عند حاجز على الطريق إلى رام الله لا يوجد من يقوم بفحص الداخلين اليها. أحد الجنود ينظر بملل إلى قافلة السيارات الداخلة إليها. أهلا وسهلا في المدينة المغلقة. بعد ذلك وعلى طول بضع مئات من الأمتار، السيارة تقفز بسبب عائق وكأنها تقول لك: إذا دخلت إلى هنا فستعاني”، هذه كانت الأيام التي سبقت الانتخابات الأخيرة، الحرارة كانت في الذروة، لكن هنا كان الطقس لطيفا. استقبلتنا برودة تجلب الهدوء المدروس. الحدث الذي تمت دعوتنا اليه تم تنظيمه من قبل “مبادرة جنيف”، وفيه التقينا مع مراسلين إسرائيليين ومراسلين من السلطة الفلسطينية من أجل السماع عما يحدث هناك وراء الجدار.
مبادرة جنيف ظهرت إلى العالم بعد مرور وقت قصير على قول رئيس الحكومة السابق إيهود باراك إنه لا يوجد شريك فلسطيني للسلام. بالذات في تلك الأيام المظلمة من الدم والدموع وخلافا لجميع التوقعات قام إسرائيليون وفلسطينيون وعرضوا برنامجا مشتركا لحل النزاع. وحتى الآن، بعد عشرين سنة، لم يتم عرض أي برنامج مشابه، والقصد هنا برنامج علني مقبول على الجهات ذات الوزن في الطرفين. الآن مبادرة جنيف هي ذات علاقة حتى أكثر من الأيام التي أعلن فيها عنها. كل أنصاف البرامج التي تم طرحها منذ ذلك الحين، سواء بصورة سرية أو شبه سرية، تتبنى بخطوط عامة الاتفاق الذي عرضته المبادرة. ولكن قيل في سفر الانشاد “لقد كان الحجر الذي كرهه البناؤون هو حجر الزاوية”.
عن الود الذي وجدناه في رام الله أثقل بعد فترة قصيرة مشاعر الاختناق التي عبر عنها المشاركون الفلسطينيون. “عن أي اتفاق يمكن الحديث؟”، قال شخص من الأشخاص الذين تحدثنا معهم وقدم عرضا مفيدا بخصوص ما يجري في المناطق. تقريبا كل بيت فلسطيني، ليس فقط القرى والمدن، هو جار لإحدى المستوطنات. هذا الوضع حتى في الحي الذي يسكن فيه الرئيس محمود عباس. في طريق العودة مررنا هناك. تنظر وتغضب. على قمة الجبل توجد مستوطنة وفي الأسفل حي عربي. تذكرت ما قاله محرر “يديعوت احرونوت” السابق، هرتسل رزنبلوم عندما زار في منتصف الخمسينيات الناصرة العليا. اليوم اسمها “نوف هغليل”: “في الأسفل على سفوح الجبال التي تحيط بنا، أنت ترى الناصرة العربية صغيرة، تنظر الينا من أسفل إلى أعلى”. العرب هم نفس العرب في كل مكان وكل زمان، سواء كانوا يعيشون في رام الله أو في الناصرة.
غياب الأمل هو المميز الرئيسي للمزاج العام في رام الله، والرأي العام فلسطيني بشكل عام. لقد لفت انتباهي كيف أن الخلاف الايديولوجي بين الحركات الفلسطينية حول شروط حل النزاع، اختفى. ببساطة ليس هناك أي داع للحوار والانشغال في مواضيع جوهرية في الوقت الذي فيه إسرائيل بكل مكوناتها تقريبا غير مستعدة حتى إلى الاستماع. لقد اعتقدنا ذات يوم أن موقفا فلسطينيا براغماتيا سيحرج قيادة إسرائيل ويحضرها إلى طاولة المفاوضات على قاعدة حدود 1967. أجل ذات يوم اعتقدنا بأنه لو أن ياسر عرفات يلفظ فقط الكلمات السحرية “حل الدولتين”، فستفتح ابواب السماء. كم كنا ساذجين.
لماذا يجب على الفلسطينيين مناقشة حدود دولتهم المستقبلية أو مناقشة عرض صيغة مقبولة لحل مشكلة اللاجئين في الوقت الذي فيه إسرائيل توجد في عالم آخر؟ وكأن من خلق المشكلة هم الأوروبيون الأشرار وراء البحار؟ يمكننا التقدير بأنه حتى في الدانمارك البعيدة مستعدون لمناقشة هذه المشكلة أكثر مما هي الحال في إسرائيل. ومع ذلك، سأشير الى ملاحظتين. الأولى، هي أن مبادرة السلام العربية من العام 2002 أضافت جملة مهمة في قضية اللاجئين، وبحسبها الحل “سيكون متفقا عليه من قبل جميع الأطراف”. إسرائيل ليس فقط تجاهلت ذلك، بل هي لم تبحث أبدا في المبادرة في أي إطار حكومي رسمي. الثانية تتعلق بالتقدم الكبير الذي تمثل في التفاهمات التي تم التوصل اليها في قضية اللاجئين في محادثات طابا في العام 2001.
إذا أردنا حل مشكلة اللاجئين حقا وليس تحويلها إلى بساط أحمر يثير كل المخاوف في الشارع اليهودي، قبل أي شيء آخر يجب فحصها بكل أبعادها وبكل مكوناتها والتركيز على المواضيع الأكثر إلحاحيه. في رام الله شرحوا أن المشكلة الملحة توجد في لبنان، حيث يحظر على الفلسطينيون العمل في 100 مهنة تقريبا.
مشكلة حادة اخرى هي أن الفلسطينيين في سوريا الذين وقعوا ضحية للحرب الاهلية. مع مقاربة بناءة ورغبة في الحل يمكن التوصل إلى تفاهمات كثيرة، لكن مقاربة الأوساط الديمقراطية لدينا هي مفاقمة مشكلة اللاجئين واعطاؤها مكانة محترمة في ترسانة “الأخطار الوجودية” التي هي أصلا كبيرة.
بعد ذلك انتقلنا إلى الوضع في القطاع الذي هو جرح نازف في قلب كل فلسطيني. أحد المشاركين قال بأنه في كل زيارة إلى غزة يعود مع انطباع فظيع. البطالة نسبتها 50 في المئة، فقر شديد، خدمات صحية منهارة، آفاق مغلقة أمام الشباب. وفوق كل شيء اليأس العميق. مع ذلك، يشيرون هنا إلى أنه بعد الوقت الذي تضعف فيه غزة، فإن حماس فقط تتعزز اقتصاديا وعسكريا. وهذه هي تعرجات طريق الحصار.
عودة بشارات
هآرتس 25/10/2019