كمال زايت الجزائر ـ ‘القدس العربي’: احتفل الجزائريون أمس بمرور 24 عاما على انتفاضة 5 تشرين الأول (أكتوبر) 1988، في ذلك اليوم وقبل أن يعرف العالم معنى ‘الربيع العربي’ صنع الجزائريون ربيعهم (أو صنع لهم) لكن الأكيد في الأمر أنهم لم يقطفوا ثماره، وهو الأمر الذي يكون قد دفعهم للبقاء متحفظين أمام رياح الربيع العربي التي هبت على الكثير من الأقطار.ورغم مرور قرابة ربع قرن على تلك الانتفاضة، التي تسمى في القاموس الجزائري ‘أحداث 5 أكتوبر’، إلا أن نفس السؤال يتكرر سنويا، وفي كل مرة يتم فيها استحضار تلك الانتفاضة، وهو ‘هل كانت الأحداث عفوية أم مدبرة’، هل النظام فوجئ بها، أم هو من دفع إليها؟ هل كان الشباب الذين نزلوا بصدورهم العارية لمواجهة قوات الأمن يطالبون بالديمقراطية والحرية، أم أنهم كانوا يعبرون عن حالة غضب ورفض لكل السياسات المطبقة منذ الاستقلال؟ أم أن النظام الذي كان يريد إحداث تغييرات عميقة في تسيير شؤون البلاد كان بحاجة إلى صعقة كهربائية للمجتمع حتى يتقبل ما هو آت.الأكيد أنه في ذلك اليوم اكتشف الجزائريون أشياء جديدة، وفي مقدمتها التمرد على سلطة الدولة، التي كانت إلى غاية ذلك اليوم من المقدسات، كما أدركوا أن لهذا التمرد ثمنا، فلأول مرة منذ استقلال البلاد يجد المتظاهرون أنفسهم وجها لوجه مع قوات الجيش، التي لم تكن جاهزة لمواجهة مظاهرات وسط شوارع المدن الضيقة، وكانت النتيجة أكثر من 600 قتيل ومئات الجرحى، حسب بعض المصادر، إضافة إلى حالات تعذيب تم الكشف عنها بعد ذلك.رغم مرور كل هذه السنوات، إلا أن أحدا لم يستطع تقديم إجابات شافية وكافية لما جرى في تلك الأيام، التي غيرت وجه الجزائر، فكل يفسر هذه الأحداث من وجهة نظره، فالبعض يقول إنها مدبرة من طرف جناح داخل السلطة لإبعاد جناح آخر، والبعض الآخر لا يزال متمسك ب’نظرية’ اليد الأجنبية التي أرادت نشر الفتنة والفوضى، في حين أن الكثير ممن شاركوا في هذه الأحداث أو انتسبوا إليها، يرون أنها انتفاضة شعبية، وأن النظام هو الذي نجح في سرقتها وفي توظيفها لصالح بقائه واستمراره.هذه الانتفاضة الشعبية سواء كانت عفوية أو مفتعلة فتحت الباب لإحداث تغييرات سياسية واقتصادية هزت أركان الدولة، فالجزائر كانت تعيش ابتداء من منتصف الثمانينات أزمة اقتصادية خانقة، بعد أن أثبتت السياسات المتبعة من قبل فشلها، إضافة إلى تراجع أسعار النفط، وزيادة الاستهلاك بتشجيع من الدولة في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد.أما سياسيا، فلأول مرة يفتح الباب أمام تأسيس أحزاب سياسية وجمعيات بعيدا عن الحزب الواحد، كما تم السماح للمعارضين المقيمين في الخارج، مثل حسين آيت أحمد وأحمد بن بلة بالعودة إلى أرض الوطن.الأحداث التي بدأها مراهقون، ركبها الإسلاميون بسرعة، والذين حاولوا تسيير المظاهرات والتحكم فيها، وكذا الظهور أمام السلطات في صورة الجهة التي تمثل الشارع الجزائري، وبالتالي استطاع الإسلاميون أن يكونوا الرقم الأساسي في المعادلة السياسية، فرغم الانقسامات التي ظهرت في وسطهم، إلا أن عدة تيارات اتفقت على تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ ودخول المعترك السياسي.الإسلاميون استطاعوا السيطرة على المشهد السياسي، في وقت كان النظام يخوض فيه عدة معارك على عدة جبهات، فمن جهة كان يريد أن يدرب نفسه على الديمقراطية، وعلى ممارسات جديدة، ومن جهة أخرى كان يخوض معركة داخله لتمرير الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وكذا معركة أخرى بين الأجنحة المتصارعة، إضافة إلى المعركة الأكبر أمام الإسلاميين، وكانت بطبيعة الحال فاشلة منذ البداية، لأنها لم تؤدي سوى إلى تقوية الإسلاميين، الذين كانوا أصلا مستفيدين من تناقضات النظام ومن التركة الموروثة منذ الاستقلال، ومن الصراعات الموجودة داخله، كما أن الخطاب الذي كان يبدأ ب’ قال الله قال الرسول’ كان يشد إليه الآذان والأفئدة.بقية القصة معروفة، الإسلاميون فازوا بأول انتخابات محلية في يونيو/ حزيران 1990، وزادت شعبيتهم بسبب عوامل مختلفة، في وقت تراجعت فيه قوة النظام وهيبته، وشعر قياديو الجبهة الإسلامية للإنقاذ أنهم أقوى من النظام، وأن المظاهرات المليونية التي كانوا يخرجونها إلى الشارع تعطيهم شرعية انتزاع النظام القائم بكماشة مثلما ينزع ‘المسمار الصدئ’.لكن النظام لم يكن قد قال كلمته الأخيرة، وترك الإنقاذيين يرتكبون الخطأ تلو الآخر، في وقت واصل هو أيضا ارتكاب الأخطاء، وكانت أول مواجهة بين الطرفين هي ما سمي بالإضراب السياسي ( العام) الذي دعت إليه جبهة الإنقاذ في ربيع 1991، واحتل الإسلاميون الشوارع والميادين العامة في العاصمة، وبعد أيام من المفاوضات تدخلت قوات الدرك وتم إخلاء الساحات بالقوة، ووقعت مواجهات وسقط قتلى، وتم بعدها توقيف ‘شيوخ’ جبهة الإنقاذ ووضعهم في السجن، لكن الجبهة خاضت الانتخابات البرلمانية التي جرت في ديسمبر/ كانون الأول 1991، وفازت بالأغلبية فيها منذ الدور الأول.ورغم اتهامات السلطة لجبهة الإنقاذ بتزوير الانتخابات، وباستغلال النظام الانتخابي الذي وضع لمساعدة الحزب الحاكم، لكنه في واقع الأمر لعب لصالح الإسلاميين.وقرر النظام بعد ذلك إلغاء نتائج الانتخابات، ورفع الكثير من الإسلاميين السلاح، ودخلت البلاد في حرب أهلية ترفض الإفصاح عن نفسها، وسالت الدماء وديانا على مدار عقدين من الزمن، وحل الخراب والدمار، ولم تبدأ الجزائر تستعيد عافيتها إلا منذ سنوات قليلة. صحيح أن الجزائريون ‘صنعوا’ ربيعهم منذ قرابة ربع قرن، لكن النتائج والثمار المقطوفة لم تكن أبدا بحجم التضحيات والخسائر، وهو السبب الذي جعلهم ينظرون إلى ما يحدث في الكثير من الدول العربية نظرة شك وريبة، لهذا لم ينخرطوا في الموجة التي طرقت أبوابهم من الحدود الشرقية، في وقت راهن الكثير من المحللون والمراقبون أن يتكرر نفس السيناريو في الجزائر، وهو ما دفع البعض للتساؤل عن خلفيات ‘الاستثناء الجزائري’، وبصرف النظر عن التحاليل والتفسيرات التي تتحدث عن عوامل كثيرة، فإنه لا يمكن أن نقلل من أهمية التجربة التي عاشها الجزائريون طوال عقدين من الزمن، والتي دفعتهم إلى الحيطة والحذر من صناعة ثورات تسرق منها ويقطف ثمارها غيرهم.