الجدّة الاستشهاديّة

حجم الخط
0

الجدّة الاستشهاديّة

رشاد أبو شاورالجدّة الاستشهاديّةهي فاطمة النجار الجدة التي بلغت السابعة والخمسين، أكبر الاستشهاديات والاستشهاديين عمراً، والتي تركت رسالة مصورة وهي تحمل بندقيةً، وتتزنر بحزام ناسف، وتضع علي رأسها عصبة خضراء، وتقرأ من ورقة كتبت عليها رسالتها بخط يدها: أقدم نفسي لله وفداءً للوطن ثم للأقصي، وأتمني أن يتقبل الله مني هذا العمل، وأقدم نفسي للمعتقلين والمعتقلات، وأسأل الله أن يفك أسرهم…الجدة لم تختر هذه الخاتمة لحياتها، فهي تمنت أن تحج إلي بيت الله الحرام، وأن تصلي في الأقصي مقدسةً حجتها، وأن تبتهج في ما تبقي لها من عمر برؤية أحفادها وهم يكبرون تحت ناظريها، تحت جناحي آبائهم وأمهاتهم، يمرحون في شوارع كغيرها من شوارع مدن وقري هذه الدنيا. شوارع لها أرصفة، يمر عليها متسكعون، وفضوليون يتسلون بالتفرج علي واجهات المحال التجارية. شوارع يتقافز الصغار فيها علي دراجاتهم، يتنططون، ويتأودون بدراجاتهم بين السيارات تلاحقهم تحذيرات سائقين قلقين عليهم، يرون فيهم أطفالهم أو من سيكونون أطفالهم ذات يوم بعد أن يتزوجوا من فتيات قمحيات اللون. شوارع تفضي إلي حدائق للنزهة واجتماع الناس ليستمتعوا بالماء والخضراء والوجه الحسن. شوارع يتطاير فيها أطفال المدارس كالفراش مثيرين جلبةً وفرحاً وبهجة للناظرين، لا شوارع تحرث أرضها الدبابات، وتترصد الرشاشات بالموت من يتحرك فيها.لكن هذا لا يحدث، فالشيخة فاطمة أم محمد وإن تمنت هذا المشهد، فهي لا تري سوي صواريخ تنقض علي البيوت فتهرس تحتها الأمهات والآباء والأطفال، ولا تري لأطفال بيت لاهيا وكل فلسطين سوي مصير (محمد الدرة) و(هدي غالية)!.أم محمد شلعت قلبها صيحة هدي علي شاطئ البحر، وهي تنعف التراب علي رأسها: يابا.. وأبوها لا يجيب، وصيحتها تتبدد علي أمواج البحر، وتحت سماء تظلل البشر أجمعين، فلا يهب لنجدتها أحد، ولا يرتفع ميزان العدل والحق لعقاب المجرمين !…أم محمد انطلقت في مقدمة سيدات بيت حانون لفك الحصار عن فتية شجعان طوقتهم علي الأرض دبابات، ومن السماء صبت عليهم النيران طائرات الآباتشي.أم محمد أوجعها مشهد مزق أجساد أفراد عائلة (العثامنة) في بيت حانون، وفطرت فؤادها برك الدم، فأضـــمرت فعلاً يكون رسالة…اعتاد المحتلون أن يمنعوا دخول من هم دون الأربعين للصلاة في المسجد الأقصي أيام الأعياد والمناسبات الدينية، وأيام الجمع في رمضان. واعتادوا أن يحرموا من هم دون الأربعين من دخول الخط الأخضر، علي اعتبار أن من هم في هذه العمر يميلون للتضحية بأنفسهم كونهم شباباً فائري الدم، ليس وراءهم زوجات وأولاد وبنات.أم محمد لم تكتف بفرد سجادة الصلاة والاكتفاء بالدعاء علي المحتلين قساة القلوب، سائلةً الله أن يعاقبهم علي أفعالهم، وأن ينتقم منهم، ولكنها طوت سجادة الصلاة، وضربت استخارة، فقر قرارها أن تنزل إلي ميدان المعركة بنفسها ـ هل تأملتم ملامحها؟ أليست تشبه الربة (عناة) في التراث الكنعاني؟ ربة الخصب، والزواج، والحرب ـ فهذه الحياة ما عادت تطاق، وهؤلاء الجنود المجرمون لا بد أن يخافوا (كل) الفلسطينيين، من (كل) الأعمار، فالغضب لا عمر له لأنه يولد علي أرض فلسطين مع المشيمة، ويغذي كحبل السرة.شيخة الاستشهاديين والاستشهاديات في عقدها السادس ليست فتاةً غرةً، وفتياتنا يولدن كبيرات العزيمة في كنف أمهات عجنتهن المآسي، وآباء توارثوا روح وعزيمة الفداء.لم تفشل أم محمد في قصة حب لتقع في اليأس، ففي روحها نبع حب فياض، وإلا ما الذي يدفعها لما فعلت؟!لم تخسر أم محـــمــــد رأس مالـــها في بورصة الأســــهم، فأسهمها تضمنتها رسالة (الوداع) التي جاشــت بها نفسها الطاهرة المؤمنة.لم تيأس أم محمد لأنها عاقر، فهي أم فلسطينية ولود لها أبناء وبنات وأحفاد وحفيدات.لم تكره أم محمد العيش لأنها مصابة بوهن الجسد، أو لأنها عالة، فهي قوية الجسد، والروح، والإيمان، وهي ركضت إلي مسجد النصر سابقة البنات الصغيرات، رفرفت بأجنحتها علي شباب رضعوا حليب أمهاتهم فشبوا كبار النفوس والنخوات.العلة التي عانت منها أم محمد منذ جاءت إلي الحياة هو الاحتلال، ودبابات الاحتلال، وطائرات الاحتلال، وعذابها سقوط الشهداء، والضحايا، وتفجع الأمهات، ورحيل الأزواج في أول رحلة الحياة الزوجية تاركين وراءهم زوجاتهم الشابات بأثواب الحداد، وأبناءهم وبناتهم أيتاماً في حياة شاقة وعرة موحشة.هل فهم هذا العالم اللاهي الظالم المنافق انفجار الجدة أم محمد وهي في هذا العمر؟!هل تأمل العرب والمسلمون وجه ( عروس ) فلسطين الجدة أم محمد، وسمعوا كلماتها جيداً؟!هل هزت فعلة أم محمد قلوب وضمائر الذين يسهمون في (تجويع) شعب فلسطين عرباً ومسلمين، وتفاقم الويلات التي يصبها الاحتلال الصهيوني عليه يومياً؟!أم محمد أبلغت الأسري أنها تحمل همهم، تفكر فيهن وفيهم، في الذين اكتهلوا وراء القضبان ودبت الأمراض في أجسادهم، وفي اللواتي أنجبن في الزنازين بعد انتزاعهن من بيوتهن الأسرية.أم محمد النجار مضت بعيداً (بانتفاضة) سيدات بيت حانون، وفي معاني الاستشهاد كاحتجاج ورفض إنساني للذل والهوان والقبول بموت يومي يبتلي به المحتلون شعبنا.كلمات أم محمد، تجاعيد وجهها، التماعة عينيها وهي تحتضن البندقية، وتتلو كلماتها لشعبها، لأبنائها وبناتها، وأحفادها وحفيداتها، كلها تقول: نحن شعب لن يموت، فعزيمة الشيوخ أمضي عندنا من عزيمة الشباب، وتجاعيد الوجوه، ووهن العظام، وحب الأحفاد والحفيدات، لن تكون عائقاً، بل هي الدافع للانفجار في عدو يقتلهم أمام عيوننا، يحرمهم من الحنان، يمزق أجسادهم في أحضان أمهاتهم…أم محمد، يا أمنا، يا جدتنا الزيتونة المباركة، لك المجد، فأنت بفعلك المعجز تلهميننا، وتمنحيننا الثقة، وتنقين نفوسنا من اليأس، والشعور بالعجز، فنحن شعب كثير بنفسه، بمعجزاته التي لا شبيه لها، بتجدد طاقاته في الميدان…أم محمد.. جيش بكامله دخل المعركة، وأين الجيوش التي بشجاعة، وإيمان، وجسارة شيخة الشهداء هذه؟!أم محمد استشهدت لفرط حبها للحياة الكريمة، وكرهها للموت والاحتلال.. فلعنة الله علي المحتلين الذين حرموا الأحفاد من جدتهم، وحرموا الجدة من شيخوخة مريحة علي ثري وطنها…0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية