الجامعة تغض النظر.. وغموض يكتنف الحلف والقذافي يستجدي

حجم الخط
0

زينب محمودعندما استيقظت جامعتنا من سباتها العميق بعد هذا السيل من الثورات، حاولت لملمة أطرافها المتقطعة الأوصال، فتحل علينا البركة، إذ أصبنا بوابل من تلك الإدانات الساخنة حتى أن الخيال جمح بنا، فتصورنا أن الشمل التأم وأننا شفينا من سقمنا العضال بمصل كان غائباً عنا وتُهنا عنه لسنين طوال، وأن الأمر سيحسم للتو والساعة. غير أننا نصحو على معجزة إيكال أمرنا إلى هيئة الأمم المتحدة، لتنضوي المسألة الليبية تحت مظلتها مع زميلاتها من قضايانا العربية التي تنوء بحملها تلك الجامعة، وتقض مضجعها مع أن الدواء في مــــتناولنا، ولا يضنينا البحث عنه، ولكن مثل كل مرة لم تسلم الجرة، جرة دائماً تكــــسرها الجامعة لتتناثر شظاياها فوق رؤوسنا، وتتركنا لمساومات وتسويات حصرية لليبيا التي يفت القذافي في عضدها سنين. ويدير أمينها ظهره لنا لينسحب بسلاسة، بعد أن أنحى باللائمة على مجلس الأمن لأنه لم يكن يتوقع إعطاء الضوء الأخضر لقتل الليبيين. ومن نحن؟ فهو مهموم ببرنامجه الانتخابي لرئاسة مصر وتهمه سمعته الانتخابية. ونترك لمصيرنا ولتسويات يتلقفها القذافي بشغف ويلهج لتحقيقها، والله أعلم ما هو حجم الصفقات المقدمة لتلك التسويات، فيرسل مبعوثه إلى اليونان للاقتناع بها، وبالتالي، يتم تمريرها إلى باقي الدول، خاصة أنها لا تزال مترددة في بداية الأمر في موقفها من المجلس الوطني، لزعمها عدم وضوح الرؤية لهذا المجلس، علىالرغم من تقديمه مذكرة رسمية بتوجهاته إلى المؤتمر، الذي عقد في بريطانيا بخصوص تسليم المهمة إلى قوات الأطلسي، وتشديد هذا المجلس على الالتزام بما جاء فيها عبر وسائل الإعلام ووسائل أخرى. وهذه الشكوك والافتراضات ترجمت على أرض الواقع من خلال الممانعة في دعم الثوار بالسلاح لئلا يقع في يد الإسلاميين على وجه الخصوص. ويمكن تلمس هذا التحفظ قبل حتى مشاركة الحلف الأطلسي في ضرب قوات القذافي. وبالطبع لا يفوت القذافي هذا الالتباس، فيوظفه ويزكيه ويلوح به ورقة يشهرها في وجه المجلس الوطني. كما يخطب به ود أمريكا والغرب برفع فزاعة الإرهاب الذي كان في ما قبل الثورة وأثناءها يشيعه ولجانه الثورية ويعززه ثم يلبسه للجماعات الإسلامية ولمعارضين أبرياء، ويقدمهم صيداً ثميناُ للغرب على طبق من ذهب، بحجة محاربته ليخلع عن نفسه صفة الإرهاب الملصقة به، هذا غير تهديده الآن المبطن والصريح للشعب الليبي، وغمز المتربص الأجنبي به، بعد أن خلع البقية الباقية من برقع الحياء بأنه يحرس مصالح الغرب ويذود عنه، ليغنم مؤازرته له، وهو يؤكد على طرح نفسه ناطوراً يسهر على راحته بصد النازحين له عبر حدوده. ويهدد الصليبيين والمغفلين بالويل والثبور بأن القصف الأطلسي يدمر الجدار الليبي الذي يمنع الهجرة غير المشروعة لأوروبا. غير أننا ندرك أن مواقف بعض هذه الجهات التي تدعي الالتباس قد تكون متعمدة وتدخل في باب المساومة لكلا الطرفين وأيهما يقدم حزمة تنازلات أكبر، ولنقل ضمانات لها، وبما لا يؤثر على مصالحها في ليبيا ودول الجوار والحفاظ على أمنها. ونحن نعول على هذا المجلس ووطنيته، ونراهن على فطنة ثوار ليبيا وذكائهم، المستميتين في جبهات القتال الذين لم تخمد جذوة حماستهم، نعول عليهم في نزع الأقنعة التي يرتديها أي طرف، بألا يُسمح بأي اختراق لصفوفنا والتصدي لكل محاولات الابتزاز والتفاف القذافي وغيره على ثورتنا الوليدة، كي نخرج بأقل حجم من الخسائر. وألا يُراهن على حدسنا وحسنا الإنساني الذي لم تطمره تلك الشعارات الرنانة. فنحن تحررنا من سذاجتنا ووهنِنا واستسلامنا تحت ضغط سلطة موغلة في الإرهاب وغائرة فيه، إذ لم نتمكن في ما سبق من تحسس طريقنا وإبصار أي إمكانية تغيير، والاعتقاد باستحالته نتيجة ذلك العسف، حتى إن أدركنا حجم جرائم هذه السلطة. غير أننا لا نجحف حق من كانت لهم محاولات مستميتة للإطاحة بهذا النظام، لكنها أحبطت وتم قتل بعضهم والتنكيل بهم وبأقاربهم، والزج بآخرين في السجون تحت سياط التعذيب. كما يجب الصمود والوثوق والتشبث بهذه الثورة العملاقة التي شدَه لها الجميع.

أما إذا تم الرضوخ لهذا النوع اللئيم من التسويات والاحتيالات المقنّعة تحت أي ضغط من هذه الضغوط الداخلي منها والخارجي، عندها ستتوفر للقـــذافي فرصة ذهبية سانحة للانقضاض علينا، ويتهيأ له التفرد بنا ونصبـــح لقمته السائغة من جديد، كما لا يعفينا ذلك من مسؤولية الهدر الفظيــــع لكل ما أنجـــزناه بدمائنا ودم ذلك الطبيب الشهيد الذي أصابه رصاص الغدر، مكبراً رافضاً بكل شموخ وعزة التلفظ بما أملي علــــيه وهو يعاني سكرات الموت، من قبيل: يحيا القذافي والفاتح. بذلك نكون قد زدنا جراح أمهات شهدائنا بدل تضميدها وكفكفة دموعهن. حينها يصبح مثَل (كأنك يا زيد ما غزيت) هو المرادف لحالنا وضياع مالنا وجهدنا وترسانتنا العسكرية التي وجهت للنيل منا لا لسوانا.

في خطابه الأخير بعد قصف قوات التحالف لمكتبه بباب العزيزية كانت نبرة الاستعطاف والاستجداء جلية وتدعو إلى الشفقة، وهو يخطب ود الجميع بمن فيهم الثوار ويقترح حواراً مع كل الأطراف بمن فيهم الأميركان والإيطاليون والانكليز وإعادة التلويح لهم بامتيازات كثيرة. كما اقترح أن تكون إجدابيا منطقة محرمة على العمليات العسكرية ومنزوعة السلاح، لخصوصيتها الاقتصادية ويتم تحييدها، كما يناشد بالرحمة لها وهو يغازلها بتذكيره لها بالنهر العظيم الذي أول من خصها بمياهه، دوناً عن باقي المدن. وعند زيارته لها فهو لا يقيم في فنادق فاخرة وإنما في (دويرات إيجار) يخلد إلى الراحة فيها. وهو يسلم القضية إلى الاتحاد الأفريقي ويدعو اتحادها إلى نشر مراقبين بها. وما هذا البذخ على هذه المدينة يا ترى؟ ألأنها مستعصية الآن على عقيدنا.

وعلى نمط سكينة وريّة فإننا (حبايب قرايب قرايب حبايب) لا يمكن أن نتقاتل في ما بيننا. ويمعن في تصعيد درجة القرابة إلى أنه والدنا الذي يعكف على راحتنا، ويندهش كيف أن أبناءه يتخلون عنه وهو الرمز المقدس بالنسبة للشعب الليبي الذي يجب عليه الاستماتة دونه. فامبراطور اليابان كانت أسراب من جنده يلقون بأنفسهم للتهلكة من أجله. لذلك لا نبخس موقف امبراطورية العقيد الأفريقية التي غذته بأسراب من مرتزقتها فدمرت أبناءه. غير أن قلبه يقطر دماً لما يحدث من قتل ودمار حتى أنه سيزج بفلذات كبده الأعزاء من الشعب الليبي لتحرير العائلات الأسيرة شرق ليبيا والمناطق الأخرى، مدينة مدينة، كما في قوله المأثور زنقة زنقة. فوالدنا شغوف بتأكيد المفردات شغفه بالتأكيد على جرائمه بتكرارها والمد في أمدها. والأنكى من ذلك أنه الآن وقد سُدت في وجهه الآفاق، نراه يبدع في العزف على وتيرة حرب أهلية، بعزمه تسليح من هم في قبضته لمواجهة إخوانهم في الشرق وغيره من المناطق المحررة ليحقق هذه المقولة وتصبح واقعاً ملموساً، مع عدم توافر معطياتها وأسبابها الحقيقية. ليسترد أنفاسه التي كانت تتقطع ولا تزال بوتيرة متسارعة. كما يغرينا بالتمتع بثروتنا النفطية ويسيل لعابنا بمغريات أخرى. الثروة التي خص بها نفسه ولم يصلنا منها إلا النزر القليل، ثروة قال إن دونها الموت وهذا بيت قصيد آخر. والمدهش أنه يخاطبنا بخطابين، تارة بلغة المصالحة والتذلل وتارة عندما يفلت منه الزمام ويطغى عليه نزقه، يحتد على الشعب الليبي بأنه غير جدير بالحياة لو أنكر إنجازاته. ولنا أن نسرح ونمرح في هذه العبارة ونغوص في أعماقها بما تحتويه من فظاعة النذر ويحتفظ هو بحق العذر. كان الأجدى والأنجع لنا لو أن جامعتنا العربية اضطلعت بأمرنا، ولا تمن علينا بذلك إذ هو بند مُقرٌّ في أحد بنود ميثاقها، لكانت سدّت الطريق على المتربصين بنا ووفرت علينا سفك الدماء والقضاء على ترسانتنا. وكنا تحررنا من الطاغية وأزلامه بما يعود بالنفع المعنوي والمادي علينا وعلى الجار الجنب والجار الجُنب، بدل تلكؤ نلحظه بين الفينة والفينة لقوات الحلف، التي لم يصبها القذافي بل يصيب المدنيين العزل، كما ان هذه القوات تصيبنا أحياناً. هناك حديث يدور حول بحث حثيث وملِّح من جانب أمريكا عن دولة تقبل بالقذافي! كما أن هناك استراتيجية جديدة لتدخل قوات عسكرية بريطانية على الأرض ستكون تحت غطاء إنساني، تعارضها فرنسا، ثم إرسال خبراء عسكريين لمساعدة الثوار، وذلك بعد تفقد السيناتور الأمريكي الجمهوري ماكين، المجلس الوطني وتأكده من هويته وتوجهاته وبراءته من وصمة الإرهاب التي تُلقى جزافاً من حين لآخر. وعليه لِم كل هذا الانتظار لتسليح الثوار الذين شهد لهم السيناتور بابتكارات فذة تنطلق من إمكانيات متواضعة ولكن بروح وطنية قتالية عالية وأداء رائع خارق للعادة. حتى أنه أسبغ عليهم صفة الأبطال. كان من الممكن جداً أن تُحسم المسائل في حينها وكفى المؤمنين شر القتال. وكما يقال (طول الخيط يضيع الإبرة) وأرجو ألا ننحصر في ثقبها وألا يطول خيطنا فنضيع في متاهات سيناريوهات عدة. وعلى عكس ما تناهى إلى أسماعنا من طمأنة وتأكيد على عدم هذا التدخل، إذ يقال إن الحلف مهمته صعبة سواء في ما يتعلق بعامل الوقت والتسريع بالانقضاض عليه، أو بمبدأ الالتزام بقانون عدم التدخل بعزل أي حاكم وترك تلك المأمورية لشعبه، القانون الذي يتغنى به القذافي ويرقص له رقصة المذبوح توسلاً. فقرار 1973 لا يتضمن محاولة اغتياله ولا يعني حظر الطيران قتل الليبيين حسب قوله. هذه المواقف التي تتسم بالتناقض والتذبذب، ألا توحي لنا بشكل أو بآخر بشيء من دجل سياسي على درجة عالية من الحبكة والتقنية، وبناء عليه، ألا تشككنا ولو قليلاً في مصداقية الغرب الليبرالي الذي يعول عليه البعض؟ احترسوا. نحذر من مغبة ما قد نؤول إليه.’ إعلامية ليبية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية