الجزائريون لا يموتون هاربين في البحر ومسؤولوهم لا يعرفون الفساد!
توفيق رباحيالجزائريون لا يموتون هاربين في البحر ومسؤولوهم لا يعرفون الفساد!اعتقد ان من واجب الجزائريين في الخارج ان يشكروا تلفزيون بلادهم علي عمله المتواصل لتزويدهم بحبوب الوطنية وجرعات حب الوطن والافتخار بالانتماء اليه. فكثيرا ما يتضح من خلال نقاش مع زملاء واصدقاء من داخل الجزائر اننا نختلف في رؤيتنا لبعض الامور، فيخلص بعضهم الي الاستنتاج بان انتم الذين في الخارج ترون الاشياء بغير ما نراها نحن . هو نوع مؤدب من التسليم بان النقاش قد لا يصل الي نتيجة. وهو استنتاج الطف واذكي من ذلك الذي يوصمك بما ليس فيك او يطعن في انتمائك للارض التي ولدت بها وللوطن الذي اختارك ولم تختره.هذا هو الاعتقاد السائد: الخارج غيّركم!لا اعرف هل يحدث هذا مع بقية العرب والعالمثالثيين المقيمين بالخارج، لكن بعض جزائريي الداخل يستمدون الخوف علي (من؟) جزائريي الخارج من سنوات الحرب الاهلية (يسميها الاعلام المحلي الازمة امنية رغم ان حصيلتها 200 الف قتيل) التي بدأت في 1992 واضطرت الاف الجزائريين الي هجرة وطنهم والتشرد في افريقيا واوروبا وما بينهما. في تلك السنوات كان الاعتقاد السائد ان من هجروا الوطن، فعلوا جبنا او بدافع من قلة الوطنية، والدليل ان بعض الصحافيين والمثقفين يباهون اليوم بتعبيرات من نوع احنا بقينا هنا وان الجزائر ظلت واقفة بفضل الذين لم يهربوا منها عندما اشتد الحريق . بل حدثني صديق قاص يقيم بعاصمة اوروبية يوما عن اخرين تحدثوا صراحة عن مثقفي وصحافيي الداخل و مثقفي وصحافيي الخارج في التسعينات مع تلميحات ظاهرة ومبطنة الي ان اصحاب الداخل اشجع واولي بالثناء والاهتمام عندما حطت الحرب اوزارها. اي نفس التقسيم الذي اوشك ان يغرق ثورة الشعب (1954 ـ 1962) في الاوحال بدل ان يكون عنصر اضافة وقوة لها.لكن الشكر الاكبر يجب ان يذهب للرئيس بوتفليقة. فهو، بخطاباته وباسلوبه في الكلام والمخاطبة، يحرّض هذا التلفزيون علي ان يزرع فينا الجرعة المطلوبة من الوطنية الضرورية في التوقيت الضروري.ہہہفي العادة، التوقيت المناسب هو الاول من تشرين الثاني (نوفمبر) المصادف انطلاق حرب الاستقلال التي يجب ان يعتز بها كل جزائري. او 5 تموز (يوليو) المصادف يوم الاستقلال الذي حققته تلك الحرب. وايضا 19 اذار (مارس) المصادف يوم وقف القتال مع الفرنسيين في 1962. وهناك 11 كانون الاول (ديسمبر) المصادف يوم المظاهرات الكبري بالعاصمة في 1960 احتجاجا علي زيارة الرئيس الفرنسي شارل ديغول لـ الجزائر الفرنسية . وهناك مواسم المحن والازمات مثل الزلازل والطوفانات.هناك تواريخ اخري لكن لا اذكر ان بينها 26 كانون الاول (ديسمبر). في 27 من هذا الشهر (العام 1978) توفي الرئيس هواري بومدين، لكن الذكري لا تستحق تلك الاحتفالية التي اقامها التلفزيون الجزائري في سهرة الثلاثاء المصادف التاريخ المذكور. احيانا تقام احتفاليات وندوات محتشمة للمناسبة، بدأت في السنوات الاخيرة تتحوّل من مناسبات لبومدين الي ولائم لذكر مناقب (وزير خارجيته) عبر العزيز بوتفليقة، لا هدف منها سوي رغبة اصحابها في البقاء قريبا من عرش رئيس اليوم.في التاريخ المذكور، 26 من الشهر الماضي، امضي الرئيس بوتفليقة قانون المالية للعام 2007. وعلي غير العادة، القي امام مئات الحاضرين من مسؤولي الدولة، خطابا طويلا تجاوز الساعتين. في العادة يجري توقيع القانون بقصر الرئاسة في حضور اعضاء الحكومة فقط، ثم تؤخذ صورة تذكارية، تقليدا، وهو ما لم يحدث هذه المرة. وعندما انتهي الخطاب اتحفنا التلفزيون، حتي منتصف الليل، بباقة من الاغاني الملهبة لمشاعر الوطنية بالعربية والامازيغية تتحدث كلها عما كان يسمي في السبعينات والثمانينات التوازن الجهوي بين مناطق البلاد من حيث التنمية وتوزيع الثروة. هكذا انقضت سهرة كاملة في قناتين تلفزيونيتين هما في الحقيقة اسمان لقناة واحدة. سبب باقة الاغاني الوطنية عن التوازن الجهوي ان الخطاب تضمن كلاما عن اجحاف تتعرض له مناطق علي حساب اخري ووزراء قال الرئيس انهم يهتمون بمناطقهم او مناطق علي حساب اخري.لن افتي في مضمون الخطاب لانني لم امتلك من الصبر ما يكفيني لمتابعته كاملا، ولكنني عرفت انه كان عاديا لان وكالات الانباء العالمية لم تنقل عنه او عن مضمونه، وان لم يمنع هذا التلفزيون الجزائري ووسائل الاعلام الاخري من اعتباره برنامج عمل.ثم عاد التلفزيون الي نفس الجوقة الملهمة في الاسبوع الموالي المصادف افتتاح الجزائر عاصمة الثقافة العربية ، فوقع من الخبط علي رؤوس المشاهدين ما يهز الجبال، كله انطلاقا من اعتقاد (اصبح ثقافة جديدة) بأنها فرصة العمر ليري الجزائريون للعرب والعالم ثقافتهم وفنونهم وتاريخهم، وايضا حبهم لوطنهم وارتباطهم به. تكاد تقول عنها معركة، لكن باسلحة رديئة اولها التلفزيون، والا ماذا يضطر صحافية للقول في بث مباشر انها الجزائر التي لا نحيد عنها قيد انملة كأن هناك من طلب منها ان تحيد.ہہہقبل ثلاثة اسابيع طالب الزميل خضير بوقايلة في مقال بصحيفة جزائرية بمساءلة مسؤولي التلفزيون لانهم سمحوا ببث اخبار عن 49 جزائريا، بينهم كهول فوق الخمسين، غرقوا في البحر اثناء محاولتهم التسلل الي اسبانيا. حجته ان التلفزيون يسيء لسمعة الدولة والرئيس بحديثه (علي غير عادته) عن اناس، ليسوا مجرد شباب طائش، يهجرون البلد بحثا عن امل ومستقبل افضل، مثلما اساء لها زعيم الخوانجية ، ابو جرة سلطاني، بحديث (غير صادق) عن الفساد المستشري في اجهزة الدولة. لولا معرفتي باسلوبه الساخر لقلت ان الزميل خضير جاد ودّققت ان مطلبه تحقق وان التلفزيون امتنع، او مُنع، هذه المرة عن بث اخبار ضحايا امطار طوفانية (قالت تقارير انهم 40 شخصا) حفاظا علي سمعة البلاد وقائدها. وبث تحقيق (فاشل مهنيا عن خسائر مادية وطرقات واحياء بضواحي العاصمة غرقت في الاوحال) في اليوم الموالي بدا كأنه تصفية حسابات مع مسؤولين محليين بالقول انهم عجزوا عن مواكبة سرعة النمو التي يسير بها برنامج رئيس الدولة. لا حديث عن ضحايا او مصابين، فجزائريو العزة والكرامة لا يموتون ولا يتضررون ولا يشتكون. والحديث عن وفيات واصابات ومشكلات بالبلد فيه اساءة لرمزها القائد وحكمه الراشد، ويضر بانتماء صاحبه وحبه لوطنه، خصوصا اذا كان صاحب الكلام من الذين فضّلوا الخارج علي الموت او المعاناة مع اخوانه بالداخل في التسعينات، او علي مشاركتهم النعيم منذ ولادة الجمهورية الجديدة (الثالثة او الرابعة لا اعرف) علي يد فخامته في 1999.الحرص علي عدم الاساءة للبلد ورمزه هو ما يجعل التلفزيون يعتّم علي المحاكمة التي تجري هذه الايام وتحـــــمل اسم قضية الخليفة ، حتي لا يسمع العالم اننا دولة بها من النهب لاموال الشعب ما يصعب تصديقه حتي في افلام السينما. بقليل من الذكاء كان يمكن ان تُعطي الاوامر لاصحاب التلفزيون لتغطية المحاكمة ليري العالم وضيوف الجزائر اننا دولة يحارب رئيسها الفساد مهما علا واستشري (رغم علمنا جميعا ان الماثلين امام المحكمة هذه الايام هم من الحوت الصغير واقل من الصغير، لكن معليهش!). كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]