الجابري بين وجاهة الرّؤيا وجرأة النّقد (طرابيشي وأدونيس)

حجم الخط
0

عبد الحفيظ بن جلوليتمثّل الأدوات التي تبرهن على جدوى الوجود الإنساني أهم العناصر إصرارا على الحضور في مخاض فاعلياته المستمرّة، والتي لا تنقطع إلا بانقطاع الإنسانية في تمثل الحياة كمسرح لتحقيق الجوهر الوجودي أو الكينونة المميَّزَة، وحركة الكينونة تتجلى في مظهرها الأبسط في محاولة التثبّت من الوجود في العالم ومن ثم تعقّل العالم، بمعنى فهم واستيعاب ميكانيزمات حركته ومآلاتها نحو الكشف عن التمظهر المنطقي للتواؤم الكوني، والدقة المتناهية في اشتغالاته ضمن حالة الخلق البنيوي الخالص للكيانات، والتي ينتمي إليها الإنسان ككائن عاقل.

يصدر الجابري في طلائعياته الفكرية عن إحساس بالانتماء إلى فضاء جغرافي يمتدّ داخل حنينية قومية، لكنّه يتشكّل ضمن تحديد منهجي يستلهم الجغرافيا القريبة في تواطئاتها الخفية والظاهرة مع حركة العقل الفاعل فيها، الذي يؤثر نظريا في الأبعاد الناظمة للأنسجة الحيوية المفجّرة للوعي بالعالم، فهو يؤكد في حواره الذي جمعه مع المفكر المصري الدّكتور حسن حنفي، ـ حيث طُلب من كليهما التحدّث عن المشرق والمغرب، ونُشر ذلك على صفحات مجلة ‘اليوم السابع’، ثم بعد ذلك صدر في كتاب بعنوان ‘حوار المشرق والمغرب’ ـ، على أنه قال في نفسه: ‘لماذا لا نعكس الأمر فنكلّف الكاتب المغربي بالكلام عن المشرق وباسمه، ليتولى الكاتب المشرقي بدوره الكلام عن المغرب وبالنيابة عن أهله’، فالجابري من هذا المنطلق يؤطّر فضاءه الحفري ضمن جغرافية معيّنة أسهمت في ترسيم حدود المنجز العقلي القومي، وإلا ما راح يبحث عن ذاته في مرآة الآخر القومي ليكتشف عمقه الفكري والجذر المعرفي المشترك في متوالية العقلانية العربية الباحثة عن ذاتها، ومن خلال فكرته تلك، إنّما يهدف إلى محاولة الكشف عن علاقة المنجز الفكري المغربي بمثيله المشرقي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يحاول قراءة مغربيته أو مجال بيئته الفكرية الحاضنة من خلال المرآة الفكرية العاكسة (حسن حنفي)، وهو ما يحقّق إعادة تلاحم البنيات التي فقدت تراسلها التاريخي.

يعتبر التّحديد الجغرافي ابتداء، في قراءة الجابري، مفتاح السر لولوج فضائه الفكري، وهو ذات العنصر الذي يذهب به المفكر جورج طرابيشي بعيدا في تأسيس مؤاخذاته النّقدية عليه، حيث يرى في ناحية من نواحي مشروع الجابري استمرارية لعبد القادر البغدادي في توصيف الفرقة النّاجية، والتي ما هي في مشروع الجابري سوى ‘الفرقة المغربية/الأندلسية’، ففي ‘تكوين العقل العربي’، يشير الجابري إلى أنّه ‘باستثناء التّجربة الأندلسية التي كانت مؤهّلة حقّا لطرق آفاق جديدة بسبب ما حقّقته من قطيعة مع علم الكلام وإشكالياته ومع الفلسفة السّينوية وميولاتها الإشراقية، وأيضا مع المذاهب الفقهية وقياساتها، باستثناء هذه التّجربة التي سرعان ما اختنقت فلم يتردّد لها أي صدى داخل الثقافة العربية، فإن الزّمن العربي قد ظل هو هو مند عصر التّدوين..’. تمثل الأندلس والفضاء المغربي في سلسلة الحلقة الحضارية العربية استثناء موضوعيا يتعيّن من خلال: المحدِّد الجغرافي واشتغالات العقل.

على مستوى المحدِّد الجغرافي، تقع الأندلس خارج حدود فضاء الجغرافيا القومية العربية الممتد من الخليج إلى المحيط، بما يعني انفتاح الحركة الفتحية العربية تاريخيا على مشهدية سوسيو/ ثقافية مختلفة فجّرت داخل دائرة العراقة التاريخية، أو ما يعرف بعبق التاريخ، تساوقا بنيويا بين العراقة والتنوّع، لذلك نجد المدن الأندلسية مدن مفتوحة، خلاف المشرقية التي يميّزها ثقل التاريخ، وبالتالي تتأسّس مدنا مغلقة، وهذا ليس تصنيفا تراتبيا لتحديد أولوية حضارية أو تمايزا أنطولوجيا، بقدر ما هو معيار لتوضيح الخصوصيات، فالمدن المفتوحة يستشعر فيها العقل انبثاقاته التّلاقحية، نتيجة الحضور القوي للآخر المختلف، المهيّأ للتفاعل عبر آلية الفتح الحواري، المؤسَّس خارج ثقل التاريخ، بينما المدن المغلقة، المترعة بعبق التاريخ، تتاح فيها للوجدان لحظة هيامه ومتنفّسه، وهذا ما نستشعره خلال حركة الذات داخل الفضاءات القاهرية أو البغدادية أو الدّمشقية، ولعل ذلك ما يفسّر الرّغبة والسّباق نحو تفكيك البنية الحضارية داخل هذه المدن من قبل القوى المهيمنة.

أمّا على مستوى اشتغالات العقل، فابن رشد أسّس لعقلانية عملية، ساهمت في إبراز تيار الرّشدية اللاتينية، نقلت العقل من التّناقضات الأرسطية في علاقة المادّة بالجوهر، حيث ترى زوال المادّة وخلود الجوهر، وبذلك تعيد إنتاج السجال حول المذهبين المثالي والمادّي اللذين جاءت أساسا لتهدمهما، ففسحت الفلسفة الرّشدية بابا لولوج الصّورة فضاء المادة، وذلك عن طريق البحث عن حقيقة الصورة في عالم المادّة.

أنتج الفضاء الأندلسي علمية ابن خلدون التاريخية والإجتماعية، كما أنتج شعرية الموشّح والزّجل، وبذلك يكون الأندلس قد حرّك حوض الشعر الرّاكد بخلق أنماط شعرية جديدة، تتدفّق خصوصيتها من خصوصية الفضاء المتنوّع الذي أنتجها، فالشّعر ظل على نسقه النّمطي المعروف منذ العصر الجاهلي، وظلت العصور البعدية الأموية والعباسية وفيّة للنّمط السائد إلى أن انبثقت الخصوصية الشّعرية الأندلسية.

يلبّي تحديد الجابري الجغرافي لفضاء حفرياته الفكرية المتعلقة بالعقل العربي، وخصوصا وأنه يشتغل على التراث، الرّغبة في تحقيق الإنسجام مع الموضوع، الذي يتطلب براءة قرباتية بين الذات وحدود مواضعاتها الأطروحاتية، ‘لأنّ ما نحن عليه من اشتراك مع التراث الذي ننتمي إليه هو الذي يحدّد أفكارنا المتخيّلة ويقود فهمنا’، كما يوضّح غادامير في فلسفة التأويل، وبهذا أستطيع أن أقول بأنّ، التّحديد الجغرافي لم يكن ذا طبيعة استثنائية إقصائية، ولكنّه استثناءً أمْلتْه الضّرورة البحثية في علاقتها الموضوعية مع الذات.

يرتبط النّقد بالمكوِّن، فنقد الموضوع هو نقد مكوّناته، بمعنى أنّ نقد العقل، نقد لمكوّناته، أي العناصر التي يدرك بها العقل العالم، وهو ما تكشف عنه البنية العتباتية لمشروع/ رؤيا الجابري، فقراءة تفكيكية لمضمون عناوينه، تهب العقل الباحث مسلكا منهجيا لفهم مشروعه، حتى إذا أحصينا بعض عناوين مشروع الجابري، نستطيع أن نستخلص هرما رؤيويا يحيط العقل قصد الكشف عن أسس انبثاقاته، ومن ثم العوامل المؤثّرة فيه سلبا وإيجابا.

ومخطط مشروعه يتكوّن من: تكوين العقل العربي/ بنية العقل العربي/ العقل السّياسي العربي/ العقل الأخلاقي العربي/ ومدخل إلى القرآن الكريم.

إنّ التّكوين يتعلق بنسيج الموضوع، والبنية تتوافق وتصوّر الهيكل، أي ظاهر الموضوع، فبعد أن يشتغل الجابري على تفكيك نسيج العقل وبنيته، ينتقل إلى مستوى التّمظهر الأساس للعقل الذي يؤثّر في حركة الذات العاقلة في التّاريخ، ولعل المظهر السّياسي يرتبط ببراغماتية إجرائية لعلاقتها المباشرة بجدليتي الحق والواجب، وهو ما قد يفسّر اختلاف العناصر المكوِّنة بين المستويين، حيث البنية والتّكوين يشتغلان على ما هو نظري لارتباط المفهوم بالتّشريح الجوهري للموضوع، فتأسّست العناصر ـ (البرهان والبيان والعرفان) ـ في هذا المستوى طبقا لطبيعة العقل الماهوي، بينما تغيّرت عندما عيّن طبيعة العقل، السياسي، فسمّى المحدّدات المتمثلة في القبيلة والغنيمة والعقيدة، والتي تتماشى مع الإجرائية اللازمة لحركة دواليب الواقع، وهو ما لم يستسغه جورج طرابيشي، حين يرى بأنّه ‘لو كان البيان أو العرفان أو البرهان نظاما معرفيا ثابتا للعقل العربي لكان العقل السياسي العربي خضع للتحديد نفسه’. يبرهن الجابري على مدى توهّج برنامجه الحفري حينما يمتثل لسياق العقل في انتصاره لإحاطاته الدالة على وجوديته، حيث يمثل المنحى الأخلاقي العنصر المغيّب تاريخيا في مسار الفعالية العقلية العربيّة، فوقوفه عند ‘العقل الأخلاقي العربي’ يعتبر دلاليا العتبة الموصلة إلى قراءاته في القرآن الكريم، وبالتّالي يكون قد أسّس لمشروعه وفق حلقة نقاشية دارت في أعماقه الشعورية واللاشعورية من حيث البناء المنتظم لحركة الأفكار، كونه يصل في النّهاية إلى المُسَلَّمة الدّينية التي يعيب عليه أدونيس أنّه انطلق منها، بينما كان الأجدى أن ينطلق من نقدها، حيث يعتقد بـ ‘أنّ الإنطلاق من المسلّمات القائمة في التراث لا يؤدي إلى فكر خلاق وإلى فكر حقيقي’5، ولذلك فهو يثمّن أعمال الراحل محمد أركون لأنّه يتناول النصوص التأسيسية، وأدونيس بهذه الرّؤية يهدم المشارعية لدى الجابري وطرابيشي على أساس أنّ كلاهما لم يتطرّق إلى ما يسمّيه ‘نقد المسلمات’، أي مساءلة النص المؤسِّس، وبالتالي تصبح قراءة طرابيشي ـ حسب أدونيس ـ ليست ذات جدوى، كما يؤكّد في حواراته التي أجراها معه صقر أبو فخر، إلا المأزق الذي تفرزه هذه الرّؤية يقع على عاتقه سؤال المسلّمات في التراث أو في العقل المكوِّن للذات الصّائرة في تاريخيتها إلى تفكيك أو إضاءة عناصر وجوديتها، فيصبح النص المؤسِّس مرافقا محرجا للوجودية، ‘لأنّ دلالة البحث التأويلي هي الكشف عن معجزة الفهم’ كما يثبت غادامير في ‘فلسفة التأويل، حيث تنبثق إوالية الحوار من خلال ما يقتضيه الفهم من عملية تفاهم، وعليه تتأسّس الحوارية بين الذات السّائلة والنص المُساءَل، كمحاولة لإعادة اكتشاف البرنامج الحيوي داخل النّسق التراثي، وهو ما شغل فكر الجابري في كتابه ‘مدخل إلى القرآن الكريم’. وبالتالي نقد المُسلّمة أو النص المؤسّس لا يعني التجاوز أو الإماتة، أي الإزاحة قصد الإحلال، لأنّ النص المؤسِّس يمثل بمفهوم ريجيس دوبري ‘المبدأ اللاّمرئي’، الذي يساهم في تمتين روابط وحدة جماعة بشرية معيّنة، وهو ذات ما تنبّه إليه الجابري في حفرياته التي طالت أنساق التّراث والثقافة العربية المؤهّلين تاريخيا لامتلاك القدرة على ترتيب النّسق الوجودي الإحالي على مضامين الرّاهن والحداثة، ولعل الهيكل البحثي التنظيري القائم على الكشف والإحاطة والنّقد والإنتاج، ينطرح ضمن الوعي العتباتي لدى الجابري، فعتبات العناوين في أطروحة نقد العقل العربي هي المؤسّسة للوعي القرائي النّاجز سواء لدى المتلقي أو عن طريق التصوّر المسبق لدى المفكر.

يبقى الفكر النّقدي هو المانح الوحيد للشجاعة الأدبية للمفكر، والمسلك المعتبر لإعادة اللحمة بين الذات العارفة والواقع الذي تنجز له الرّؤى، حيث تنبثق فعالية المراجعة، التي اعتبرها جورج طرابيشي تناقضا من حيث تثمين الجابري لعلمانية الفلسفة بالأندلس في كتابه ‘نحن والتراث’، ثم تراجعه في حواره في ‘اليوم السابع’ ودعوته إلى حذفها من القاموس العربي واستعمال شعار ‘العقلانية والدّيمقراطية’، والموقف ليس تراجعا بل مراجعة تمنح المفكر المصداقية داخل الأوساط الطلائعية التي تريد اكتشاف ذاتها داخل عالم يتحوّل نحو التكتلات الإقليمية والدولية منتجا إيديولوجيات الهيمنة ومحو الخصوصيات، ومع ذلك، تبقى إضافة طرابيشي النّقدية إسهاما موضوعيا هادفا، يحدّد ليجلّي، ويشير لينزع الغطاء عن متداول الفكر العربي في لحظته الرّاهنة، وعليه يكتسب مشروع الجابري أهميته من خلال ذلك الشعور التنبيهي الذي أوجده داخل عقول كيانات فكرية ورؤيوية كجورج طرابيشي وأدونيس. كاتب وناقد جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية