مسرحي قادم من ركح الدهشة، مسلح بالنص والفضاء المفتوح. كتب نصه الأول «الرهينة» من خلال تجربته الجديدة، حيث قدمه على مسرح باتنه الجزائري، ثم في تونس، ومؤخراً في موريتانيا. عنده النص المسرحي سبيل للتفاهم الفكري، لذا يتطلب رؤية تحفر عميقا في خلخلة المفاهيم والمعايير في المشهد الثقافي العربي. فكان معه هذا الحوار..
■ كيف ترى المسرح كفعل تحرري لبناء الإنسان المغاربي فنيا؟
□ في مفهوم التحرر الإنساني، وفق الحركة الفنية والخروج من الاستلاب الفكري المهيمن الذي فرضه الاحتلال، والذي داس في الحراك الشعبي الفكري الموجود في ذهنية العربي خصوصا، يمكن للعقل العربي، أن يتجه إلى تحرير ذهنية التابع والمتبوع من أفكاره، وتتبع مسار الرؤية المسرحية الجديدة التي تدعو إلى تحرير الإنسان من اتباع الغالب المحتل. المسرح آفاق للغوص في الذات العربية، إلى حدود التمسك بتحريرها من عقدة التأثر التي تجرها إلى الاستسلام. وبنية العقل العربي تحتاج إلى تحريك فعلي في تركيبة النصوص المبثوثة فيه، وفق منظور جديد يدعو إلى مسرح طليعة يخدم الفكر أكثر. ويأتي البناء الفني للإنسان المغاربي، وفق أطر وميكانيزمات حقيقية تدرس المحيط السوسيولوجي السائد في الجهة المغاربية. ومحاولة تكوين متلق جديد للأفكار الفرجوية خارج البهرجة المسرحية، التي لا تؤدي إلى نسق تغييري في المفاهيم. وهذا كله ينطلق من خلق فضاء جديد للحراك المسرحي، وفق التجريب خارج السائد الأوروبي المستورد أيديولوجيا. وبالتالي يمكن خلق قطيعة أمام الجاهز المسرحي، وإعطاء البديل بمسرح عربي بذات تظهر بذور وجوده.
أرى نجاح المسرح الامازيغي في الفضاء المفتوح أكثر مصداقية، والتحرر من مسرح العلبة الإيطالي وسيلة لمسرح أمازيغي قائم في حد ذاته.
■ وماذا قدمت التجربة الجزائرية للمسرح المغاربي؟
□ كانت اللعبة المسرحية متجذرة منذ العشرينيات، أي قبل ثورة التحرير، ومع زيارة وجولات جورج أبيض في الجزائر، ظهرت بوادر مسرحية كان فيها الجانب النضالي واضحا، خصوصا في فترة الاستعمار الفرنسي. وكان المحمول النصي ثوريا أكثر منه اجتماعيا، رغم تغطيته بالجانب الاجتماعي في الطرح. ولأن مسار الترتيب كان مسرحيا في أفق جديدة على المتلقي الجزائري، اختارت السلطة الجزائرية بعد الاستقلال تقنينه ووضعه في المرتبة الأولى ثقافيا، ليستمر النضال وفق التنمية الجديدة للجزائر من جانبها الفكري، واتخذت المسارح تجارب جديدة، لمحاولة بعث طريقة جديدة في التجريب المسرحي، كان على رأسها المرحوم عبد القادر علولة، وتجربته في مسرح الحلقة، الذي أعاد للإنسان حريته الذاتية في التعبير وإشراكه في الحقل العرضي، الذي كان بعيدا عنه في مسرح العلبة الإيطالي. ونتج عن التجربة مسرح جديد اعتمد على القوال كحركية جديدة في البث المسرحي، وخلق متلق جديد، يؤمن بمسرح شبيه بحركته الاجتماعية. إذ يعتبر القوال والحلقة جزءا من محيطه الاجتماعي ومساره اليومي وفق التعايش. وبالطبع سار تنظير علولة إلى المغرب العربي، في كل الاتجاهات، واستطاع أن يعطي طابعا جديدا وبداية تنظير لمسرح عربي، يمتد إلى جذور ما قبل المسرح التي كانت معروفة عند العرب. واستمرت مدرسة علولة، في البناء، إلى حد الآن، رغم غياب التنظير الفعلي في هذه الحركية الجديدة، وغياب الاجتهاد لخلق مدرسة مسرحية عربية خاصة.
■ كيف تقيم تجربة الهواة والاحتراف في المسرح الاحتفالي المغربي؟
□ في المغرب كانت تجربة الاحتفالية التي قادها عبد الكريم بالرشيد، من أهم المراحل التحررية من مسرح العلبة الإيطالي. الاحتفالية كانت وما زالت موسم حرية وانبهار بالموجود المسرحي المتواطئ، مع عقلية المتلقي، الذي يحب التحرر من النمطية السائدة في المسرح الغربي. لقد أقام بالرشيد، فواصل مهمة للتفكير في مسرح عربي قائم على دراسة الموروث والطقوس العربية، وفق مسرح في الفضاء المفتوح، وهي نظرة تجديدية في الحراك المسرحي العربي عند الهواة أو المحترفين. وخرجت من قيد الحركة الستنسلافسكية إلى تحرير الجسد والنص معا، في أفق تلاحمي يكون الاحتفال سيد الموقف فيه، ويكون المتلقي شريكا فعالا في التواصل مع العرض، وبالتالي اندماجه المباشر في الطقس الاحتفالي الذي يجره إلى العمق مباشرة. التجارب الطقوسية التي اتخذت نموذج الاحتفالية، استطاعت أن تجلب جمهورا كبيرا، حتى وسط الأسواق والأحياء الشعبية، وبالتالي كان في الإمكان تبنيها كمسرح عربي خالص، خارج تنظير مسرحي مستورد وفق أيديولوجيات جاهزة مسبقا. والتنظير المستمر لبالرشيد، جعل من المادة المسرحية في الاحتفالية قانونا، يمكن اتباعه في خلق حركية جديدة، وممثل جديد متحرر، من تقسيمات الخشبة الإيطالية إلى الفعل التحرري في الفضاء المفتوح.
■ كيف تقيم المسرح الأمازيغي في الفضاء المفتوح، وكيف تراه مستقبلا؟
□ لا تزال المرحلة فتية وتقاربية في الطرح في دول المغرب العربي، رغم الثقل في الإرث الثقافي الأمازيغي، في المغرب عملت معهم كثيرا، خصوصا في مهرجان النكور وتجربة خالد بويشو أيضا. المسرح الأمازيغي، أرى نجاحه في الفضاء المفتوح أكثر مصداقية. وهي الفكرة التي أعمل عليها في الجزائر وفي طبعة ثانية لمهرجان المسرح الأمازيغي في الفضاء المفتوح. ومستقبلا، أرى التحرر من مسرح العلبة الإيطالي وسيلة لمسرح أمازيغي قائم في حد ذاته، وعمل طقوسي يجيد قراءة الموروث. رتبت الجانب الأيديولوجي وفق قراءة الفن المسرحي، من منطلق العرض وليس اللغة. وتقويم العرض الأمازيغي وفق المحمول الميثولوجي، الذي يخدم قراءة تاريخ التواجد الأمازيغي، وإلا كنا نسميه المسرح الناطق بالأمازيغية.
■ بين الدهشة وتأويل النص المسرحي، ما هي حساسية نصوصك الجديدة، ومدى اختراقها لحفريات الركح المغاربي؟
□ في قراءة التجلي الفني كما الأدبي، المتلقي مطالب باختراق بنياته وتفكيكه للولوج إلى عالمه الداخلي. وبما أن الكتابة الإبداعية، هي التي يخلق منها النص ويتجلى من خلالها مبثوثا إلى المتلقي، كان لزاما على النص المبدع، أن يخلق ثورة رموزه ومفاتيحه. واعتلاء المتلقي إليه ليس من عبثية العرض، وإنما من اكتشاف معنى المتلقي في العرض المسرحي، وإبراز وجوده كعامل فعلي لإنجاح العرض. وهذا يتناقض تماما مع العملية العرضية لمسرح يرتكز على عملية تبسيط اللغة ليفهم الجمهور، لأن تقارب المتلقي مع العرض، ينطلق من طرح الأسئلة والدهشة، وعلى مدى سنوات كانت التجربة لإثارة الدهشة، موجهة إلى الإخراج والسينوغرافيا والغرق الضوئي في العرض. ورغم ذاك أصبح الجمهور عاديا لأنه ألف صناعة السينما وفق أبعاد الضوء والانبهار. لكن تجارب اللغة وخلق الدهشة، مازالت حبيسة فكر قديم لم نتحرر منه.. من هذه الفكرة يمكن أن ندخل إلى تنظير جديد، لما أسميه (مسرح الدهشة وفق اللغة). وهذا اقتراب جديد لحراك لغوي شاعري، أرى فيه إنجاز المهم التأويلي عند المتلقي، ومواكبة تطلع جديد للبحث في مغاور اللغة العربية الفصحى، وفق الشاعري وليس الشعري. الذي تبناه المسرح الطلائعي في مصر أيام أحمد شوقي والشرقاوي وغيرهما، ولأن التجربة تشد أنظار مخرجين عرب، عملت على توزيع نصوصي في تونس والمغرب وموريتانيا ولبنان، في تجارب نصية استطاعت أن تقدم إلى العيان متلقيا جديدا يؤمن بحركية اللغة، كفاعل أساسي في التوجه إلى دهشة العرض مع إشراك السينوغرافيا والإخراج المتمكن.
■ وماذا عن نصك المسرحي «لفافة وطن»؟
□ في «لفافة وطن» يعمل على إخراجه صديقي المخرج المغربي حفيظ بدري، ليرى النور هذه السنة ــ أحاول تفكيك الأسئلة الوجودية لمعنى المواطن، بعد الثورات العربية والربيع العربي، وهل فعلا استطاع المواطن العربي أن يتحرر من ذاته؟ أم بقي سجين فوضى تجره إلى الفراغ، في كل محاولة انفلات من ذاته. هو قراءة في الصراع مع الذات العربية، ومحيطه ومدى إثبات حركيته اتجاه تغيير التاريخ، وفق منظور همجي في البحث عن الحرية. في «لفافة وطن» أتكلم عن النتائج، وهل استطاع المواطن العربي أن يجابه الحب في ثوراته، وأن يحقق معادلة حب الإنسان الغائب الوحيد، من كل هذه الثورات. وهل فعلا تحرر الذهن العربي من الفوضى التي تلازمه حتى في إبداء رأيه.
٭ كاتب مغربي