‘الجامع’ و’رصاصة طائشة’ و’اخر ديسمبر’: حين تغيب الرؤية الناضجة ويحضر الارتباك والشخصنة

حجم الخط
0

محمود عبد الرحيم فيلم’ الجامع’ للمخرج المغربي داود اولاد السيد، و’رصاصة طائشة’ للمخرج اللبناني جورج هاشم، وفيلم ‘اخر ديسمبر’ للمخرج التونسي معز كمون، ثلاث تجارب عاكسة لوضعية السينما العربية، والى اي مدى يسودها الارتباك والشخصنة وغياب الرؤية الناضجة، وافتقاد صناعها، في معظم الاحيان، الى القدرة على امتلاك الادوات الفنية بشكل جيد، رغم ان مناخ العولمة، والتكاثر اللافت للمهرجانات السينمائية السنوية، فتحا الباب واسعا للاحتكاك والاستفادة من تجارب الاخرين البارزة، على نحو يصب في الاخير في خانة تطوير الاداء الفني، وهو ما صرنا نراه في سينمات حديثة العهد في اسيا وافريقيا وشرق اوروبا، التي باتت تفرز صناع افلام مبشرين، واعمالا جديرة بالالتفات اليها، والاستمتاع بها على اكثر من مستوى، مقارنة بالسينما العربية، سواء العريقة منها او حديثة العهد، بما فيها السينما المصرية التي تتراجع عاما بعد عام، وتصيب ما حولها بذات العدوى السلبية.

وفي تصوري ان الثلاثة اعمال كانت تصلح كافلام قصيرة وليس طويلة، لتفادي حالة الملل المتسرب من طول المشاهد واللقطات في معظمها بدون داع، ومحاولة اصطناع احداث تطيل المساحة الزمنية، اكثر مما تحتملها التيمة البسيطة التي ينطلق منها البناء الفني للفيلم، على نحو اربك الايقاع، واصابه بالبطء الشديد. وربما فيلم’الجامع’ لداود اولاد السيد الاكثر تعبيرا عن هذا المنحى، رغم ان لمخرجه تجربة سينمائية سابقة لافتة ‘في انتظار بازوليني’، الذي سعى لاستثمار نجاحها في بناء هذه التجربة التي جاءت للاسف هزيلة ومخيبة للتوقعات، بتقديم ما يمكن ان يسمى، تجاوزا، بجزء اخر لهذا العمل، وسط حالة من الشخصنة بتعمد الظهور في الفيلم بدون مبرر، على نحو شبيه بما كان يصنعه المخرج المصري يوسف شاهين من وقت لاخر، كاعلان عن تضخم الذات، من دون ضرورة فنية.

ولا ادري ان كانت وقائع هذه التجربة واقعية ام من نسج خيال المخرج، لكن في الحالتين كان اولى به ان يصيغها في قالب ينسجم معها، سواء كان روائيا قصيرا او تسجيليا، لو ان ثمة حادثة واقعية وقعت حال انتهائه من تصوير فيلمه ‘في انتظار بازوليني’، كالتصارع على ديكور الجامع، والتعامل معه من قبل سكان الحي على انه جامع حقيقي، وليس مبنيا فقط لاغراض فنية لا تستوجب القداسة، وقابلا للهدم. فالعبرة ليست بطول الشريط السينمائي، وانما بما يقوله، وكيف يتناول الفكرة.. هل بشكل مختلف ومدهش ام باعتيادية ورتابة؟ واللغة السينمائية الجذابة هي الاكثر تكثيفا وايحاء، والاكثر بساطة واقناعا، والاكثر ابتعادا عن الثرثرة والافتعال.

وربما الملاحظة الاساسية على فيلم ‘رصاصة طائشة’ للمخرج جورج هاشم، بخلاف الملاحظة العامة التي تشترك فيها الاعمال الثلاثة، هي اقحام السياسة على بنية غير سياسية، وربما هنا يتماهى بدرجة ما مع داود اولاد السيد في الشخصنة، اذ سعى لاستغلال فيلمه الاول لتسجيل موقفه السياسي كلبناني مسيحي ضد الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والنظر اليهم على انهم قتلة ومجرمين، وانهم اصل البلاء الذي حل ببلده، وورطه في حرب اهلية لا تزال اثارها شاخصة في الاذهان، رغم ان المشهد اللبناني في تلك الحقبة كان يحمل الكثير من التعقيدات. وثمة تداخل للعوامل السياسية الداخلية والخارجية، التي قادت لهذا الحدث التاريخي، الذي لا يصح الحكم عليه بهذه البساطة، ومن منظور ضيق شوفيني يختزل الوقائع، ويستبعد السياق التاريخي. وربما قصد المخرج ليس فقط اعلان موقف سياسي معروف لدى مسيحيي لبنان، وانما ايضا وضع فيلمه الاول في دائرة الجدل الذي يلفت الانظار، رغم خطورة العزف على هذه الاوتار، وتكريس هذه النظرة العنصرية العدائية للفلسطينيين في افلام عربية من صناع عرب.

وتبدو القصدية واضحة من الاشارة الاولى الى زمن الفيلم وربطه بالحرب الاهلية، ثم اختيار اسرة مسيحية يتم من خلالها رواية الاحداث، رغم ان المخرج سعى لتمرير هذه الرسالة بشكل غير مباشر ومراوغ، بجعل موقفه السياسي في الهامش، وفي ثنايا الحكاية الرئيسة، وبعض جمل الحوار القصيرة، اما المتن فخصصه لتيمة انسانية ذات بعد نفسي، تنطلق من فكرة الغيرة داخل الاسرة الواحدة بين البنت الكبرى العانس والصغرى المقبلة على الزواج، والاحباطات التي تزيد من وتيرة التوتر العائلي، والصراع بين حرية الاختيار الفردي والوصاية العائلية، الذي لم تفلح الفتاة في حسمه، فاصيبت بانهيار عصبي، خاصة بعد موت امها امام عينيها.

ولو خلص المخرج فيلمه من هذا الاقحام السياسي لكان قدم تجربة انسانية جيدة، غير ان المشاهد الاخيرة تستوجب التوقف عندها، حيث تعد الاقوى، ولغتها السينمائية بها قدر من الشاعرية، حيث اتى المخرج بلقطة طويلة للفتاة في الشارع الخاوي بعد طردها من بيت العائلة، وسط صوت نباح الكلب ونحيب طفل وموسيقى توحي بالتوتر، ليجسد مشاعر الاضطراب والضياع، ثم ربط بين زخات الرصاص المنطلقة بشكل عشوائي في الاحراش، ووفاة الام، التي يقطع عليها، ثم على الكلب المقتول بلقطة كلوز آب، ليوحي بان حياة الانسان لا تساوي شيئا عند القاتل، وقد يُقتل المرء بلا ذنب اقترفه. وفي المشهد الاخير، نرى الاخت الكبرى تأتى لزيارة اختها الصغرى، وتتمشى معها في حديقة المصحة، ثم تأتيها بفستان العرس من دولاب الام، وترحل، وكان هذا اعلانا عن انتهاء الضغينة التي كانت في الصدور بين الاختين، خاصة ان العرس الذى يرمز له الفستان، وكان مشعلا للغيرة، لم تعد له قيمة الان، كما ان شد الممرضة للفستان الذي ركزت عليه الكاميرا في النهاية، وعلى يد البطلة التي تتشبث به، ثم اغلاق الباب، تجسيد للرغبة في اغلاق باب الذكريات المؤلمة، فيما الفتاة الواجمة الصامتة ما زالت تفضل الاستسلام والتلذذ بالالم.

اما الملاحظة الرئيسة الخاصة بفيلم ‘اخر ديسمبر’ فتتمحور حول المونتاج الذي جعل بناء الفيلم مرتبكا، والانتقال غير سلس من لقطة للقطة، او من مشهد لمشهد، وسط قدر لابأس به من التعسف في القطع، وثمة لقطات تبدو زائدة او بلا سياق درامي، ولقطات اخرى في غير مكانها الصحيح، او بالاحرى في غير توقيتها المناسب، ولعل من ابرزها لقطات البداية، حيث نرى الطبيب منهارا ويبكي من دون ان نعرف لماذا، ومن دون ان تؤسس هذه اللقطة لاية نقلة درامية، ثم تبعتها لقطة له وهو يشرب الكحول في المستشفى، ثم لقطة وهو يتعارك مع رئيسه في العمل، ثم في الاخير هذا التمهيد الذي يوحي بأننا امام مأساة ما سنعرف فصولها لاحقا، وان الاحداث سيتصدر بطولتها هذا الشاب، فاذا بنا نفاجأ بان القصة تتمحور حول فتاة ومعاناتها بعد تعرضها للخديعة على يد من تحب، على نحو يؤشر الى ان المخرج كان يفكر في بناء شخصيتين متوازيتين، ثم عدل عن الفكرة، ربما اثناء المونتاج اختصارا لوقت العرض ولمساحة الشريط الذي طال ولم يستطع التحكم فيه. وايضا، ثمة لقطة تجمع الطبيب مع التلميذة لدى قدومه للقرية، ومحاولة التقرب منه، ثم يختفي اثر هذه الصلة التي مهد لها، والتي كان توحي بان هذه الفتاة الصغيرة ستكون مخزن اسرار القرية، وتنقلها له اولا باول، خاصة انها ثرثارة وفضولية، لكننا نراها قريبة جدا للبطلة وليست للبطل، الى جانب لقطة سقوط الفتاة من فوق التل التي فقدت قيمتها الدرامية، لكونها اتت زمنيا بعد مدة طويلة من اعلامنا بسقوطها الواقعي باقامة علاقة غير شرعية، ما افقد اللقطة دلالاتها، الى جانب انه اذا كان الغرض من اصابة الفتاة ودخولها المستشفى، ليتعاطف الطبيب معها، فالاحداث السابقة اظهرت لنا الطبيب متعاطفا معها من الاصل، ويعرف تفاصيل حكايتها، بل ساعدها على رحلة الاجهاض في ذلك المشهد الطويل، الذي لا قيمة درامية لاطالته على هذا النحو، بالاضافة الى الانتقال المفاجئ المتجسد على سبيل المثال في لقطة المستشفى، حيث البطلة راقدة على السرير ومصابة بكسور، وجروح، ثم فجاة في اللقطة التالية مباشرة، نراها في اتم صحة وتقف بجوار البطل على شاطئ البحر، رغم ان المخرج لو كان صاغ المشهد بشكل مغاير، كما لو كان حلما للفتاة وهي بين الحياة والموت لكان اكثر قوة وبلاغة، خاصة ان عناصره متوافرة، حيث نرى الفتاة والشاب بملابس بيضاء ويتعانقان في البحر، بينما يقطع على مركب خاو، ربما ينقلهما للفردوس او يساعدهما على الهروب من جحيم الارض والبشر السيئين.

وثمة عديد من اللقطات كانت ستصبح لها قيمتها الدلالية لو وضعت في مكانها الصحيح، لخلق معادل بصري يعمق المعنى ويجسده دراميا، منها على سبيل المثال لقطة الدخان المتصاعد لدى اشعال الام الاخشاب، بعد شيوع حكاية ترك الخطيب الآتي من باريس للفتاة لشكه في سلوكها.

وثمة اطالة في مشاهد غير ضرورية كخلاف اهل القرية على نقلهم الى مكان اخر، او مشهد شرب الطبيب الخمر، وسط الحي وقيامه بالعزف والغناء على الجيتار، او مشهد اختيار فتيات ليل لاقامة حفل راقص، لتقليد ما تقوم به فتيات المدراس الامريكية.

وثمة تحفظ اصلا عن تيمة العمل ذاتها التي لا تنسجم مع طبيعة المجتمع التونسي الاكثر انفتاحا عربيا، بحكم التأثير الثقافي الفرنسي الحاضر بقوة حتى اللحظة، والقرب الجغرافي من اوروبا الذي القى بظلاله على الواقع اليومي، وحرره من كثير من الافكار التقليدية السائدة في المشرق العربي، وفي مجتمعات مغلقة كما الحال في دول الخليج، ومن ثم تصبح مناقشة قضية سطوة الفكر الذكوري ونظرة المجتمع السلبية للفتاة المتحررة، او من تصنع علاقة باختيارها الحر، او قيام الام باللجوء الى ‘الخاطبة’ والتدليل على بنتها من اجل تزويجها بشكل تقليدي او رفض شاب يحمل الجنسية الفرنسية لفتاة غير عذراء، نوعا من اللعب على صور نمطية من زمن ماضوي ربما، او من مجتمعات تقليدية اخرى، وعلى نحو غير مقنع.

لكن مع ذلك، ثمة عناصر ايجابية في هذا العمل لا يجب اغفالها تتمثل في الروح الكوميدية التي تسربت بشكل جيد في ثنايا الفيلم، وجسدتها بشكل خاص الشخصية الكاريكاتورية للشاعر الذي يدعي المعرفة بكل شيء، وهو جاهل حتى بما يدور في بيته، الذي وصل الى خيانة زوجته له، بينما هو مشغول بالبحث عن دور في الحياة العامة، او اظهار فحولته الشعرية، او شخصية الام، خاصة لدى ممارسة طقوس دينية يختلط فيها الديني بالشعبي، ووصل الامر الى مخاطبة الرب على انه شخص تعتذر منه لاخذ الكثير من وقته، على نحو يذكرنا بحوار الطفل المشاغب في الفيلم المصري ‘بحب السيما’. وربما توظيف الطبيعة واعطاء مساحة لابراز جماليات المكان من صحراء وجبال ومعابد قديمة وبحر، كان ملمحا جيدا، يحسب للمخرج، الى جانب قوة اداء الممثلين اللافت، الذي خفف عن المشاهد بعض الشيء، وسط رتابة الاحداث، وحالة الملل، والارتباك والمصداقية المفقودة.’ كاتب صحافي وناقد مصريEmail:[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية