الجبن السياسي مكون أساسي في تاريخنا

حجم الخط
0

مالك التريكي

بث التلفزيون التونسي أخيرا حوارا مع السياسي المخضرم إدريس قيقة، الذي تولى عدة وزارات في عهد بورقيبة، بما فيها وزارة الداخلية إبان ‘انتفاضة الخبز’ في كانون الثاني (يناير) 1984. صرح إدريس قيقة في هذا الحوار بما لم يجرؤ عليه أي من ساسة الجيل القديم. حيث قال إن السماح بالتعددية الحزبية مطلع الثمانينيات لم يكن يعني أن بورقيبة أو أيا من الوزراء والمسؤولين كانوا مقتنعين بحكاية الديمقراطية. ولهذا تم تزوير انتخابات عام 1981 البرلمانية بعلم الجميع وقبول الجميع. وأضاف أن كل الساسة في الحكومة والحزب الحاكم كانوا يوافقون بورقيبة في كل ما يقول ويفعل، ولم يكن أحد ليجرؤ على الاعتراض عليه، ثم قال بصراحة: لقد كان ذلك جبنا منا جميعا. كنا جبناء. ولا أعفي نفسي من المسؤولية. لم تكن لدينا الشجاعة لمعارضة بورقيبة. كنا نقدر العواقب كثيرا.

وعندما تطرق الحديث إلى بن علي، قال إدريس قيقة إن بورقيبة استدعاه من ألمانيا الغربية، حيث كان سفيرا، وكلفه بمهام وزارة الداخلية عقب أحداث مدينة قفصة التي تعرضت أوائل عام 1980، لهجوم شنه كوماندوز مسلح أرسله القذافي لاغتيال رئيس الوزراء وقلب نظام الحكم في تونس. فكان من أول ما أشار به إدريس قيقة على بورقيبة هو فصل بن علي من منصبه. كان بن علي آنذاك مدير الأمن الوطني. وقد بقي أعضاء هذا العصابة المسلحة أسابيع في قفصة يتجهزون لتنفيذ هجومهم من دون أن يتمكن بن علي وأجهزته من اكتشاف شيء من أمرهم، مما يؤكد أن بن علي لم يكن في مستوى المسؤولية المنوطة به. ولولا انتباه خباز الحي الذي أقامت فيه العصابة الى أن هؤلاء يشترون كميات كبيرة من الخبز يوميا، وإبلاغه الشرطة التونسية بذلك، لما علم بهم أحد ولربما تمكنوا من تنفيذ بعض الجرائم التي كلفهم بها ‘الأخ القائد’. هنالك رواية شهيرة تقول إن وسيلة بورقيبة هي التي قالت لزوجها: إن مدير الأمن الوطني هذا ضعيف رديء، ولا يمكن الثقة فيه بعد الآن. وقد يكون تعبير إدريس قيقة عن رأي مماثل هو الذي حمل بورقيبة على اتخاذ قرار بطرده. قال قيقة: توجهت مباشرة إلى وزارة الداخلية واستدعيت مسؤولا كبيرا في الوزارة إلى مكتبي، ثم استدعيت بن علي. طلبت منه الجلوس ثم أخبرته أن رئيس الدولة قرر فصله من وظيفته، فإذا بالرجل يسقط من الكرسي ويغمى عليه! ثم أضاف قيقة أن حالة الإغماء كانت فورية، فانتابتهما الحيرة، هو والمسؤول الآخر، خاصة أنه لم يكن في الوزارة طبيب. ثم اهتدى أحدهما إلى فكرة أن يتم استدعاء صاحب الصيدلية التي تقع قبالة مبنى الوزارة. فأتى الصيدلي وعاجل بن علي بحقنة كان من أثرها أن استعاد وعيه. ذلك هو بن علي مدوخ الإرهابيين. كان متعاونا مع استخبارات القذافي. لكن أحداث قفصة باغتته وبرهنت على عدم كفاءته، حيث تفوق الخباز عليه في الفطنة وخدمة أمن الوطن. وقد ظل بن علي بلا عمل مدة بعد فصله حتى تدخل رئيس الوزراء محمد مزالي لصالحه وأقنع بورقيبة بالصفح عنه وإرساله سفيرا إلى… بولندا. ولعل بورقيبة اعتبر ذلك التعيين عقوبة ونفيا. إذ إن إعراض بورقيبة عن دول الكتلة الشيوعية معروف، حيث لم يحدث أن زار موسكو على الإطلاق رغم الدعوات، كما أن له قولا، يرويه الشهود، عن حتمية اندثار الاتحاد السوفييتي.

قلت لمحمد مزالي على سبيل المداعبة، عندما التقيته في باريس عام 2006، صحيح أنك من ضحايا نظام بن علي، لكنك أيضا تتحمل بعض المسؤولية عن وصوله إلى السلطة. نظر إلي بدهشة، وقال: أنا؟ قلت: ألم تكن أنت الذي عطفت عليه بعد طرده وتوسطت لدى بورقيبة مقترحا عليه أن يبعثه سفيرا؟ لو لم تفعل ذلك لطواه النسيان ولكفيت البلاد شره. فقال لي: كان انطباعي عن بن علي إيجابيا لأني أتذكره، منذ توليت وزارة الدفاع في الستينيات، ضابطا مجتهدا ومطيعا. ما طلبت منه شيئا إلا أجاب: حاضر. بل إني لا أذكر، طيلة سنوات طويلة من عمله تحت إمرتي، أنه دار بيننا أي نقاش. الطريف أن ما اعتبره مزالي انضباطا والتزاما بالطاعة، في شخصية بن علي، هو بالضبط ما اعتبره قيقة ضعفا ورداءة. قيل له في الحوار التلفزيوني: إن الشخصيات المستقلة اختفت طيلة 23 عاما لأن بن علي ‘غطى عليها’. فأجاب: غطى عليها؟ وهل كان شمسا مشرقة؟ بالعكس. لقد كان ‘طافي’… (أي عديم الشخصية، منطفئ الذات باهت الصفات).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية