الجدار الفاصل حوّل مدينة القدس وضواحيها الي سجن كبير
صعوبة التنقل اثرت علي التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية.. ومدينة رام الله لا تستطيع ان تكون ابدا بديلاالجدار الفاصل حوّل مدينة القدس وضواحيها الي سجن كبير تظهر في الصفحتين 32 و33 من تقرير بين الجدران الذي تصدره في هذه الايام منظمة بيماكوم (في المكان) خريطة هي خريطة جدار الفصل في منطقة بير نبالا، وهي بلدة فلسطينية كانت حتي أمس ضاحية مدنية للقدس الموحدة، ملاصقة لحي بيت حنينا المقدسي، كما تلاصق حولون حي هتكفاه في تل ابيب. يفترض ان تكون الخريطة واضحة. لكن هذه الخريطة تصيب الرأس بالألم. يمكننا أن نجد فوق بُعد لا يزيد علي 12 كيلومترا اربعة جدران علي الأقل معلمة بالأحمر، واربعة ألوان مختلفة لتعليم اربعة أنواع من المناطق، وشارعين تحت الارض باللون الاخضر، وشارعا بنيا لدوريات الجيش، وخمسة حواجز وحداً بلديا واحدا هو تحديد للمنطقة البلدية للقدس ملون بالازرق.تم استكمال جزء من الجدران، ومن الشوارع والمعابر في بير نبالا، وجزء آخر في مراحل البناء، ولم يبدأوا العمل بعدُ في جزء آخر. لكن الاتجاه واضح. ففي داخل منطقة من بضعة كيلومترات يفترض أن يعيش 15 ألف انسان في خمس بلدات ـ بير نبالا، والجديرة، وبيت حنينا القديمة، والجيب ـ محاطة من كل جهة بالجدران، والطرق الترابية العظيمة والأسوار الاسمنتية بارتفاع تسعة أمتار.ان السفر في الجيوب يُحدث احساسا غريبا، بسجن واسع. مدينة القدس تبعد قليلا عنه، يمكن شمها لكن عدم الوصول اليها. بل إنك تستطيع أن تطل من الأعلي علي السيارات المسرعة الي داخل القدس علي شارع بيغن الي الشمال، لكن لا تستطيع الوصول اليه. فكل شيء مسدود.تسافر نحو الغرب، وتصادم حاجزا مغلقا مسدودا بقرب قرية الجيب. وتسافر جنوبا الي بيت حنينا القديمة، وتصل شارعا ترابيا مختلا سيُسد بعد قليل بجدار. ومن الشمال ومن الشرق تطوقك أسوار الاسمنت المشرفة علي شارع بيغن الي الشمال. حتي لقد سُدت المعابر تحت الشارع بالاسمنت. هناك معبر واحد فقط مفتوح للحركة، هو المنفذ الوحيد من السجن الي بير نبالا، وهناك ايضا، كما يناسب مخرج السجن، ينتظرك في طرف المعبر حاجز للجيش الاسرائيلي.علي حسب تقرير بيماكوم ، الذي كتبه ألون كوهين ـ ليبشيتس، ليست بير نبالا وحيدة. لا حقا. إن عائق الفصل سينشئ ما لا يقل عن 21 جيبا في الضفة، يعيش فيها نحو 248 ألف فلسطيني. اذا زدنا علي ذلك الفلسطينيين الـ 250 ألفا الذين يعيشون في القدس وسيبقون في الجانب الاسرائيلي ، فسنبلغ نصف مليون فلسطيني يفصل بينهم الجدار أو سيفصل بينهم وبين المنطقة الفلسطينية في الضفة.يميز تقرير بيماكوم بين أنواع من الجيوب. أحدها يُسمي جيب تماس: يعيش الفلسطينيون في الجانب الاسرائيلي من الجدار، أي أن الجدار يفصل بينهم وبين المنطقة الفلسطينية ولا جدار يفصلهم عن اسرائيل، لكن لا يُسمح لهم بالطبع باجتياز الخط الاخضر بلا ترخيصات خاصة (المنطقة التي يسكنونها تسمي باللغة المهنية لجهاز الأمن مجال التماس ).القاضي لم يحصل علي رخصةيوجد اكثر من سبعة آلاف فلسطيني الآن في هذا الوضع، في منطقة برطعة، وخربة جبارة (بقرب الطيبة) والفيه منشه، في الأساس. حياتهم معقدة تعقيدا خاصا. انهم يحتاجون الي ترخيصات بقاء مؤقتة، تعطي لاثنين علي نحو عام، لكي يسكنوا بيوتهم التي يملكون. اذا أرادوا استدعاء ضيوف يعيشون في الضفة الي بيوتهم، فانهم يحتاجون الي أن يحصلوا لهم علي ترخيصات خاصة.في آذار (مارس) 2004 مثلا، خطب ابن رئيس مجلس رأس الطيرة، وهي قرية تقع داخل جيب كهذا بقرب الفيه منشه. دعا رئيس المجلس الي الاحتفال أبناء العائلة واصدقاء يسكنون في القري المجاورة، لكنهم موجودون في الجانب الفلسطيني من الجدار. لم تُعط الادارة المدنية أحدا من المدعوين ترخيصا، بل إن القاضي الذي كان يفترض أن يُتم مراسم الخِطبة لم يحصل علي رخصة. أُلغيت المراسم.الحديث ليس عن نماذج انتقائية. إن الحياة المعتادة في هذه الجيوب أُضر بها إضرارا عميقا جدا. الخدمات الصحية توجد في الجانب الفلسطيني من الجدار، وللحصول عليها يجب علي الفلسطينيين اجتياز معابر خاصة تُغلق قُبيل المساء. يحتاج المعلمون، والاطباء ومزودو الغذاء الفلسطينيون الي ترخيص خاص للوصول الي الجيوب. اذا ما حاول سكان الجيوب الحصول علي هذه الخدمات في اسرائيل، التي لا يفصلهم عنها أي جدار كما قيل آنفا، فانه تنتظرهم سنة سجن لمكوث غير قانوني. وتنتظرهم خمس سني سجن اذا ما دخلوا احدي المستوطنات الموجودة في هذه المناطق بلا ترخيص.في الخطط الأولية لمسارات الفصل التي أُجيزت في جهاز الأمن كان يفترض ان يعيش عشرات آلاف الفلسطينيين في جيوب كهذه. ولكن بعد قرار حكم محكمة العدل العليا – بيت سوريك، الذي تقرر فيه واجب الحفاظ علي نسيج حياة الفلسطينيين، حاول جهاز الأمن تضييقها قدر الامكان. بل لقد حُل أحد الجيوب الذي كان أُقيم في باقة الشرقية.لكن زُعم في تقرير بيماكوم ان تعريف الجيب لا ينطبق فقط علي المناطق الفلسطينية الحبيسة بين جدار الفصل والخط الاخضر. ان جزءا من الجيوب محاط من الجهات الاربع بجدار، لكن يوجد لها منفذ خروج واحد، تحت الارض، الي المناطق الفلسطينية. وكما هي الحال في بير نبالا أو مثل المخطط لقري الزاوية، ورفات ودير البلوط التي يسكنها نحو عشرة آلاف فلسطيني. يفترض أن يحيط الجدار القري الثلاث، التي توجد شرقي رأس العين علي مبعدة بضعة كيلومترات من كل جهة، وستكون طريق الوصول الوحيدة من معبر تحت الارض تحت الشارع رقم 5.في حالات اخري تنشئ الجيب اعوجاجات جدار الفصل نفسه. إن قلقيلية، علي سبيل المثال، مع سكانها الـ 44 ألفا، يحيطها الجدار من ثلاث جهات، ويبقي منفذا واحدا ضيقا فقط نحو الشرق، يشرف عليه ايضا حاجز للجيش الاسرائيلي. توجد جيوب حبيسة بين الجدار من جهة وشارع لليهود فقط من جهة ثانية. وهكذا بعد إكمال الجدار، سيجد 46 ألف ساكن من قري بيت لقيا، وبيت سوريك و12 قرية اخري جنوبي شارع موديعين (الشارع 443) أنفسهم سجناء بين جدار الفصل الذي سيحيط بهم من الجنوب ومن الشرق ومن الغرب وبين الشارع السريع الذي يحظر عليهم السير فيه بل المرور تحته فقط في نقطة واحدة فحسب.رام الله بدل القدسلنعد الي بير نبالا. ان البلدات الفلسطينية الخمس كلها الموجودة في الجيب اعتمدت منذ كانت علي الصلة بالقدس. كانت بيت حنينا القديمة في الجيب، وبيت حنينا الجديدة التي هي جزء من القدس بلدة واحدة في الأصل. توجد مقبرة بيت حنينا داخل الجيب، وكذلك مسجدها القديم. حتي اقامة الجدار، فصل 1.5 كيلومتر بين جزئي القرية، وقطعه السكان سيرا علي الأقدام. الآن مع بناء الجدار، سيكون عليهم أن يسافروا 14 كيلومترا وأن يجتازوا حاجز قلندية.بالاضافة الي العلاقات العائلية، كانت جميع الحياة المدنية لسكان جيب بير نبالا موصولة بالقدس. جاء زبائن قاعات الأفراح في بير نبالا من القدس، واستأجر الشقق في بيت حنينا القديمة طلاب تعلموا في القدس، وكانت المستشفيات التي ذهب اليها السكان في القدس. يفترض الآن أن تُقطع جميع هذه الصلات. إن الحل الذي يقترحه عليهم جهاز الأمن هو الحصول علي هذه الخدمات في رام الله. من اجل ذلك شُق شارع نسيج الحياة ، الذي يمر تحت شارع بيغن الي الشمال، ويصل سكان بير نبالا برام الله. سيكون هذا الشارع ايضا مخرجا لـ 46 ألفا من سكان جيب بيت سوريك وبيت لقيا، الذين سيُربطون بجيب بير نبالا بشارع تحت الارض يمر تحت شارع جفعات زئيف.في أحد القرارات الأخيرة للقاضي المتقاعد اهارون باراك في المحكمة العليا قرر أن هذا الحل ـ شارع نسيج الحياة ! ـ مُرضٍ، ولهذا لم يرفض الجدار حول بير نبالا. في رد الدولة علي قرار محكمة العدل العليا قيل إن هذا المعبر سيكون مفتوحا وغير مقيد. لكن عند زيارته قبل نحو اسبوعين قام هناك حاجز للجيش الاسرائيلي وفتش المارين. علي حسب قول كوهين ـ ليبشيتس، بالاضافة الي هذه الأكذوبة الصغيرة، الفكرة كلها داحضة. رام الله مدينة صغيرة، فيها نحو 25 ألف ساكن، وليس فيها امكان أن تلبي احتياجات عشرات آلاف السكان الذين سيتوجهون الآن اليها. في مجال الصحة مثلا فيها مستشفي حكومي واحد، صغير وغير متقدم جدا، في حين يوجد في شرقي القدس نحو اربعة مستشفيات علي مستوي عالٍ. يشبه هذا الأمر أن يُحيطوا بـ مفسيرت تسيون بجدار من ثلاث جهات، ويفصلوها عن القدس، ويدعوا لها منفذا تحت الارض نحو بيت شيمش. ليس شارع نسيج الحياة حلا .ميرون ربابورتكاتب في الصحيفة(هآرتس) 22/1/2007