الجبهة الثالثة في الحرب وانعدام المعني الأخلاقي
محمد خليفةالجبهة الثالثة في الحرب وانعدام المعني الأخلاقيأعلن الرئيس الأمريكي بوش أن حزب الله أصبح يشكّل جبهة عالمية ثالثة في الحرب علي ما يسمي الإرهاب . أي أنه ثالث جبهة بعد أفغانستان والعراق، هذا الإعلان يدوّي علي نحو لم يسبق له مثيل في تاريخ العالم في صراحة جارحة واستعلاء، ويهدف إلي إضرام النار ولهب الفتنة بطعم الرماد ليشعل حطب التوتر من أجل أن يتكرر المشهد الدموي في لبنان بعد العراق. وكلام الرئيس بوش يعني أن الحرب التي شنتها إسرائيل علي لبنان كانت بالنيابة عن الولايات المتحدة، وأن هذه الحرب لن تتوقف حتي يتم القضاء علي حزب الله. لكن ماذا فعل حزب الله للولايات المتحدة حتي يقرر رئيسها الحرب عليه، فهل اعتدي يوماً ما علي مصالح الولايات المتحدة في لبنان أو في سواه من دول العالم، أم أنه قام بعمليات حربية علي الأرض الأمريكية؟ قطعاً، أنه لم يستهدف أية مصالح أمريكية، ولم يعلن الحرب علي الولايات المتحدة، بل إنه ومنذ إنشائه عام 1986، كان هدفه الرئيسي محاربة الاحتلال الإسرائيلي الجاثم علي أرض لبنان، وقدّم هذا الحزب تضحيات جسيمة حتي أجبر إسرائيل علي الانسحاب من معظم الأراضي التي كانت تحتلها في جنوب لبنان عام 2000. ولم يوجّه سلاحه يوماً إلي الداخل اللبناني، ولم يفرض وجوده بالقوة علي الواقع السياسي اللبناني، بل إنه رسّخ وجوده كمقاومة ليس لها أي هدف سوي ردع العدو الإسرائيلي ومنعه من السيطرة علي لبنان. وقد شكّل هذا الحزب شوكة في حلق إسرائيل التي وجدت نفسها فجأة، أمام قوة لم تكن في الحسبان، فقد كانت تظن أنها تستطيع أن تفعل أي شيء في لبنان دون أن تدفع أي ثمن. لكن هذه المعادلة انقلبت بعد ظهوره، حيث أصبحت إسرائيل مضطرة لدفع أثمان باهظة عن كل جرم ترتكبه بحق لبنان وبحق الشعب اللبناني. وكان أول هذه الأثمان هو انسحابها المذلّ من جنوب لبنان بعد احتلال دام أكثر من عشرين عاماً وبعد أن فقدت مئات الجنود ومئات الدبابات والآليات من جراء عمليات المقاومة. لكن انسحابها لم يكن كاملاً، فقد احتفظت بمزارع شبعا، وظلت تعتقل عشرات اللبنانيين في سجونها، وظلت طائراتها تنتهك الأجواء اللبنانية بشكل يومي، وظلت سفنها وزوارقها الحربية تحاصر الشواطئ اللبنانية وتمنع الصيادين اللبنانيين من الصيد في البحر. وقد قتلت هذه السفن والزوارق عدّة صيادين وخطفت آخرين من دون ذنب، وكل هذه الأفعال رآها العالم ولم يحرك ساكناً لوضع حد لها، لماذا؟ لأن إسرائيل تحظي بحماية ورعاية مَّنْ تصف نفسها راعية الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في العالم ألا وهي الولايات المتحدة. وعندما قام حزب الله بأسر جنديين صهيونييْن من علي حدود فلسطين المحتلة لمبادلتهما بالأسري اللبنانيين، اتخذت إسرائيل من ذلك مبرراً للانتقام من لبنان، فشنّت عدواناً واسعاً عليه تحت مسمي إعادة الأسري، ومن ثم تعدّل هذا العنوان ليصبح تنفيذ القرار الدولي 1559، والذي ينص علي نزع سلاح حزب الله. فيا للعجب، هل فوّض المجتمع الدولي إسرائيل بتطبيق قراراته التي لم تطبق في العالم أجمع بما فيه لبنان؟ وعلي الرغم من أن إسرائيل دمّرت في هذا العدوان الوحشي، عن سابق إصرار وتصميم عشرات القري والبلدات الجنوبية، وقتلت مئات المواطنين اللبنانيين الأبرياء، ودمّرت الضاحية الجنوبية لبيروت التي هي أشبه بمدينة صغيرة حيث حوّلتها إلي ركام، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها، فانكفأ جيشها خائباً من الجنوب، واهتزت أركانها من وقع هذه الهزيمة، وقد شكّلت هذه الهزيمة أيضاً صدمة كبيرة للولايات المتحدة التي بنت أحلاماً وردية علي ذاك العدوان الذي كان يهدف إلي القضاء علي حزب الله. فأصبحت الولايات المتحدة في حرج كبير وخاصة أمام حلفائها في المنطقة العربية. هؤلاء الحلفاء الذين بنوا آمالهم علي أن أمريكا قوة إلهية لا تُقهر، وأن ما تريده في العالم يجب أن يكون سواء أرادت الشعوب ذلك أم لم ترد. لكن هؤلاء الحلفاء رأوا بأم عيونهم كيف انهزمت إسرائيل وانهزم من ورائها مشروع الشرق الأوسط الكبير الأمريكي. وبالتالي، فإنهم أدركوا حجم الخطأ الذي وقعوا فيه من خلال التعويل علي القوة الأمريكية والإسرائيلية في تسوية شؤون المنطقة. وقد أدركت الولايات المتحدة مبلغ الضرر الذي لحق بحلفائها. وأدركت أن استراتيجيتها في المنطقة العربية قد ضُربت في مقتلها. لذلك قررت عدم الاستسلام لحزب الله، وعلي أثر ذلك أعلن الرئيس الأمريكي الحرب علي حزب الله مخالفاً في ذلك القرار الدولي رقم 1701. وقطعاً، لن ترسل الولايات المتحدة قوات عسكرية إلي لبنان لقتال حزب الله، لكنها ستفتح المجال أمام إسرائيل لتنتقم وقتما تشاء وكيفما تشاء وتقتل إذا استطاعت أي مسؤول أو مقاوم في الحزب. فيد إسرائيل ستبقي مطلقة في لبنان، وسوف تشتدّ المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في الأيام القادمة، وعلي الذين يطالبون بنزع سلاح حزب الله أن يسألوا الرئيس الأمريكي جورج بوش، لماذا يتدخّل في شؤون لبنان، ولماذا يفتح جبهة عالمية جديدة للحرب علي ما يسمي بالإرهاب في لبنان. فهل بعد الإعلان عن فتح هذه الجبهة يبقي هناك أي مبرر للمطالبة بنزع سلاح حزب الله؟أليس في هذا التصنيف إفراط في القسوة والوحشية والتهديم وكمن يحمل المسدس المشحون بالدم والرصاص من أجل المزيد من الخراب والدمار للمنطقة؟ أليس هذا التصنيف البغيض المحدود الأفق يظهر مدي هذه السياسة الظالمة التي وضعت الولايات المتحدة في أقصي درجات الصعوبة والقسوة مما زاد من نوبات الغضب والحقد عليها وعلي إسرائيل بين أبناء الأمة كافة وهذا ما أكده قول الرئيس الأمريكي السابق كارتر بأن منهج بوش الأصولي غير الأخلاقي وخياراته العسكرية وتخلي الولايات المتحدة عن جميع المبادئ والقيم عزلها عن العالم مضاعفاً درجة كراهية العرب ضدها. وعليه، أليس من العدالة الحية أن يتصرف رئيس أعظم منطقة في الكرة الأرضية بالحكمة والسعي من أجل ولادة فجر جديد يعمه السلام والأمن في المنطقة؟ہ كاتب من الإمارات [email protected] http://www.mohammedkhalifa.com8