«الجانب الآخر من الريح»… فيلم أورسون ويلز الذي استغرقت صناعته 40 عاما

حجم الخط
0

سليم البيك٭

■ رحل المخرج الأمريكي أورسون ويلز عن عالمنا قبل 33 عاماً، تاركاً أفلاماً قليلة، إنّما من بين الأفضل دائماً، تحديداً فيلمه «المواطن كين».
لويلز تاريخ من الصدام مع المؤسسة الرسمية في أمريكا، في هوليوود التي حاربته لاستقلاليته عنها ولمواقفه السياسية (كما حاربت تشارلي تشابلن قبله)، أصرّ مثلاً أن يمول أفلاماً يخرجها من خلال ما يتقاضاه من تمثيله في أفلام غيره.
مثال أخير كما يبدو على هذا الصدام هو فيلمه الذي خرج أخيراً، بعد عقود من الحديث عنه وعن مادته التي لم تكتمل: «الجانب الآخر من الريح»، فالفيلم الذي شارك ويلز في كتابته وإنتاجه، تمّ تصويره ما بين 1970 و 1976، وحالت أسباب ماليّة/إنتاجيّة أولاً ثم سياسية ثانياً دون إكماله، فاحتاج لأربعين عاماً كي يجد طريقه إلى مُشاهده.
الفيلم الذي أُنتج أخيراً هذا العام وشارك في مهرجانَي فينيسيا ونيويورك السينمائيين أخيراً، عرضته قبل أيام السينماتك الفرنسية في باريس، ضمن عرض خاص حضره من تبقى من فريق العاملين في الفيلم، كما أن عروضه على «نتفليكس» بدأت قبل أيام، رغم ما لهذه الشبكة التلفزيونية الأمريكية من إشكالات في علاقتها مع السينما، التي بلغت ذروتها في مهرجان كان السينمائي في دورته ما قبل الأخيرة، ثم في الأخيرة حين منع المهرجان مشاركة الأفلام التي تنتجها الشبكة لاشتراط الأخيرة أن تُعرض أفلامها على التلفزيون، وليس في صالات السينما، وهذا، للأسف، ما يحصل مع فيلم ويلز الأخير، الذي ستقتصر عروضه السينمائية على الخاصة منها، وليس التجارية، وسيتوفّر في عروض تلفزيونية.


جاء الفيلم (The Other Side of the Wind) بعد 33 عاماً على رحيل ويلز ليصير واحداً من بين أفضل أفلامه، باكراً، ليكون فيلماً «ويلزياً» بامتياز، فيه من ذكاء وبراعة ويلز، فيه الثورية التي لديه في أفلامه، شكلاً ومضموناً، فيه الهمّ الأساسي الذي عاشه في حياته المهنية وتتعلق باستقلالية السينما، وهو الثيمة الأساسية للفيلم.

أتى الفيلم بمشاهد ملوّنة وكذلك بالأبيض والأسود، متداخلة في ما بينها، لكن أكثر ما يمكن اعتباره كسراً أو خروجاً عن السّائد هو شغل المونتاج في الفيلم .

في تجريبية تامة، بتقطيع سريع، مونتاج متواتر وبلقطات ومشاهد قصيرة جداً ومتباعدة ومتسارعة، وموسيقى جاز ارتجالية تكاد تكون حاضرة طوال الوقت، نقل ويلز أحداث اليوم الأخير في حياة مخرج لفيلم له العنوان ذاته «الجانب الآخر من الريح» (كأنّ ويلز يحكي عن فيلمه ذاته الذي لم يكتمل في حياته). يحتفي فريق العمل معه بعيد ميلاده، يموت في حادث سيارة، وكل ذلك أثناء محاولاته إنهاء التصوير، لإنجاز فيلمه الذي، لسبب ما، اختفى بطله الرئيسي بالتزامن مع مشاكل مع المنتج المتذمّر.
أتى فيلم ويلز بتقنية «الفيلم داخل الفيلم»، ولكلا الفيلمين العنوان ذاته، وأتى بشكل يُعرف بـ «الموكيومنتري»، وهو تصوير لموضوع متخيّل ضمن شكل وثائقي، فتصوير اليوم الأخير من حياة مخرج يعاني صعوبة في إكمال فيلمه أتى بشكل وثائقي، بحركة كاميرا على الكتف، غير متوازنة، بإطارات مفتوحة لما هو خارجه، متنقلة، بأحاديث تلقائية، كسر لكل ما يمكن أن تكون قواعد في التصوير وعموم صناعة الفيلم، ابتعاد تام عن عموم العمل السينمائي لدى ويلز.
أتى الفيلم بمشاهد ملوّنة وكذلك بالأبيض والأسود، متداخلة في ما بينها، لكن أكثر ما يمكن اعتباره كسراً أو خروجاً عن السّائد هو شغل المونتاج في الفيلم (هو مونتاج لأكثر من مئة ساعة مصوّرة أُنجز شكلها الأخير حديثاً، بناء على ما أراده ويلز) وتحديداً تداخل لقطات متباعدة زمانياً لتشكّل معاً مشهداً واحداً، تتجاور هذه المشاهد لتشكّل، معاً، الفيلم، ليكون الفيلم بذلك، الذي يصوّر يوماً واحداً زمانياً، دائرة من الأحداث التي تفضي إلى بعضها، غير المتتالية زمانياً إنّما المترابطة موضوعاتياً، التي يسيطر فيها سؤال أساسي، من الدقيقة الأولى حتى الأخيرة من الفيلم، هو كيف يمكن لهذا الفيلم (الفيلم داخل الفيلم) أن ينتهي؟ كأنّ ويلز يحكي في الفيلم الداخلي عن الفيلم الخارجي، أو يحكي بفيلمه عن فيلم بطله، كأنّه صوّر وثائقياً الفيلم الروائي الذي روى لنا حياة ويلز مع صناعة الأفلام، بل تحديداً صناعة فيلمه الأخير هذا، وهذه مستويات يمكن لعبقري فقط، كويلز، أن يقوم بها، بفنية عالية.
يذكّر الفيلم بسؤاله هذا بفيلم آخر، هو كذلك من الكلاسيكيات (يمكننا من الآن اعتبار فيلم ويلز هذا من الكلاسيكيات وإن خرج هذا العام)، هو فيلم «½8» للإيطالي فيديريكو فلّيني، حيث البطل مخرج سينمائي ولا يعرف كيف يمكن أن ينهي فيلمه الذي يصوّره، وإن اختلفت المقاربات، فلّيني الأكثر انشغالاً بالصّناعة الفنية للفيلم، وويلز الأكثر انشغالاً بالصناعة السياسية والمالية والتقنية للفيلم. كما يذكّرنا بكلاسيكي آخر هو فيلم «احتقار» للفرنسي جان لوك غودار، تحديداً من حيث التشابه في موقع التناقض في الرؤى بين الفنان والمنتج، وإن كان غودار اختار أن يكون بطله كاتب سيناريو وليس مخرجاً.
لو صار لفيلم ويلز أن يخرج في حينه، قبل أربعين عاماً، لكان اليوم واحداً من أهم الأفلام التي تتناول صناعةَ الفيلم كموضوع لها، وهي أفلام عديدة، والفيلمان المذكوران أعلاه من أهمّها، إلا أن هنالك أخرى لمخرجين كبار كذلك مثل: «الليلة الأمريكية»، 1973 لفرانسوا تروفو.
«ستاردست ميموريز» 1980، لوودي ألن. «ملهولاند درايف» 2000، لديفيد لينش، والعديد غيرها التي قاربت الصناعة السينمائية من زوايا مختلفة، والتي أتى فيلم ويلز اليوم ليكون في المقدمة منها.

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية