الجامعة… من كتيبة عسكرية إلى بقالة تجارية

حجم الخط
0

رامي أبو جبارة طالعتنا صحيفة ‘المصري اليوم’ في عددها الصادر يوم الخميس 9/9/2010 خبرا بعنوان ‘جامعة القاهرة تتجّمل استعدادا لمنح سوزان مبارك شهادة الدكتوراه الفخرية’. ويفصل الخبر ويقول ان تكريم حرم الرئيس حسني مبارك ومنحها درجة الدكتوراه الفخرية في علم الاجتماع جاء بناء على قرار مجلس الجامعة، الذي استند بدوره إلى ‘رصيد العطاء الكبير والممتد للسيدة سوزان في مجال السياسات وبرامج التنمية الاجتماعية’. قد يمر هذا الخبر مرور الكرام ومن دون أي تعليق من المتابع العربي والمصري، خصوصا في ظل توالي الازمات في مصر من جهة، وفي ظل التجاوزات المستمرة من قبل أسرة ‘سيادة الرئيس’ والتعامل مع مصر وكأنها مزرعة خاصة من جهة أخرى. ولكن باعتقادي أن هذه الأزمة – أزمة العلم – وهذا التجاوز بالذات هو تجاوز خطير، ولا بد من الوقوف، لا بل والتوقف عنده مطولا، لما له من مدلولات عديدة تصيب الوجدان العربي والمصري في العمق، حيث سنأخذ قرار المنح هذا كمدخل لما عانته وتعانيه الجامعات والأستاذ الجامعي في وطننا العربي الممتد من البحر إلى البحر.

دأبت الأنظمة والحكومات العربية ومنذ سنوات طويلة على محاولة تركيع وتطويع المؤسسات التعليمية وفرض الرقابة والوصاية عليها، وذلك من خلال سن القوانين تارة ومن خلال القمع والتنكيل تارة أخرى. فالمدقق في مسيرة التعليم في الوطن العربي وتاريخ الجامعات فيه، يلاحظ وبشكل واضح انتهاج الأنظمة العربية سياسة تحويل الجامعات إلى ثكنات عسكرية وتحويل أستاذ الجامعة إلى مجرد جندي في تلك الثكنة، يتلقى أوامر عسكرية. وقد تنوعت أساليب الأنظمة العربية من أجل الوصول إلى هذا الهدف.

ففي الأردن على سبيل المثال، تعاطت الأجهزة الأمنية بوسائل الضغط السلمية، وبدأتها بسن القوانين، ولعل أكثر تلك القوانين وضوحا هو قانون العنف الجديد الصادر في عام 2008، الذي يلزم رئيس الجامعة بتبليغ الأجهزة الامنية في حالة وقوع أحداث عنف داخل حرمه الجامعي بما فيها المظاهرات، مما يحول رئيس الجامعة وبشكل صريح إلى حارس أمني ويختزل دور المفكر والعالم وعنوانه أستاذ الجامعة إلى مجرد ‘مخبر’ على تلاميذه. كما قامت الأجهزة الأمنية بملاحقة بعض أساتذة الجامعات على قوت عيشهم وتم الضغط على إدارات الجامعات التي يعملون بها حتى تم فصلهم تعسفيا – أو اقالتهم أمنيا كما صار شائعا بسبب تكرار الحالة – وأذكر منهم الدكتور عمر الأشقر والدكتور علي العتوم والدكتور إبراهيم علوش والدكتور محمد أبو رحيم، الذي أبلغه قرار الفصل رئيس الجامعة التي هو أحد مؤسيسها وهي جامعة العلوم التطبيقية، كما أبلغه أن القرار جاء بناء على أوامر الأجهزة الأمنية، كما ذكرت مجلة العصر عام 2002. هذه الملاحقة الأمنية والفصل التعسفي تكرر في عدة حالات أخرى وفي دول مختلفة منها فصل الدكتور دفع الله الترابي من جامعة الخرطوم في السودان، وفصل الدكتورة ريما النجار من الجامعة العربية الأمريكية في جنين وفصل العديد من رؤوساء الأقسام في كلية قاريونس الليبية على يد رئيس الجامعة محمد شرف الدين وغيرهم الكثير. أما في مصر فقد اتسمت محاولات الأجهزة الأمنية لتطويع الجامعات بالعنف الذي وصل أحيانا إلى حد القتل. ففي تاريخ 6/5/2005 استشهد الأستاذ طارق غنام جراء الاختناق بالغاز الكثيف أثناء مشاركته في مظاهرة الإصلاح التي انطلقت في مدينة طلخا بالمنصورة، للتعبير عن رفضه تعديل المادة 76 من الدستور المصري. كما تم الاعتداء بالضرب على أساتذة الجامعات في عدة مناسبات أثناء تظاهرهم ضد النظام المصري في عدد من الجامعات، مثل جامعة عين شمس وجامعة حلوان وجامعة الاسكندرية وغيرها. ولعل أكثر سياسات تركيع الجامعات دموية تتجلى في العراق، حيث تمت تصفية أكثر من 400 أكاديمي عراقي بين عامي 2003- 2008 وهناك المئات في عداد المفقودين، بحسب تقرير منظمة محكمة بروكسل الصادر في عام 2008. جميع الممارسات المذكورة آنفا هي الممارسات المكشوفة التي قامت بها الأنظمة وأجهزتها الأمنية في وضح النهار لتكريس تبعية الجامعات، وبالتأكيد هناك العديد من الممارسات الأخرى التي تقوم بها أجهزة الأمن في الخفاء ومن وراء الكواليس، مثل وجود مكاتب للمخابرات والاستخبارات في الجامعات، والتدخل بقرارات تعيين الأساتذة الجامعيين والرقابة على ما يدرس داخل قاعات المحاضرات والوصاية على البحث العلمي وعلى جميع ما ينشر في الجامعة وغيرها مما لا نعلمه. أما الآن وبعد أن نجحت سياسة تحويل الجامعات من مراكز للتنوير والمعرفة إلى كتائب عسكرية تتلقى أوامرها الإدارية من الأعلى وتتحرك نزولا عند رغبة الأنظمة، لم يعد يروق للأنظمة الدور العسكري للجامعات، إذ ان العسكري قابل للتمرد، خصوصا إن كان متعلما كأستاذ الجامعة. لذلك تقوم الأنظمة حاليا بخطوات حثيثة إلى تحويل تلك الثكنات العسكرية التي أفرزتها بيدها إلى بقالات تجارية تباع وتشترى فيها الشهادات وأستاذ الجامعة والضمائر والنفوس الضعيفة. وضمن هذا السياق يأتي قرار منح الشهادات للمسؤولين. وبات واضحا أن العديد من الجامعات أصبحت تستخدم هذا الأسلوب المتدني للتسول والحصول على الدعم المالي أو لكي تتزلف به عند أصحاب النفوذ طمعا بمنصب أو جاه أو مال. فهذه جامعة القاهرة تمنح درجة دكتوراه فخرية لوزير البحث العلمي الألماني بعد أن قدم دعما ماليا للجامعة، وهذه الجامعة اللبنانية تمنح الأمير نايف بن عبد العزيز درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم السياسية، وتلك جامعة 7 نوفمبر التونسية تمنح العقيد معمر القذافي شهادة دكتوراه فخرية، ورابعة تمنح الأمير الثري الوليد بن طلال نفس الدرجة، والقائمة تطول وتطول، وبذلك نستطيع القول وبكل أسف ان هذه الشهادة ستمنح إلى كل لص يمكن أن يتبرع بمال لدعم الجامعة. طبعا قد يتساءل البعض ما هو دور الأنظمة في مسلسل منح الشهادات الفخرية هذا؟ وأنا أقول ان للأنظمة الدور الأكبر في ما يجري، فهي تكافئ كل انتهازي ومنافق يقترح مثل هذه الاقتراحات ويقرها، وبالمقابل فهي تحارب كل أستاذ شريف يحمل رسالة العلم بكل أمانة وصدق ويحارب التبعية والجهل والفساد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالأنظمة العربية هي المسؤولة بالدرجة الأولى عما وصلت إليها الجامعات من فساد، فهي من كرست ‘خصخصة’ التعليم وهي من تخلت عن دعم الجامعات ماليا. وبذلك تكون قد كرست تحويل الجامعات إلى دكاكين تبيع درجات فخرية وحتى علمية، وتراقب هذا الوضع المزري بكل تلذذ، وكل الخوف أن تصبح شهادات الدكتوراه عرضة للبيع في مزادات علنية مفتوحة على موائد أصحاب المال والنفوذ. إذن الجامعات… هي تلك القضية التي يجب على جميع القوى الوطنية أن تتوحد وتحارب من أجلها، فقد أثبتت الأزمة الاقتصادية الأخيرة، أن كل الصروح قابلة للزوال سوى صرح العلم، فهو شامخ لا يزول، ففي الوقت الذي سمعنا به عن شركات تسرح موظفيها وبنوك تعلن إفلاسها وحتى وزارات تعلن خططا تقشفية، لم نسمع عن جامعة واحدة أغلقت أبوابها.

استقلالية الجامعات ليست مطلبا ثانويا، وليست قضية كمالية لا تستحق أن نناضل من أجلها، فبدون استقلال حقيقي لمراكز التنوير والحضارة، لا يمكن الحديث عن استقلال وطني، وإذا لم يبدأ التصدي للفساد والاستبداد من الجامعات باعتبارها عقل المجتمع المفكر فلن يكون هناك خلاص، وإذا لم تعد الجامعات إلى دورها الرائد في إصلاح المجتمع وتنوير عقله فلن نخرج من أزماتنا المتتابعة، وإذا لم نعد للمفكر والعالم – وهو بشكل أساسي أستاذ الجامعة – اعتباره ومعاملته كحارس قيم وليس كحارس أمني أو جندي في كتيبة عسكرية أو حتى تاجر انتهازي، فلن يكون هناك سبيل للبناء والتقدم. ‘ صحافي اردني مقيم في لندن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية