا بالدُّولة أي بالدّاهية)، وتُدال فئة على أخرى تسيطر وتغلب كما في الثورة أين استعاد الفرد والشّعب ما سُلب منهما ولو إلى حين.1 ـ بداية الحلم: من رحم المعاناة ومن داخل مأساة لا تنقطع ـ في اليقظة والمنام- ثَار المواطن اهاج ومارس الوثبَ السّطوعب وتمرَّدَ ‘الفرد زمانا بقي أمرد’، فاللّغة ذاتها تحفل بمعاني سلبيّة للحلم وللثورة وللتمرد فكأنّنا بها تتنبّأُ بمسار مُربك للثورات وفي أحسن الحالات لا يستقيم إلاّ بعد جهد وصبر وصراع تُضاف إلى تاريخ معاناة المواطن العربي.

على الرّغم من كلّ ذلك فتحت البلاد مسافة جديدة من الحُلم لم يعد الحاكم حاضرا فيها بل أصبحت تجسيدا لرغبة مفرطة في التحرر من نمطيّة القَهر ومن تحكّم حِسابيّ في الأرواح والأجساد والمشاعر والأحلام. فرغم آليات التجهيل والتّفقير والتّخويف والتّشريد التي مارستها السُّلطات ذ ومنها التّسلّط والإلزام والإكراه والتّوجيه والرّقابة والعِقاب ذ أدرك المواطن أنّه يحيا وضعيّة لا تُوصل إلى شيء أو إلى الهاوية، فغيّر هواه إلى الحرية فتهاوى صَنم القداسة التي كان يُحَاط بها المُتحكّم في الدولة. في جهة ما من بداية تكوّن الثّورة يوجد وعي فردي ذ جماعي أو حتّى إحساس بتكثّر (فهو كثير ولكن كثرته تزداد مع الوقت) التسلّط وانتشار الفساد الاقتصادي حيث أضحت الدّولة مِلكا لبعض الأفراد الحاكمين المالكين، تزامن هذا مع أدوات إعلامية وتربوية ودعائية واشهاريّة وثقافيّة وفنّيّة تطمس الحقيقة ومعها المواطن الذي فرضوا عليه أوهاما تتبعه أينما ولّى. من هكذا وضعيّة انطلق الهيجان (الثّورة) والوثب غير أنّ الخطوة التي تلي ذلك كانت موغلة في الضّبابيّة فتمّ الانتقال من حلم جميل بدأ يتكوّن إلى أحلام اليقظة حيث ارتمينا في أحضان مجهول لم تتشكّل ملامحه بعد.2 ـ أحلام اليقظة: انفتح الواقع بعد الثورة على وضعيّة تقوم على الصراع الإيديولوجي بين أحزاب سياسية تحمل في لاوعيها إعادة تجربة جديدة في التسلّط فهي تبحث عن شكل جديد مُبقية على الجوهر بما أنّ تاريخنا العربي يتيم من الحرّية والعدالة والتداول على السّلطة لذلك فهي تُصارع لإقصاء بقية الأحزاب لتنفرد كالحكّام السّابقين بالدّولة أو المملكة أو الخلافة وقد تكون العودة إلى القبيلة رهانا مطلوبا لدى البعض وتجسّد ذلك في الصراعات بين جهات وعائلات داخل الدولة الواحدة. اصطدم المواطن بوضعيّة جديدة يرى فيها مُنجَزه الثّوري وقد أُفتُكّ منه وأهدوه مقابل ذلك مزيدا من الفقر والغلاء وكبت الحرّيات والبطالة بعد أن أرته الأحزاب في حملاتها الانتخابيّة االجنّةب التي تنتظره بعد أن تعتلي مباشرة سدّة الحُكم. مع كل هذا يعاين المواطن الذي أصبح مُعاقا وأهل من قدّموا أرواحهم هديّة للحكّام الجُدد تجاهلا أو احتقارا لأنهم أيقظونا من الكوابيس التي تعوّدنا عليها حتّى أصبحت جميلة لا يكون النّوم ممكنا إلاّ بحضورها وأبعدونا عن االوهم الذي يدومب. وبما أنّ السُّلط السّابقة قضت على المخزون القِيَمي (الأخلاقي والمعرفي والفنّي والسياسي) للمواطن واستبدلته بتصوّر صنعه الإعلام والمناهج الدراسية يتمثّل في أنّ القِيم لا معنى لها لأنّها لاتُنتج مادّيّا، فالحاكم وحده هو الذي يُوفّر الغذاء ليس من اكتفاء ذاتي بل ممّا تهبه أو تبيعه الولايات المُتّحدة فتصبح المزرعة بحاكمها ومن يتحكّم فيهم مرتبطة بتبعيّة كاملة للغرب. هذا الفقدان للقِيم وفي أحسن الأحوال انحسارها المُفجع يقطف ثماره المواطن الآن فهو لا يطلب من الحزب الذي يحكم أو الذي سيأتي لاحقا -إذا تغيّرت ثقافة الحُكم بقدرة قادر- سوى العيش الكريم بتوفير الشغل وبانخفاض الأسعار، لكن هل أنّ ذلك هو الرّهان الثّوري الوحيد؟ ألم تكن الحرّيّة هي القادح الأساسي لكل عمليّة اهيجانب في كل تاريخ الإنسانية؟ في ظلّ هذا التداخل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقِيَمي تنتظر الدّول الجديدة أو المملكات قضيّة لا يمكن استمرارهم في السّلطة دون الالتفات إليها طوعا أو كُرها وهي القضيّة الفلسطينيّة إلاّ إذا أعادوا نفس منهج سابقيهم أي العودة إلى أحضان الولايات المتحدة غير أنّ الشّعوب بدأت في التدرّب على ثقافة جديدة ووعي مناقض لما كرّسه السّابقون يتمثّل في إدراك أنّ وجود الدّولة يتفاعل جدليّا معها إقليميّا وعالميّا، ومادام حلّ هذه القضيّة مُعلّقا أو مُؤجّلا فذلك يعني عدم الاستقرار. 3 ـ لكي لاتموت الأحلام أوشروط التحرّر: في وضعيّة تتميّز باختلافات وصراعات اجتماعية وسياسية واقتصادية وإيديولوجية يشترط المحافظة على وهج الثورة لتكون مُنتجة الوعي بأنّ:- الثّورة ليست فعلا يوميّا بل هي نتاج تراكمات أي هي ثقافة لا تتكون إلاّ بعد قرون، وإضاعتها اليوم معناه الانتظار لغودو الذي لن يأتي أبدا وإذا جاء فبعد قرون بعد أن يصبح الاستبداد في طاعنا في السّنّ. – تفعيل العقل الذي هو ميزة الإنسان الحرّ لبناء دولة ليست مِلكا لحزب أو إيديولوجيا معينة. بل هي الفضاء الذي يضمّ الجميع على اختلافهم الذي لا يجب أن يصل إلى الصراع بما أن القانون هو الحدّ بين الفعل الحرّ وبين الفعل غير الشّرعي واللاّمشروع والفيصل بين الجميع.- بناء ثقافة مغايرة تتمثّل في اعتبار المواطن الفرد هو جوهر الدّولة فهو الذي يبنيها وهو ذاته من يعيق تطوّرها، فالعمل الفكري أو العضلي هو صانع استقلالية الدولة واستمراريتها.- اعتبار كرسي الحُكم ليس أداة لتجميع الثروة وللتوريث بل هو وسيلة لخدمة المواطن والدولة فهو تكليف وليس تشريفا.- تأسيس ثقافة الاختلاف فالآخر المُختلف اليس عدوّا وليس عائقاب بل هو شرط إمكان تواصل الدولة والحياة ذاتها.- الاستفادة من التاريخ الذي علّمنا أنّه لا يمكن للعروش أن تدوم واذا أرادت ذلك فان الشّعوب ترفضه جذريّا اأين الأكاسرة الجبابرة الأُلى / كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقُوا؟’.- الوعي بأنّ المُنجز العربي العلمي والمعرفي والفقهي الذي صنعه المُبدعون العرب حان الوقت ليستعيد بريقه بعد أن قتلته العولمة وطمسه المُستبدّون لتكون التّبعيّة كاملة للغرب.’ أستاذ أول في الفلسفة وكاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية