مع الحضارةِ العربية الإسلامية، في القرنين الثاني والثالث الهجري، بزغت تياراتٌ فكرية تـُعنى بالكلام ومنطقه وإجادته. وفي هذا الصدد كان لها كبير الأثر في حياة العامة، باعتبارها مذهبا من مذاهب فلسفة التأثير المباشر في السامع واستمالته. لذا حظي الفكر العربي باهتمام كبير من لدن الدارسين والمهتمين بالثقافة والأدب، خصوصا المنزلة التي احتلها علم الكلام في تاريخ الأدب العربي. فمنذ العصر الجاهلي كانت القصيدة، باعتبارها كلاما إنشاديا، حلقة تربط بين الشاعر والسامع. فما كان لديوان العرب إلا أن يبصم أمهات كتب النقد، في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، بأساليبٍ بلاغيةٍ وفنون تأثيرية وإقناعية يغتبط لها السامع، ويلين لها طرفه. ومنها القول إن لفن الإلقاء الشعري ميزة ً جمالية ًوتأثيرية ً، حيث ينبغي للشاعر أن ينطبق قوله الشعري مع واقع السامع. وفيها، حسب أدونيس، شرطُ تحقق الشعرية الجاهلية. إن للمتكلمين دورا في إرساء قواعد الجدل والمحاججة في الأدب، وإنشاء مقاييس علمية لذلك، لاسيما أن الأمة العربية تتهددها في وجودها وكينونتها أمم منافسة؛ الفرس والروم. كما أن حداثة النشأة، في ظل الدولة العباسية، فرض على المذاهب، التي تدافع عن عقيدة الشخص المتكلم، أن تجد موطئ قدم في خريطة العقائد الدينية المهيمنة على المشهد الديني والسياسي والأيديولوجي .
بفضل علم الكلام، الذي يوظف كدعامة للدفاع عن العقيدة في العهد العباسي، ظهر المعتزلة، مقابل أهل السنة والجماعة، وكان الجاحظ من بين رجالاتها، الذين رفعوا لواء المتكلمين لنـُصرة العقيدة، التي انحرفت بها الفرق نحو مهاوي التشدد والتعصب والشعوبية.
ولد الجاحظ في البصرة، واتصل بأهل العلم والحكمة، فكان «للمسجديين» أثرٌ بالغٌ في تلقيه العلم والأدب والنحو. كما أن اتصاله بكبار علماء اللغة آنذاك، من أمثال الأصمعي وأبي زيد الأنصاري، متـّن صلته بالعربية كلغة للحضارة والعلم. فضلا عن لزومه مجالس الأدباء في بغداد كابن وهب وابن الزيات، ساهم بشكل قوي، حسب حنا الفاخوري في كتابه «تاريخ الأدب العربي»، في دخوله عالم التأليف والكتابة من بابها الواسع، حيث إن الجاحظية، كفصيل معتزلي، من بين أهم ما تدعو إليه: الحرية في التفكير، وإعمال العقل عند التأويل. بهدف تنزيه الذات الإلهية من مشاركتها في الصفات والعلات. ولما كانت المعتزلة تؤمن بالحرية في الخلق والإبداع، وكانت الجاحظية تنهل من معينها القراح، فإن الجاحظ، بهذا، شق طريقه إلى الحرية في الأدب، كوجه من وجوه الحضارة، التي كان يتشوف إليها كبارُ رجالات الدولة العباسية. من أمثال: المأمون وابن الزيات والفتح بن خاقان وغيرهم، وبذلك ضرب الجاحظ عصفورين بحجرة واحدة؛ التجديد في الأدب من جهة، وتلميع صورة الدولة العباسية، التي حلت على أنقاض الدولة الأموية في الشام من جهة أخرى .
في هذا السياق، ما الحرية التي ينتصرُ إليها الجاحظ ُ؟
كان كتابه «البيان والتبيين» سراجا يضيء سماء تاريخ النقد العربي، لما يزيدُ عن أحدَ عشَرَ قرنا من الزمن. وكان هذا الكتاب، بالإضافة إلى كتب سابقة عنه، ثمرة مجهوداته الفكرية والعلمية المتحصل عليها، من خلال تردداته على مجالس الفكر والأدب. ولهذا أصبح «البيان والتبيين» من أمهات كتب النقد في تاريخ الأمة العربية، حيث شكّل معية كل من: «أدب الكاتب» لابن قـُتيبة، و«الكامل» للمبرد، وكتاب «النوادر» لأبي علي القالي؛ لبنات البناء المرصوص، حسب ابن خلدون، في فنون الأدب وأركانه. ترتبت عن هذه المنزلة الكبيرة، التي اعتلاها هذا الكتاب، أن أسال العديد من مداد الدراسات الحديثة حول قيمته التاريخية والأدبية. فهو عبارة عن مزيج من ثقافات الأمم المنافسة؛ الهند والروم والفرس، التي اندحرت عند أعتاب الأمة العربية، واعترافها اللامشروط بمدى تفوق الجنس العربي في الفصاحة اللغوية والبلاغة الخطابية.
كان منزع الجاحظ، في «البيان والتبيين»، منزعا عربيا صِرفا حيث استند، في استدلالاته وحججه للرد على الخصوم، على القرآن الكريم والحديث الشريف، بل جعل من ديوان العرب زادَه وذخيرته المعرفية؛ التي لا ينضب لها معين. فأيا كان الخطابُ الأدبي عند الجاحظ إنما هو مزيج من البلاغة والتاريخ العربي وغير العربي، وتحتل فيه الفصاحة قـُنة المقاييس النقدية والبلاغية، التي يعتمد عليها «البيان والتبيين». فالكلام ماهية البلاغة حسب حنا الفاخوري؛ لذا جعل الجاحظ من اللحَن والفأفأة والتمتمة والنحنحة وغيرها…عيوبا من عيوب الخطابة والبلاغة. وبمقتضى ذلك كانت الحرية، التي يطمح إليها الجاحظ، هي أن يتجاوز الخطيبُ كل هذه العلاّت، التي تفسد الكلام وتطيح بمقاماته، بل ذهب إلى حد قبول لـَحَن المتكلمين غير العرب، الذين ينعتهم الجاحظ بالمولدين، كمنتهى يصد به الباب في وجه غير الناطقين بالفصحى. ومن ثم كان له المرادُ وتحقق له المسعى؛ فعبّد الطريق نحو الأدب، الذي يجعل من اللفظ ومعناه والمطابقة بينهما مع مراعاة أحوال المتلقي، وسيلة للبيان والتبيين والإفصاح عن المعاني الواضحة في المناظرات والسجالات على عهد أمراء وخلفاء الدولة العباسية.
إن مطمح الجاحظ كان واضحا، لاسيما أنه استغل مفهومه للحرية بشكل من الأشكال؛ بهدف إثبات تفوق الجنس العربي على باقي الأجناس الأخرى، بلاغة ًوفصاحة ًوبيانا؛ لإظهار مدى تمكن العرب من فهم، واستيعاب مضمون خطاب التنزيل والوحي. فإذا رجعنا إلى ما أثارته إشكالية «اللفظ والمعنى» من خلافات في تاريخ الأدب العربي، سنجد أن الوجه الآخر لهذه القضية، حسب الجرجاني، تتمثل في العلاقة التي تربط بين البلاغة والفصاحة؛ فهل كل إنسان فصيح هو بليغ؟ أم هل كل خطيب بليغ يمكن أن نقول عنه إنه فصيح؟
فلما كان الخطابُ النقدي العربي يتجه نحو تأصيل الظاهرة البلاغية، انطلاقا من أمهات القضايا، التي خلّفها لنا تراثنا النقدي والشعري؛ «اللفظ والمعنى» و«الطبع والصنعة». بات من الواضح، أنها إرهاصات أولية؛ لظهور تيارات فكرية قائمة على تخير اللفظ المناسب في المعنى الأنسب. بمقتضى ذلك، لم يبق للأسلوبية إلا أن تعلن عن أن من بين أهم مبادئها وأسسها تعددَ الأشكال التعبيرية، رغم وحدانية الصورة الذهنية، أو تخير الشكل التعبيري المناسب للصورة الذهنية المناسبة. وبهذا التعاقد الصريح ظلت الإرهاصات الأولية للأسلوبية في النقد رهينة السجالات والخصومات، التي كان يخوضها المتكلمون، على عهد خلفاء بني العباس. يقول ابن منظور المعجمي في لسان العرب: يقال للسطر من النخيل: أسلوبٌ، وكل طريق ممتد فهو أسلوب، قال والأسلوب: الطريق والوجه والمذهب. فما كان لهذا التعريف، الذي أقر به ابن خلدون، إلا أن يرفع سجافة الغموض أمام الوسائل الكفيلة بضمان العبور الآمن إلى ضفاف المعاني، التي تؤمن أيضا وصوله إلى سامعه في ظروف حسنة.
إن من بين أهم المقومات والأسس، التي مهدت الطريق أمام الدراسات الحديثة في الأسلوبية، حسب عبد السلام المسدي، هي اختيار اللفظ كركن أول من أركان نظرية الجاحظ في الأسلوب، معتبرا إياه السدى؛ الذي يخيط لـُحمة البيان والاستبانة. فأيا كان الوضوح معبرا، رافعا المعنى درجات من الجلاء والاستبانة أمام السامع، إنما هو ينبوع بلاغي بامتياز، يبتغي خلق التواصل على أسس متينة وشفافة. فهذا ما دفع بالمسدي إلى التحري المستفيض لكتاب «البيان والتبيين»؛ لاستخلاص أهم تمظهرات البلاغة، التي رادفها الجاحظ، في غير ما مرة، بالأسلوب. ونجد في هذا المقام مفردات من قبيل: البيان والفصاحة والصناعة والقوام وغيرها… وهي استعمالات خامة ستتبلور في ما بعد؛ لتأخذ شكلها النهائي في الدراسات الحديثة.
«البيان والتبيين» كتاب في النقد، أرسى الأسس المتينة لنظرية «الأسلوبية» في الدراسات الحديثة، فعلى غرار ما فعله تزيفتان تودروف ومواطنته جوليا كريستيفا عندما نقلا الموروث الثقافي والفلسفي الشكلاني إلى الجامعات الفرنسية، حاولا أن يحافظا على جوهر الأدب المتمثل في اللغة، من حيث الأثر الذي تتركه في نفس المتلقي، وهذا من صميم «الأسلوبية». ففضلا عن هذا التعالق الموجود بين هذه الأخيرة وباقي مكونات الخطاب الأدبي، لم يسعهما إلا أن يحيطا بالظاهرة الأدبية من كل جوانبها، حتى تتحقق لهما الأمانة العلمية. وكان في هذا كله مشروع ثقافي ضخم طمحا من خلاله إلى خدمة الثقافة الإنسانية عامة، وفي الوقت نفسه، أسديا خدمة جليلة إلى الثقافة الغربية، لاسيما أن العالم كان يعيش على جرف هارٍ من حرب باردة بين الرأسمالية والشيوعية. فكما تزيفتان وكريستيفا كما الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين»، حيث أشار للشروط الكفيلة بضمان العبور الآمن للرسالة الأدبية؛ كمبدأ من مبادئ التلقي المعرفي والأدبي.
٭ كاتب من المغرب