نواكشوط ـ «القدس العربي»: يمثل الإجرام السيبراني أو الجرائم السيبرانية تحديًا كبيرًا في العصر الرقمي الذي نعيشه حاليا لما يشتمل عليه من تهديدات ومخاطر مضرة على السواء بالأفراد والمؤسسات والحكومات.
وتعيث هذه الجرائم التي تقترف بلمسة على زر حاسوب، بالعالم منتشرةً كالنار في الهشيم: فمن الخسائر المالية الضخمة، تصل الجرائم السيبرانية لمجالات حساسة أخرى مثل انتهاك الخصوصية وسرقة الهوية، والهجمات على البنى التحتية، وتشويه السمعة والعلاقات العامة، وتعطيل الأعمال وتوقف الإنتاج، وتهديد الأمن القومي، والابتزاز والاحتيال الرقمي، والتأثير على الثقة في التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، أكد تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات 2023-2024 الصادر للتو «أن من بين دول العالم، توجد 46 دولة هي الأكثر تجهيزًا لمواجهة التهديدات والهجمات السيبرانية، من بينها 7 دول أفريقية فقط».
وشملت قائمة الدول الأفريقية السبع الأفضل تجهيزًا لمواجهة التهديدات السيبرانية مصر، وموريشيوس البلدين اللذين حققا درجات كاملة بواقع 100/100 مع حصولهما على 20/20 في كل ركن من أركان المؤشر الخمسة؛ ثم غانا التي حصلت على 99.27/100؛ تليها تنزانيا التي سجلت 99.26/100؛ ثم كينيا التي حصلت على 98.59/100؛ ثم رواندا التي سجلت 98.32/100؛ وأخيرا المغرب الذي حصل على 97.50/100.
وأوضح التقرير «أن هذه الدول السبع تعتبر الأفضل على مستوى أفريقيا في مجال الأمن السيبراني، بتقديمها أداءً قويًا في أركان المؤشر الخمسة، التي تشمل التدابير القانونية، والتقنية، والتنظيمية، وتطوير القدرات، والتعاون».
وأشار التقرير إلى «أن 105 من بين 194 دولة تم تصنيفها ضمن الفئتين T3 وT4 ما يعني أن عليها القيام بمزيد من الجهود لتحسين قدراتها على مواجهة التهديدات السيبرانية».
وعلى سبيل المثال، حصلت جمهورية أفريقيا الوسطى على درجة عامة بلغت 4.76/100 وهي درجة تم تحقيقها فقط في ركن «التدابير القانونية»؛ أما الجزائر فقد حصلت على درجة إجمالية بلغت 65.87/100 مع درجة ممتازة بلغت 19.18/20 في ركن «التدابير القانونية» لكنها سجلت درجات أقل في مجالات أخرى: 8.57/20 في «التدابير التقنية» و11.02/20 في «التدابير التنظيمية» و13.91/20 في «تطوير القدرات» و13.19/20 في «التعاون». ويُؤمَل أن تُسهم النسخة الخامسة من المؤشر العالمي للأمن السيبراني الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات في تشجيع الدول الأفريقية ذات الترتيب الأقل على تحديد المجالات التي تحتاج فيها للدعم من أجل تحسين الأداء، وللعمل على تعزيز قدراتها للتصدي للتهديدات السيبرانية.
وتشمل النواحي الرئيسية للأخطار الناجمة عن الإجرام السيبراني، مجالات متعددة أبرزها الهجمات السيبرانية عبر الاحتيال الإلكتروني، وكالسرقة الرقمية، وكاختراق الأنظمة المصرفية أو سرقة بيانات بطاقات الائتمان لتنفيذ تحويلات غير مشروعة للأموال.
وتشمل الجرائم السيبرانية القرصنة واستغلال البيانات الشخصية التي قد تصل إلى سرقة الهوية، واستخدام البيانات المسروقة في أعمال غير قانونية، إضافة لتسريب المعلومات الشخصية الحساسة التي يتم عبرها، ابتزاز الضحايا أو استغلالهم.
ومن أخطر الجرائم السيبرانية، الهجمات على البنى التحتية الحرجة كالهجمات الإلكترونية على أنظمة الطاقة، والمياه، والنقل، والرعاية الصحية التي يمكن أن تتعطل جراءها، الخدمات الحيوية بما يهدد حياة البشر.
كما تؤثر هذه الجرائم أحيانا كثيرة، على الأنظمة الحكومية والعسكرية بهدف التجسس أو إلحاق الأضرار المباشرة.
ومن المجالات التي تصلها الجرائم السيبرانية، السمعة والعلاقات العامة، حيث تدمر الجرائم السيبرانية سمعة الشركات أو الأفراد عن طريق نشر معلومات خاطئة أو تسريب بيانات حساسة، ومن ذلك الإضرار بالسمعة المؤدي لفقدان الثقة في العلامات التجارية أو الشخصيات العامة.
ولعل أخطر مجال معاول الجرائم السيبرانية هو تهديدها للأمن القومي، حيث تستغل الجماعات الإرهابية المعابر السيبرانية للقيام بالتجسس الإلكتروني ولشن هجمات على البنية التحتية الحكومية الحساسة.
ويمكن للمجرمين السيبرانيين، استخدام برمجيات الفدية لتعطيل الأنظمة مقابل الحصول على فدية مالية، وكذا الاحتيال الرقمي عبر البريد الإلكتروني أو مواقع التواصل الاجتماعي، بما يهدد الأفراد والشركات بخسائر مالية ويؤدي إلى نشر المعلومات المضللة.
ولعل أخطر تأثير للجرائم السيبرانية هو أن تأثيراتها قد تفقد الثقة في التكنولوجيا أكبر إنجاز بشري اليوم؛ فالانتشار المتزايد للجرائم السيبرانية يؤدي إلى تآكل الثقة في التكنولوجيا الرقمية، ما قد يعيق الابتكار ويؤثر على الاقتصاد الرقمي؛ ومن آثار ذلك تردد المستخدمين في مشاركة معلوماتهم عبر الإنترنت أو استخدام منصات التجارة الإلكترونية. كل هذه النواحي وغيرها، تجعل الجرائم السيبرانية خطرًا عالميًا يستدعي إجراءات قوية لمواجهتها، بما في ذلك تعزيز الأمن السيبراني، وتوعية المستخدمين، وتشجيع التعاون الدولي للحد من تأثيراتها.
ويعتمد الأمن السيبراني على مجموعة واسعة من الأدوات والوسائل التي تعمل بشكل متكامل لحماية الأنظمة والشبكات من التهديدات. وتتنوع هذه الأدوات بين تقنيات وقائية، وأخرى كشفية، تهدف جميعها إلى تقليل المخاطر السيبرانية.
ومن أهم هذه الأدوات الجدار الناري وهو أحد الأدوات الأساسية في الأمن السيبراني، ويعمل كحاجز بين الشبكات الداخلية الموثوقة والشبكات الخارجية غير الموثوقة (مثل الإنترنت)؛ ومن هذه الأدوات برمجيات مكافحة الفيروسات والبرمجيات؛ ومنها نظام كشف التسلل ومنعه؛ ومنها التشفير والتحكم بمراقبة الوصول؛ ومنها تحليل الثغرات الأمنية، وسجلات النظام ومراقبة الأحداث، وأنظمة النسخ الاحتياطي والتعافي من الكوارث؛ ومنها تقنيات الحماية السحابية السيبرانية.
ومن هذه الأدوات كذلك، التوعية السيبرانية التي تعد جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية للأمن السيبراني، حيث يتم تدريب الموظفين على التعرف على التهديدات، مثل هجمات التصيد الاحتيالي، واتخاذ الإجراءات الصحيحة لحماية البيانات والشبكات.
وتشمل أدوات الدفاع السيبراني تقنيات إدارة الهويات والأذونات القائمة على تحديد من يمكنه الوصول إلى النظام؛ ومن هذه الأدوات تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي التي تستخدم في تحليل كميات ضخمة من البيانات بسرعة، مما يساهم في اكتشاف الهجمات المتقدمة وتحليل الأنماط المشبوهة بشكل أسرع من البشر.
وباستخدام هذه الأدوات والوسائل، يتمكن خبراء الأمن السيبراني من توفير دفاعات متقدمة ضد التهديدات الرقمية، وبالتالي حماية الأنظمة والبيانات والمستخدمين من المخاطر السيبرانية المتزايدة.