د. حسين علي شعبانفي المناسبات العزيزة يتبادل الاحبة الهدايا، الرسائل، الخطب، عبارات الثناء ويختموها بالوعود والعهود. لا املك مالا اقدمه للرفاق لأني اناصب الثراء العداء كما انهم شطبوا منذ عقود اسمي من لوائح عضويتهم. الانتماء الى الوفاء اوسع من العضوية وسجلها المتبدل المتقلب، فالشهداء تشطب اسماءهم من سجلات العضوية وكذلك القابضين على حفنة مبادئ ترفض الجمود وتنصيب الافراد الهة او اصنام للعبادة. لكل رفاق الجبهة الديمقراطية الشهداء منهم والاحياء اهدي هذه الكلمات. التقينا في عاصمة ورك (مقاطعة شكسبير) وسط المملكة، مدينة صغيرة تنتمي الى ما قبل الحروب الصليبية لكنها لم تعرف التطور الصناعي الا بعد تبنت الوافدين من الاسيويين، السكوتش، الايرلنديين ليؤسسوا مجتمعا له لهجة اللغوية كما تراثه الصناعي ونمطه الاجتماعي. لا أحد يجرؤ على التبجح انه ابن بلد له حقوق اكثر من الأخرين. لا يجرؤ قاض، مخترع، ثري او ضابط شرطة على تجاوز الطابور في مقهى الخدمة الذاتية او البنك او أي مكان عام. تلتقي الملابس والقوانين في اخفاء الانتماء الطبقي والعائلي. كلما ذهبت الى المدرسة لأحضر اطفالي يحضرني القول اللبناني الصيداوي التهكمي المشهور ‘اللبنانيون كثر في صيدا’ فأقول الانجليز كثر في هذه المدرسة. لكني اكتشفت مؤخرا ان كل من يولد في هذا البلد يعتبربالقانون مواطنا انجليزيا (هناك فرق لغوي بين الانجليزي والبريطاني، فالانجليزي هو من ولد في انجلترا اما البريطاني فهو كل من يحمل جواز سفر بريطاني او مواطن الممــــلكة المتحدة) يبدأ حياته المدرسية بزيارة متحف السيارات في المدينة ثم مصانع جاكوار للمركبات الفارهة. ابا هشام؛ سعيد الاحمد وانا العبد الفقير الى الله تشظينا من جسد الجبهة الديمقراطية، لتحط بنا الاقدار في هذا الملجأ الرحيم بعد ان نحر برابرة العصر اهلنا واحباءنا في مخيم النبطية، تل الزعتر، صبرا وشاتيلا والداعوق في حملات ابادة لم تتوقف منذ العام 1948. كعادتي نظرت الى الزاوية التي اصبحت جزءا من لقاءاتنا الدورية والمنتظمة وكأنها اجتماع حزبي نحرص ان لا نتأخر عنه خوفا ‘من نقد ذاتي’. حضرتني رخامة وجهورية صوت غسان البقاعي ابو حسام مقدما خطباء احتفالات الجبهة عام 1978 في الملعب البلدي في بيروت وهدير النهر البشري القادم من المخيمات ليذكر العالم باستعادة اهل فلسطين لموقعهم في الجغرافيا البشرية. سنواتها تعانقت حناجر الشيخ امام، مارسيل خليفة، احمد دحبور، سميح شقير لتصقل افكار كارل ماركس، لينين، تشي جيفارا، كاسترو وهوشي بنسختها العربية – الفلسطينية البيروتية، المتألقة بالثقافة، الديمقراطية وحق التعبير عن الرأي. واعدت سعيد ان نلتقي في مركز المدينة ظهر 20 شباط/ فبراير 2012. قلت يا ابا هشام اجدك اعتدت تنتظرني في نفس الزاوية ما رأيك ان نشتريها فنتملكها؟ ضحك سعيد وراح يقص علي عادات انجليزية لا يكتسبها المرء الا بالممارسة. عن سبق اصرار اردت للحوار ان ينكأ الجراح القديمة المنكوءة ابدا، كيف لا وسبب وجذور صداقتنا وجامعنا المشترك هو ذلك الارث المجبول بدماء وو عذابات واحلام احبائنا. كلانا تتلمذ وعاش سنوات طويلة كمحترف في مؤسسات الجبهة الديقراطية. قبل الجبهة، لم اكن مثقفا ولا متعلما، لم اكن افقه في السياسية الا همسات امي وهي تنبه والدي الى وجود متطفل يقف في الزاروب خلف الجدار يسترق السمع اوينصب كمينا لفلسطينيا يتلبس جرم الاطالة في السهر المرادف للأنشطة الساسية المحظورة. لم تكن السياسة في عقد الستينات وحدها ممنوعة على من اجبر العيش او ولد في مخيم معزول محاط بقوانين واعراف عنصرية تحرسها قيود ظالمة ليس آخرها الحرمان من حق العمل الا الشاق منه وبدون اي حماية قانونية او تأمينات اجتماعية. المرحوم جلال كعوش من قرية الصرفند الفلسطينية مات تحت التعذيب في اقبية الامن السري ‘المكتب الثاني’ وكان ابو عدنان قيس نزيلا دائما لنفس الاقبية وجلاديها، قافلة من الرجال الذين بالكاد تتسع موسوعة لأسمائهم. لم ينج الاموات من الظلم؛ الميت من اهل المخيم او من تهيأ لأقاربه انه فارق الحياة كان يدفن على عجل بلا موافقة الطبيب الشرعي، استغاثة الفلسطينيين المدفونين احياء كانت مسموعة ليلا في مقبرة المعشوق فيعتقد الناس انه عذاب القبر ليتخففوا من وطأة عذاباتهم الدنيوية.
سألني ابو هشام ان كنت اعرف شخصا باسم…. قلت بحسرة ومن اين لى ان اعرف وكنا جميعا نحمل اسماء حركية. لكنه تابع موضحا؛ نشر هذا الشخص وهو رفيق سابق مادة على الفيس بوك يتشفى فيها بمسؤول كبير في الجبهة انقلب قارب سلطانه. قلت لم اعد من انصار التشفي او محبي الانتقام وتابعت سائلا كيف تقيم تجربتك في الجبهة؟ كانت اجابات ابو هشام متداخلة بالزمان والمكان فيحسبها المستمع متناقضة؛ وهي كذلك شكلا لكن الصدق الصدوق في المحتوى لا يدركه الا طاعن. حكايات وذكريات يمتزج فيها الفرح بالحزن، النصر تلبسه الهزيمة، الشباب تقهره الكهولة، العمل تتربصه البطالة، الصدق يفتكه الكذب، الاحلام تصعقها الخيبات، الوطن تنحرة الخيانة. اطلق سعيد سراح افكاره وذكرياته لتصول بحرية في ازقة تل الزعتر، خروبة الدامور فيعرج على دمشق بمدارسها وجامعاتها ثم رام الله التي زارهــــا ابناؤه قبــله لينتهي الحديث بغصة وحسرة اختصرها بالقول لماذا لم ننجح… لماذا كانت هذه نهايتنا؟ قلت يا ابا هشام والله ولو قدر لي ان اعود الى طفولتي واختار طريق حياتي لما غيرت فيه قيد انملة، ما بك انت رجل ناجح؛ ابنتك انهت دراستها الجامعية، ابنك يتعلم في جامعة ورك (واحدة من الجامعات المرموقة عالميا) اطفالك يكبرون في مجتمع تعمه المساوة، لا احد يعيبهم بجنسيتهم او ينتقص من مكانتهم الانسانية. تابعت أما وقد سمعتك فاليك حكايتي التي سأعيد على مسامعك تكرار بعض فصولها للمرة العاشرة.
في احدى جلسات التدريب ‘التثقيف’ الاولى في مخيم تل الزعتر صيف 1975، في غرفة استضافنا فيها احد الرفاق اجتمع صالح ابو النعاج، احمد الاحمد (ابو المنذر)، فايز ابو حميد، عامر القاروط، صالح زيدان، مهدي، احمد ابو ودووّ، محمد عثمان (الشبل)، جبــــران، سمــــير رحمة، جورج ابو الرائد وآخرين. سأل الرفيق فهد ماذا تعني كلمة ديمقراطية؟ تطوعت للكلام فرحت اتأتئ ولساني يتلعثم بعبارات متقطعة. لم يزجرني او يوبخني احد فهذه كانت تجربة غير مسبوقة لنا جميعا. خلال تلك السنوات انشغل الرفيق تيسير خالد بانشاء حلقات التثقيف في التاريخ، السياسة والفكر. هناك تعرفت على اميل توما ‘جذور القضية الفلسطينية’ واميل حبيبي ‘سعيد ابي النحس المتشائل’ وتوفيق زياد بشموخه وشعره. منحتني جلسات التقيف تلك اما لم تلدني هي ام سمعان مرقص بعد ان التقيت ابنها قسطنطين مرقص (ابو اليسار) الذي فتح لي الآفاق الرحبة لعلاقة انسانية ووطن يأبى اهله الزوال اوالذوبان. جلسات تثقيف تل الزعتر لم تكن الا بداية رحلة العلم في موسم موسكو ثم حقبة صوفيا بلغاريا التي حققت احلام والدي وقبله جدي الذي قتله الصهاينة صيف 1948 لأنه لم يتمكن من قراءة محتوى قصاصة ورق (يبدو انها كانت تحمل اذنا بتاريخ وساعة محددين لمغادرة قريته ديشوم). تابعت الحديث، زرت مودعا الرفيق سليمان رياشي (سعيد عبد الهادي) ربيع 2001 في مكتبه في مقر صحيفة ‘المستقبل’ في بيروت. بعد ان استمع سعيد الى تبريراتي وحججي المسهبة (لأقنع نفسي) حول قراري مغادرة لبنان الى غير رجعة وان وجهتي الاخيرة لندن. نصحني رياشي بعبارات ‘ احذر ان لا تنضم الى الواقفين في طابور الاعانات الاجتماعية فتزيدهم واحدا’. أضفت ها نحن بلغنا المملكة المتحدة ونعيش حياة مترفة مقارنة بحياة اهلنا في البلاد ولكن هل تعتقد ان هذا المجتمع نموذجي وخال من العيوب؟ بالتأكيد لا، انا اتطوع للعمل في النقابات وانا ممثل منتخب لمنظمة نقابة كبيرة العدد ومع ذلك فإن مضايقات رب العمل وبيروقراطة محترفي العمل النقابي تؤرقني. في مصادفة نادرة توجهت صباح 22 شباط 2010 الى المكاتب الرئيسية للشركة التي اعمل لديها. تطبيقا للقانون رافقني الى الاجتماع زميل نقابة محترف يدعى ديفيد داي ليمثلني في جلسة الاستماع الى شكوى تقدمت بها ضد احد مدراء الشركة. لفتني خرق زميلي لتقليد معروف يتمثل في دخول ممثلي النقابة سوية الى مكان الاجتماع. وجدت ديفيد في مكتب المدير يتبادلان الحديث. طلب ديفيد الي اللقاء على انفراد في خلوة قصيرة. في المكتب المجاور سأل ديفيد: حسين، ما هي مطالبك الى الجلسة وكم تريد تعويضا ماليا؟ أريد اعتذارا مكتوبا اولا وبدل اجوري المستحقة التي اقتطعها رب العمل بغير وجه حق. رد ديفيد؛ ان الشركة تريد فسخ عقد العمل معك، فهل تقبل بمبلغ عشرة آلاف جينه وتستقيل من الوظيفة؟ قلت بمكر ما السبب، قصور في ادائي الوظيفي اما نشاطي النقابي؟ الاخيرة رد ديفيد. خيم الصمت للحظات انتصب خلالها اسمي الثلاثي الذي يعبر عن اصلي وفصلي وكل ما له من تبعات الانتقاص من وطنية وامانة وانسانية العرب؛ تزاحمت الاحدات والشخصيات في مخيلتي وانتابني شعور بالاهانة وسؤال يقول هل انا للبيع؟ نظرت في وجه ديفيد وبنبرة متوترة سألت كيف تقبل على نفسك وانت زميلي ان تحمل لي اقتراح كهذا… ماذا سأقول لزملائي الذين انتخبوني لأمثلهم وامثل مصالحهم… انا شخصيا بحاجة الى كل قرش من هذا المبلغ لكني ارفض العرض جملة وتفصيلا. انفضت جلسة الاجتماع بلا نتيجة. واجهت رب عملي في 25 تموز/ يوليو 2011 في محكمة عمالية دفع اليها رب العمل بثلاثة من كبار مدرائه واثنين من جهابذة محاميه، كنت وحيدا بحضور ديفيد وموظف آخر قدم للشهادة لصالحي. بعد ثلاثة ايام من الاستماع اقر القضاة الثلاثة بأحقية وقانونية شكواي، علت ابتسامة صفراء وجه ممثلي المدعى عليه الذين بادورا اخيرا لتحيتي، مددت يدي لمصافحتهم لكني كنت اعلم ان المعركة الحقيقة قد بدأت لتوها. في تشرين الاول/ نوفمبر 2011 توجت مفاوضات ادرتها بصبر لستة عشر شهرا زيادة أجور لزملائي قدرها 9.2′ وهي سابقة نادرة في مفاوضات الاجور في المملكة اقله خلال الخمس سنوات الاخيرة. جدد زملائي دعمهم ومساندتهم لي لكن كبار مدراء رب العمل لم يتعظوا من الدرس فأوقعوا انفسهم في ازمة مواجهة جديدة ستودي بهم حتما الى الوقوف صاغرين تحت قوس المحكمة. رفعت وجهي الى ابو هشام وقلت ما رأيك وما الفرق بين هذا وذاك قل لي ابن طريق العدل اين تخــــتبئ السعادة؟ بالمناســـبة تابعت وانا في اعقد الخامس دراستي بموازة عملي فحصلت على دبلـــــوم في ‘قانون العمل’ وآخر في ‘الصحة والسلامة في مكان العـــمل’. لســـت اتحدث عن شخصي فالافراد الاشخاص الى زوال لكن المجتمـــع باق وكذلك القيم، اتحدث عن تجربة شخصية كبر صاحـــبها في مدرسة الجبهة الديمقراطية.’ كاتب فلسطيني