الجابري ومحنة التراث

لا يمكن لسؤال الفلسفة إلا أن يكون سؤالا مصيريا، لأنه يتعلق باللوغوس، أي العقل، فمن خلاله يصبح الإنسان إنسانا، بمعنى يصبح حيوانا ناطقا، وكلما اختلفت الفيلوسوفيا اختلف معها اللوغوس. وعلى نحو أعمق، فالفلسفة وحدها لوغوس يشير إلى الواقع الموجود أمامنا، وعندما نكون في حضرة الواقع مباشرة، لا في حضرة معناه، نحتاج إلى علم العقل، من أجل التساؤل، إذ لا خير في أمة تُحرّم السؤال وتقمع العقل، وترهب الفلاسفة، وتقوم بحرق الفلاسفة بالنار.
ثمة نداء لحقيقة الوجود، لم يسمعه سوى ابن رشد، وحين سمعه قام بصياغة سؤال ما الفلسفة؟ تلبية للنداء، ورغبة في معرفة ما هي أكثر الأشياء إثارة للدهشة: «وهكذا كان في القدم، ويكون الآن، وسيكون للأبد، السؤال عما هو الوجود؟ هو السؤال الذي تنحو نحوه الفلسفة، وتخفق المرة تلو المرة في الوصول إلى الإجابة عنه». ومع ذلك يتشبث ابن رشد بالأمل، معتمدا على أن ماهية الفلسفة هي معرفة نظرية بالمبادئ والعلل الأولى. ولعل هذا ما منعه القدرة والمهارة على توجيه النظر نحو علم الوجود بما هو موجود، وتناوله بالعقل النظري. وجعل من حديثه حديثا فلسفيا على الحقيقة، لأن مهمته تجاوزت رغبة أمير المؤمنين. والشاهد على ذلك أن تفسير كتاب ما بعد الطبيعة لن يفهمه هذا المسلط، ولو ظل يجاور ابن رشد حياته كلها، فقدرته على الفهم لا تتجاوز تلك الرسائل، في حفظ الصحة وتقوية الشهوات. لكن متى تكون الإجابة عن سؤال: ما الفلسفة؟ إجابة متفلسفة ولمن تكون هذه الإجابة نعمة؟ هل للخليفة الموحدي؟ أم للمجتمع العلمي؟
كان على الجابري أن يدخل في الفلسفة الرشدية دخولا يتيح له تأمل ماهيتها، وبذلك يضع حدا لهيمنة أمير المؤمنين على التراث العقلاني، لأنه لا يستحق ذلك المدح الذي صدر عن الجابري، بدون أن ينتبه إلى أنه أساء للعقل المغربي الأندلسي، فلولا القمع الذي تعرض له من قبل الطائفة الموحدية، لكان حواره مع الفلاسفة في ما يقولونه مستمرا، فالذي يأمر بحرق كل الكتب الفلسفية، ونفي الفيلسوف، ينبغي أن يتهم بجريمة ضد الإنسانية، إنه مجرم الفلسفة، الذي ضحى بالعقل من أجل نزواته الحيوانية، ربما لأنه كان إنسانا غير عاقل، أي حيوانا يفتقد النطق.
نحن إذن أمام تحد كبير، لا يمكن أن يكون سوى هذه المعادلة: إما أن تكون الفلسفة أو لا تكون. فالفلسفة كانت ولا تزال وستظل كذلك، لأنها منذ أرسطو وابن رشد حتى الآن هي نفسها: «لأن التحولات ما هي إلا ضمان للقرابة وللنسب فيها هي نفسها». فإذا كان التعريف الرشدي لمحبة الحكمة، هو نتيجة حرة لفجر الفكر، فإن الخليفة الموحدي أراد الإعلان عن أفوله في شفق العدم، لأن من يأمر بإحراق كل كتب الفلسفة كان هدفه حرمان هذه الأمة من تراثها العقلاني، ووضعها هدفا للجهل، فمن يحكم على أمته بالجهل لا يستحق الاحترام والتبجيل الصادر عن الجابري. إننا ونحن نقول هذا الكلام، نسلم بضياع عشرة قرون من تاريخنا، فالانحطاط الذي عاشته هذه الأمة الأندلسية، كان سببه هذه النكبة التي أعلنها الخليفة الموحدي، فدولة الخلافة لا يأتي منها سوى البؤس الحضاري، والانحطاط الفكري، والتاريخ يكرر نفسه في تلك الأمم المخدرة، ولذلك أخشى انبعاث ميثولوجية الخلافة من جديد.

فالفلسفة كانت ولا تزال وستظل كذلك، لأنها منذ أرسطو وابن رشد حتى الآن هي نفسها: «لأن التحولات ما هي إلا ضمان للقرابة وللنسب فيها هي نفسها».

يقول هايدغر نحن الألمان لا نجيب عن السؤال ما الفلسفة، بل نستجيب: «إن الإجابة ليست ردا بقدر ما هي استجابة تستجيب إلى وجود الموجود.. فحصولنا على الاستجابة قبل أن نقيم نظرية عنها». لعل هذا الاكتساب لما سلمه التاريخ للأمة الألمانية، ساهم في تشكيل روح الأمة، ولذلك لم يتحدث هايدغر عن نعمة الإمبراطور الألماني، ودوره في نشأة الثورة الفلسفية والنهضة الفكرية والعلمية، بل مارس النبذ والتهديم: «والتهديم لا يعني التحطيم، بل يعني التفكيك والتصفية والتنحية جانبا للتقريرات التأريخية البحتة عن تاريخ الفلسفة، التهديم يعني أن نفتح آذاننا، أن نجعل أنفسنا منفتحين لما يحدثنا به التراث، من حيث هو وجود الموجود، وبالاستماع إلى الحديث نحصل على الاستجابة».
إنها الحقيقة الرائعة، وتجلياتها في هذه العلاقة الأنطولوجية بين التهديم، والتراث والاستجابة، فإذا كان التهديم يعني أن نفتح آذاننا لنداء التراث، فإن التراث ليس سوى وجود الموجود، وبالاستماع إلى ندائه تحصل الاستجابة، المتحققة تحققا صريحا تنطلق بقدر ما تأخذ في اعتبارها نداء وجود الموجود، وبعبارة أخرى: «إن الاستجابة إلى صوت النداء، وما ينادينا بوصفه صوت الوجود يستحضر استجابتنا ويستدعيها». فالفلسفة ليست وحيا نبويا انتهى بانتهاء الرسالة، بل هي مجرد استجابة لنداء التراث، من حيث هو وجود الموجود، ولمعرفة هذا الوجود، لا بد من التساؤل ما وجود الموجود؟ وسيكون من الضروري العودة إلى ابن رشد الذي استجاب لنداء التراث، وحدد ماهية الفلسفة بأنها علم الموجود بما هو موجود. وقدم نظرية عميقة لهذا العلم في كتابه تفسير ما بعد الطبيعة. ولم يذكر فيه فضل أمير المؤمنين عليه، بل قال في نهاته: «وهنا انقضى القول في هذه المقالة وبانقضائه انتهى تفسيرنا لهذا الكتاب ولواهب العقل والحكمة الحمد كثيرا».
واهب العقل والحكمة، لأنهما يرجعان إلى بعد من أبعاد الإنسان. ومن خلالهما يتم تشييد النهضة الفلسفية، لكن وحداني التسلط قام بقمع هذه النهضة، وأرغمنا على قراءة نصوص ابن رشد بلغات أخرى، لأنه كان يخشى أن يجعل الفيلسوف اللغة العربية تتناغم مع وجود الموجود، ذلك أن الوجود بما هو كوجود يحدد ماهية اللغة، وبممارسة العنف الديني توجهت إلى العدم من حيث هو عدم، أضحت اللغة خارج التاريخ تدير ظهرها للعلم والعقل. فالذي قام بقمع الفلسفة وقام بترحيلها من إمبراطوريته لا يستحق حتى أن يذكر، وبالأحرى التعظيم والإجلال، كما جاء في كتاب الجابري.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية